ملاحظات حول الخطاب الملكي الأخير بخصوص الحركات المتطرفة

خالد البكاري

بعيدا عن خطابات التقريظ المجانية أو المدفوعة الأجر أحيانا، التي تقصفنا بعد كل خطاب ملكي بعبارات: خطاب الصراحة،الخطاب التاريخي،،، و بعيدا عن محللي “الخطاب” الذين يتم استدعاؤهم عقب كل خطاب للقيام بوظيفتهم “الشيميكولورية”، و طبعا بعيدا كذلك عن القبائل الحزبية التي تؤول الخطب إياها و تحملها ما فوق طاقتها من أجل استنبات تلك العبارة المضحكة: لقد وجدنا أنفسنا في روح و منطوق الخطاب الملكي ،، بعيدا عن كل هذا التهريج الذي يفقد حتى بعض الخطب “المفصلية” تأثيرها و مقصدها، حين تتيه بين “الهيبة” و “التلقي الكسول”،، بعيدا عن هذه العلائق العمودية بين المرسل و المرسل إليه،، سنحاول أن نقوم بتمرين نقدي لخطاب ثورة الملك و الشعب الأخير.

كأغلب الخطب الملكية نلفى ذاك التناقض في اللغة و المضمون و الاستراتيجية الخطابية، بين الموضوعات التي تعالج القضايا الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية ( الهجرة- الطاقة- التنمية – العلاقات الخارجية،،،) و التي تكاد تلامس الأفق الحداثي بمضمون ليبيرالي، و بين تلك التي تمس الشأن الديني و التي تطغى على مقارباتها النزوعات التقليدانية المحافظة،، و هو التناقض الذي يعكس تيه الملكية المغربية بين المشروعية “الدينية” ك”موتيف” لتبرير الحكم بالوراثة “الذكورية”، و بين التموقع في سيرورة التحديث لإحداث القطيعة و لو مجازا مع أنماط الحكم “السلطانية”.

لاختبار هذه الفرضية ،دعونا نتأمل الفقرات الأولى من الخطاب الأخير (العلاقة بالجزائر- استحقاقات الانتماء الإفريقي) و نقارنها بالفقرات الموالية المرتبطة بنقد، بله تسفيه “المشروع” الأصولي في تجلياته “الانقتالية”،خصوصا في أوساط الهجرة،،

عند حديثه عن العمق الإفريقي و مقتضيات التضامن كان كاتب الخطاب يستلهم بوعي أو بدونه ” البوست كولونياليزم” ، يكفي جرد بسيط للمعجم الدلالي الموظف (الاستعمار الجديد- التحرير- التضامن – النهوض- المقاومة…) ليستحضر المخاطب روح كتابات فرانز فانون و هومي بهابها و رائد تيار الزنوجة إيمي سيزار، حيث نقد المركزية الغربية و الاحتفاء بالهامش والدعوة لاستقلال دول الجنوب عبر ممري التضامن و الاستقلالية عن المركز الأوروبي و الأمريكي الشمالي على قاعدة :رابح-رابح،،

لكن حين ننتقل للفقرات “المنتقدة” للتطرف الديني،فكأننا مع كاتب آخر و قلم آخر و مرجعية أخرى،، مرجعية مغالية في المحافظة الدينية، و التقليدانية التأصيلية التي تمتح من القياس الأصولي و فقه الأحكام السلطانية، دون انتباه إلى  التقاء الأصوليتين : الانقتالية و السلطانية في الأصول الاستدلالية نفسها، حيث الاحتكام للدلالة الحرفية للنص، و أحيانا تطويعه عبر آليات تأويلية تلتقي مع الحرفية في تجميد النص و انغلاقه دون أي منحى تثويري في اتجاه مقصدية التنوير، مقصدية الحرية و المسؤولية الفردية و الانتماء للراهن (الهوية كسيرورة لا كثابت).

ورد في الخطاب مثلا:”إن الإرهابيين باسم الإسلام ليسوا مسلمين، مصيرهم جهنم خالدين فيها”، هذا القول هو تكرار معكوس للخطاب الانقتالي، حيث احتكار صفة الفرقة الناجية و إخراج الآخر من الملة، الانقتاليون مجرمون لا جدال في ذلك، لكن هل يخرجهم الإجرام من دائرة الدين؟؟ إذا كان الأمر كذلك فلماذا ننتقد التكفيريين حين يخرجون تارك الصلاة من دائرة الإسلام؟؟ و هل انتماء فرد ما لدين ما يجعله متميزا عن أتباع الديانات و الملل و النحل الأخرى بما يقترب من الكمال؟؟ ما الضير في وجود مسلمين مجرمين و يهودا و نصارى و بوذيين كذلك، و بعبارة أوضح: محاربة التكفيري بتكفيره هو دخول في جدل عقيم حول مواصفات الفرقة الناجية، وفي هذا المسار لن تكون الغلبة إلا للانقتاليين و الحرفيين و النصيين ما دامت آليات التأصيل الشرعي تنتصر للنقل على حساب العقل.

