ملاحظات سريعة على نتائج الإنتخابات البرلمانية بإقليم الحسيمة

عبد الرشيد المساوي

إن إطلالة سريعة على النتائج المعلن عنها في إقليم الحسيمة، تقود إلى تسجيل الملاحظات السريعة التالية:

 1- إستمرار أغلبية المواطنين في مقاطعة العملية الإنتخابية و العزوف عنها ( أكثر من 57 في المائة حسب ما هو معلن ، وهو رقم بعيد عن النسبة الحقيقية )، رغم الإستعمال المكثف للمال والتهديد بشكل لم يحصل في أي إقليم آخر- وهو ما ساهم فيه أغلب المترشحين في تطبيع من طرف جميع الأحزاب تقريبا، لكون أصحاب الشكارة غزوا أغلبها ولهم صوت مسموع داخلها – ورغم اعتماد الوكالات المزورة بشكل غير مسبوق ، وكذا حشو صناديق الإقتراع في الساعات الأخيرة لأهداف مختلفة حسب الأطراف المعنية ( وهو ما يفسر ارتفاع نسبة التصويت بشكل صاروخي بعد الثالثة مساء رغم أنها كانت جد متدنية قبل ذلك).

2- حصول تغير في الجهة الشرقية من الإقليم، واستقرار في الجهة الغربية. فعلى مستوى هذه الأخيرة تمكن كل من ممثل حزب الإستقلال وممثل حزب الحركة الشعبية من الحفاظ على مقعديهما وعلى قاعدتهما الإنتخابية (أكثر من 9000 صوت لكل واحد منهما) رغم مزاحمتهما من طرف البام الذي لم يحقق الإختراق الذي كان متوقعا في هذه الجهة. أما على مستوى الجهة الشرقية – التي سأركز عليها ملاحظاتي لأنها هي من عرفت التغير- فقط توغل البام وحصد المقعدين معا اعتمادا أولا على تواجده بهذه الجهة (يسير أغلب الجماعات)، ولإنحدار كثيرمن قيادييه منها، ثم لدعم الداخلية له طوعا أو كرها، وكذا تصريفه لخطاب أن الرهان ليس محلي وإنما وطني (انتخاب إلياس العماري رئيس للحكومة).
3- فشل ممثل الإتحاد الإشتراكي في الحفاظ على مقعده، والذي كان يستحقه عن جدارة واستحقاق، رغم حصوله على عدد من الأصوات يفوق بكثير عما حصل عليه في الإنتخابات السابقة. لذلك فهو الخاسر الأكبر في هذه الإنتخابات.  ويرجع ذلك إلى ارتفاع الأصوات “المعبر عنها ” بهذه الجهة، وكذا كون الجماعات الوحيدة التي يسيرها حزبه هي جماعته الأصلية وجماعة سنادة التي حقق فيها اختراقا كبيرا ( شقران ولوطا فيها أغلبية بامية رغم أن البعض يحسبهما خطأ على الإتحاد لأن العبرة بالجوهر وليس المظهر) مما حرمه من امتداد انتخابي، وكذا عجزه عن التوغل في ادغال كتامة. لكن الأخطرمن ذلك – وهو ما أعتبره السبب الأساسي لما حصل، لأن مقعده ذهب إلى البام –  سكوته عن ممارسات البام وتجنبه الإصطدام به مما كلفه  فقدان مقعده، وهذا ليس خلال هذه الإنتخابات فقط، وإنما منذ الإنتخابات الجماعية الأخيرة، ولم ينتفض إلا بعد ظهور النتائج. أضف الى ذلك تذبذب قاعدته الإنتخابية وفشل حزبه الذريع في وضع قدمه بالإقليم (مكتب إقليمي وفروع محلية صورية وشبه مشلولة).
 4- خلق ترشح نجيب الوزاني باسم العدالة والتنمية في الحسيمة ضجة وجدلا سواء محليا ووطنيا، لكنه أخفق شخصيا في فرض نفسه في الإقليم رغم الشهرة التي يحظى بها. أكثر من ذلك يمكن أن أجازف بالقول أنه حصد نتائج معاكسة تماما، أي أنه فقد أصواتا كانت له أو كانت للعدالة والتنمية. هذا الأخير تراجع أداؤه مع ما كان عليه في الإنتخابات البرلمانية السابقة. ويرجع هذا الإخفاق من جهة إلى الحملة الشعواء التي شنت عليه من طرف أقرب منافسيه (البام أولا، والإتحاد بدرجة أقل) لكن لاعتبارات مختلفة، والتي ركزت أساسا على استهداف حياته الخصوصية في بيئة محافظة. لذلك أعتبر أن الحسابات التي استند عليها في الترشح برمز المصباح كانت خاطئة تماما، بل أعطت مفعولا عكسيا. أي أن رهانه على استقطاب مناصري البيجيدي كان فاشلا لأن هؤلاء لا يصوتون على الرمز فقط وإنما أساسا على رمزية الشخص، ويركزون أكثر من غيرهم بسبب ايديولوجيتهم على عدم الفصل بين الحياة الخصوصية والحياة العمومية للفرد. وطبعا -وهذه نقطة تحسب له- لم يوظف النزعة القبلية التي كان من شأنها أن ترفع أصواته بكثير، لأن أغلب أنصاره بالإقليم ينتمون الى نفس القبيلة التي ينحدر منها.
5- أخيرا، وبالنسبة لباقي المرشحين يمكن تسجيل العودة القوية لممثل الأحرار لإحياء هيمنة هذا الحزب في فترات سابقة. ثم أيضا الصعود المفاجئ حسب كل المتتبعين لوكيل لائحة التقدم والإشتراكية ( أكثر من 1000 صوت ) الذي كسب الرهان في فرض نفسه كرقم انتخابي لا يستهان به، لذلك فهو ربح سياسيا بالرغم من الأضرار الجانبية لذلك (احتمال فقدان رئاسة جماعة شقران). وطبعا كان ممثل “الإتحاد” هو أكبر المتضررين من هذا الصعود. أما فيدرالية اليسار فقد سجلت حضورا مخجلا يسيء إلى الحزب أكثر مما يخدمه (لا معنى للترشح للبرلمان لحصد أقل من 500 صوت). أما ممثل جبهة القوى الديمقراطية الرفيق ” موحا أوحمو الزيتوني ” ( اللقب الذي أطلقه عليه نشطاء الفايسبوك ) فقد دافع عن جبهته بتأكيد ترشيحه النضالي لاغير رافضا أصوات أقرب الناس إليه.
خلاصات لابد منها :

