مقهى الحافة.. ملخص طنجة الجامع

مقهى الحافة، محمية تاريخية لكائنات وفية لعشق المكان الأبدي “الكيف”، أجيال تشترك عشق الكيف شباب و شياب، فوق بوابة المقهى كتب {ممنوع تدخين المخدرات} شعار رفع و سقط في مكانه، مقهى الحافة أشبه بقارب عتيق تتلاعب به أمواج البحر،شدة انحدار المكان و اهتزاز مياه البحر في الأسفل، و كثافة سحب دخان الكيف و لفائف الحشيش المنتشرة في كل مكان، تثير دوخة المعلقين في هذا الفضاء، زاد من شدتها معاناتي الفطرية من فوبيا الأماكن المرتفعة، لكنها دوخة لذيذة، دوخة ربانية مباركة.

كل تفاصيل راهن المقهى مختصرة جدا في وجوه و سلوكيات لا تعكس صورة الحافة في الأدب و المخيلة ، شباب يتحلقون حول رقعة البارتشي، كؤوس الشاي المنعنع، و حساء الفول بزيت الزيتون {البيصارة} التي لا أستسيغها كثيرا، تناولتها فقط لأتم طقوس الزيارة. شاب يشرح تفاصيل فكرة عالقة في ذهنه، يحاول تحريرها من خلال التلويح بالسبسي في الهواء يرسم أشكالا و حروفا و كأنه يشرح رسما هندسيا بالغ التعقيد، أو يوضح تفاصيل مشهد سينيمائي مركب لممثل مبتدئ… مراهقة بدينة مقرفة مثيرة للاشمئزاز تهتز أرقان الفضاء تحت وقع قهقهاتها الماجنة، ترتدي فستانا مكشوف الكتفين، شفاف كشفافية كؤوس الشاي، ذراعها المترهل يتململ مع كل قهقهة ليطرد بعض الذباب المتجمع خلف إبطها المتعرق…. رجل يجلس في زاوية من الفضاء المكشوف للمقهى أشبه بركام آدمي، رسمت سنوات عمره الطويلة على وجهه آثار خطواتها الثقيلة، بشعر منفوش بعشوائية على طريقة الهيبيين، مع كل هبة لنسيم البحر يرتفع فوق، كسرب فراخ يفشل في التحليق ليسقط مكانه، ينتشل شفتيه من تحت أنقاض شاربه الكث ذو اللون الأصفر مستعينا { بالسبسي} يرشف دخانه باحترافية من سبسي عتيق صقلته السنين فصار أشبه بقطعة زمرد لامعة، يرمقني بطرف حاد، عاقد الحاجبين، و هو يفرغ معبأ الكيف بعنف بعد أن رشف رشفتين متتاليتين و أخرج دخانهما معا من أنفه بصيغة تأففية، ليعبر عن انزعاجه من مراقبتي البريئة له، كان سلوكه أشبه بزمجرة عصفور بعد أن ختم المشهد بابتسامة تستحيل رأيتها على الشفاه المدفونة تحت ركام شاربه، التي لا تظهر إلا لتقبيل فم السبسي كما يظهر سنه الوحيد الأسود يتدلى من فوق مثل خفاش معلق في مغارة، ابتسامة برزت بشكل فاضح في عينيه الضامرتين المليئتين بالكيف، و على خديه الذين زادت كثافة التجاعيد عليهما…خييل لي أنه قد ينفث روحه في لحظة ما مع دخان {كيفه} ويتلاشى جسده النحيل ويصبح مجرد قصة تروى.

مشاهير مروا بها… تاريخ المقهى حاضر كأي وشم ثقيل في الذاكرة… الحافة ملتقى المشاهير والباحثين عن التأمل،محمد شكري، الطاهر بن جلون، بول بولز…. مشاهير من عوالم الفن، الأدب و الموسيقى…و مشاهير السياسة أيضا الذين أسرهم سحر وغواية البساطة. هكذا تذكر الحافة في الكتابات، لذلك تخيلتها كأي مقهى أدبي ذو سبورة تتزاحم فيها مواعيد لقاء الأدباء لإلقاء الشعر و الإنصات لأصوات مبدعي المدينة، تخيلت أسرابا من الشباب يتحلقون في فضاءاتها يتهامسون شعرا و نثرا و زجلا، تخيلت أن بها جداريات تؤرخ لمن مروا بها، و اقتباسات لمبدعين صنعوا ألقها العالمي، لتذكر الزوار بقدسيتها ورمزيتها، لكنها في الواقع شيء آخر، مجرد شباب طائش يدمر رمزية المكان.
الحافة تستحق أكثر، لأنها حقا أكثر و أكثر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.