يقول كاتب الخطاب (و حين نقول كاتب الخطاب فليس في الأمر انتقاص من الذي يلقيه، فمن المعلوم من السياسة بالضرورة أنه ثمة كتبة للخطب الرسمية في كل بقاع الدنيا): “والجهاد في الإسلام يخضع لشروط دقيقة، من بينها أنه لا يكون إلا لضرورة دفاعية، و من المحرمات قتل النفس بدعوى الجهاد” أتساءل ما المصلحة في توريط الملك و من ثم مؤسسة “إمارة المؤمنين” في مثل هكذا جدل فقهي مأزوم و مؤزم، متورط و مورط، من السهل على أبسط متفيقه و لو كان “بائع خودنجال” أن يرد بالقول: و هل كانت “الفتوحات”الإسلامية بغاية دفاعية؟؟ و الحالة هذه فإما أن نقر بتاريخية النص و الممارسة التأسيسية الدينين و هو ما لا قبل للمؤسسة الدينية الرسمية به، و إما أن نعيد بناء مفهومية الجهاد بعيدا عن العسكرتارية و هو ما يفضي عبر الحفريات إلى نفي الحكم الوراثي المبني على شرعيىة المتغلب بالسيف.أما ما يتعلق بقتل النفس بدعوى الجهاد، فأمر مرغوب فيه حسب الاتجاه التقليدي في تأويل النص الديني،و هو الاتجاه الذي لا تخرج عنه المؤسسة الدينية الرسمية، و يكفي في هذا الرجوع إلى التفاسير المتعلقة بآية:” و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة..” حيث تشير أغلب هذه التفاسير إلى ما جاء في صحيح الترمذي عن الأنصاري الذي اخترق صفوف الروم ليحدث شقا فيها،حتى يتمكن المسلمون من عملية الاقتحام و هو مدرك أنه ميت لا محالة، و إقرار الصحابي أبي أيوب لما فعله و تأويله الإلقاء في التهلكة بالخشية على متاع الدنيا، طبعا لا أقر ثقافة الموت ، بل أدعو لصناعة الحياة، لكن فقط هو تنبيه إلى أن أي محاولة لبناء فهم متنور للإسلام لا يمكن أن يمر عبر قناة المؤسسة التقليدية و أصول الفقه القياسية و الأحكام السلطانية،بل هو دخول إلى منطقة ملغومة لن تكون فيها الغلبة إلا للانقتاليين و النصيين. و ما قلناه بخصوص قتل النفس بدعوى الجهاد ينسحب على الجهاد بغاية الحور العين ،أو حرمة الاستماع للموسيقى مما انتقده خطاب الملك، و بالتالي هو توريط لمؤسسة إمارة المؤمنين في جدل فقهي سينتصر لا محالة لما انتقده الخطاب، فلا وجود لمدرسة فقهية و لا لتراث مذهبي ينفي “حتمية” الحور العين لل”مجاهدين”،أما الموسيقي فحرمتها من حليتها أمر ثانوي، ما كان ينبغي الزج به في خطاب رسمي، فمن شاء فليومن بحليتها و من شاء فليومن بحرمتها،ما دام الأمر في حدود الاقتناعات الشخصية،، لقد ورطوا الملك في اعتقادي في جدل فقهي أشبه بجدل القبض و السدل في الصلاة، مما لا يدخل حتى في باب “فقه الأولويات”

غير أن “قاصمة الظهر” في اعتقادي هي القول بأن”من شروط صحة الجهاد أيضا أن الدعوة إليه من اختصاص إمارة المؤمنين، و لا يمكن أن تصدر عن فرد أو جماعة” و وجه اعتراضنا على هذا القول أمور متعددة، فمن جانب التواصل مع العالم غير الإسلامي فإن ترجمة كلمة الجهاد هي الإرهاب أو القتال في الحد الأدنى أوالغزو لنشر الإسلام كما في الخطاب الاستشراقي، و بالتالي فهذه العبارة تحمل رسالة مشوشة، و من جانب آخر: فهذه القاعدة التي بنيت زمن انتقال شكل الحكم من خلافة أهل الحل و العقد إلى الملكيات الوراثية هي نفسها التي يقول بها أبو بكر البغدادي حين سمى نفسه أميرا للمؤمنين و عقد لواء الجهاد و دعا له،، و الشاهد عندنا في هذا أن تشييد “مفهمة” جديدة للجهاد و الدعوة و الإصلاح الديني لا يمكن أن تعطي ثمارا من داخل مؤسسات لا تتجرأ على نقد التراث الفقهي و التأصيلي، و لا زالت تشتغل من داخل إطار مذهبي محدد و مقيد (بفتح الياء و كسرها)..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.