مما سبق يمكن أن أخلص إلى كون إقليم الحسيمة على خلاف باقي الأقاليم عرف هيمنة واضحة للبام وصلت درجة التغول. وهذا لا يرجع إلى قوة هذا الحزب والدعم الذي لقيه من السلطة المحلية فقط، وإنما لضعف منافسيه الذين لم يستطيعوا مجتمعين تغطية مكاتب التصويت بالملاحظين (سميتهم شخصيا بالمولاحظين، أي لديهم حظان، إذ قبض كثير منهم من المرشح ومن منافسه للتغاضي عن التزوير) مما سهل إمكانية التلاعب بالنتائج لفائدة جهة معينة، والتي جاءت الوقفة الإحتجاجية للأحزاب الخاسرة أمام عمالة الإقليم للتنديد بها. ايضا، فإن غياب حزب العدالة والتنمية الذي لم يقرر بعد “غزو” الإقليم يبقى مؤقتا فقط، وقد بدأ بالكاد يضع اللبنات الأولى لتواجده (تأسيس أذرعه الدعوية ممثلة خاصة في التوحيد والإصلاح). وسيجد طبعا تربة خصبة لذلك تتمثل في الطبيعة المحافظة للمجتمع الريفي. وهكذا فحديث البعض عن حساسية الحسيميين تجاه الإيديولوجية الإسلامية هو حديث مقاهي وحانات، إذ الحساسية الوحيدة لهؤلاء، والتي ما تزال قائمة لحسن الحظ، هي تجاه الإيديولوجية المخزنية مهما كان الزي الذي ترتديه. لذلك فاعتماد منافسه الأول ممثلا في البام على “مالين الشكارة” (يتجلى هذا في تفضيل الحموتي على بودرة) لن يجدي نفعا في مستقبل الأيام مع استمرار الموجة الإسلامية في الصعود، والتي أصبحت تقلق أهم فاعل سياسي في البلد (القصر) وليس فقط الأحزاب السياسية.

  الحسيمة 12 أكتوبر 2016

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.