مقارنة موجزة بين اليابان والمغرب

   أحمد بنموسى

    قبل التطرق لمضامين أي مقارنة كيفما كان نوعها نتساءل، هل المقارنة صحيحة ؟ هل تتوفر شروطها الشكلية والموضوعية ؟ ألا ننتقص من طرف معين ضمن هذه المعادلة بمقارنته بطرف أقل منه تقييما وتقدما كيفما كان مجال تقدمه ؟ بمجرد وضع دولة بحجم اليابان طرفا في أي مقارنة على أي مستوى كان (تكنولوجي، ثقافي، إبداعي…)، نكون ملزمين بحسن اختيار الطرف الآخر كي لا نسقط في مقارنة ما لا يقارن، فكيف إن كان الطرف الآخر الموضوع في كفة الميزان هي دولة إفريقية أطلسية-متوسطية، إسلامية ؟ أيمكن أن نتحدث عن مقارنة ناجحة، صحيحة وصحية بإدراج المغرب واليابان في مقابلة مباشرة بالحجج والبراهين، بالهجوم والهجوم المضاد بلغة كرة القدم، وبلغة الفن النبيل بالنقاط، ولم لا تكون بالضربة القاضية إن لم يستطع أحد الطرفين الصمود في وجه الآخر.
المقارنة بين المغرب واليابان، أو بين اليابان والمغرب، لكي لا نحرم إحدى الدولتين من حق الأسبقية التي قد يجزم ويحسم البعض أنها في عهدة اليابان في مقارنة قد يقال عنها ظالمة لهذا العملاق الآسيوي الذي جعل من نفسه رقما صعبا في الخارطة الأممية من الناحية الاقتصادية بالدرجة الأولى، وقد لعب العامل التكنولوجي دورا مهما في التفوق المستحق الذي وصلت إليه بلاد التنين، فتقدم دولة كانت إلى حدود منتصف القرن الماضي تصنف ضمن دول العالم الثالث، الشيء الذي كان في ذلك الحين طبيعيا، لأنها دولة لا تتوفر على مواد أولية ولا ثروات طبيعية ترتقي بها سلالم التقدم والتطور الاقتصادي والاجتماعي، لكن السؤال الذي أصبح يطرح بعد ما وصلت إليه هذه الدولة التي تعاني ويلات غضب الطبيعة وندرة اليابسة والمساحة التي يمكن استغلالها، هو ما السبب في تقدم اليابان ؟ ما هي الوصفة السحرية التي استعملها أصحاب العيون الضيقة حتى أصبحوا بهذه القوة في مختلف الميادين والمجالات ؟
وعلى النقيض، المغرب، دولة إفريقية ذات مساحة شاسعة إذا ما قورنت باليابان وأيضا إذا ما نظرنا إلى المجال الذي لا يتم استغلاله (ومقارنته بكوكب اليابان كما يطلق عليه)، بموارد طبيعية مهمة (الفوسفاط، الفلاحة، واجهتين بحريتين، موقع استراتيجي يسهل الربط بين مختلف المناطق الأخرى وأهمها أوروبا التي لا تبتعد عنه سوى ب 14 كيلومتر…)، إضافة إلى عنصر بشري مهم يغيب عن معظمه التكوين والرعاية والاهتمام، إلا أنه رغم هذه الامتيازات المهمة فالمغرب مازال مصنفا ضمن الدول السائرة في طريق النمو (دول العالم الثالث)، الشيء الذي يطرح أسئلة كثيرة ومحيرة عن السبب في هذه المفارقة ؟ كيف تتقدم دولة لا تتوفر على إمكانيات وموارد طبيعية تشكل نقطة الانطلاق والرصيد الأولي لبداية طريق طويلة للتقدم والإصلاح الهيكلي على كافة المستويات ؟ وتتأخر دولة أخرى تتوفر على هذه الإمكانيات، إضافة إلى الموقع الإستراتيجي والمناخ المناسب ؟ فما الفرق بين التجربتين اليابانية والمغربية ؟ وعلى أي أساس تقدمت الأولى وتخبطت الثانية وأضاعت طريق التطور ؟

     نظام الحكم في اليابان نظام إمبراطوري، أما دستور البلاد فيتكون من 11 فصلا و 103 مادة، ودخل حيز التطبيق في 3 ماي 1947، فعمر هذه الوثيقة الدستورية يقارب 70 سنة، ما يعني أنه لا  يمكن الحكم بتقدم اليابان استنادا إلى مضامين دستورها فقط، فالقدرة على الإنجاز واحترام متن الوثيقة الدستورية والنصوص القانونية الأخرى إضافة إلى طبيعة المجتمع وقيمه وثقافته تشكل مرجعا مهما لفهم أسباب التقدم السريع لهذا الشعب العبقري. لذلك، مهما كانت النتيجة التي سنخلص لها في النهاية فالسلوك الإنساني هو الذي يصنع الفارق أما النصوص والوثائق القانونية فليست سوى ميثاق وعقد ينتظر التطبيق، فالعبرة بمدى قدرة الدولة على إرساء قواعد ديمقراطية ونصوص قانونية تخدم الصالح العام وتساهم في رسم الخط التصاعدي الذي ستسير عليه قاطرة النمو والتطور، وفي نفس الوقت القدرة على إلزام المواطنين وبرمجتهم (إن صح التعبير) على القيام بتطبيق القوانين بطريقة عفوية وتلقائية حتى يصبح سلوكا عاديا يستوطن الذات الإنسانية ويصبح سلوكا روتينيا لا يحتاج لتفكير طويل. وهذا لن يتأتى بالطبع إلا بمنح هامش كافي من الحريات والحقوق للمواطنين والعمل على التخفيض من نسب البطالة بشكل تدريجي وكذا تكوين العنصر البشري الذي يعتبر الثروة الأولى التي لا تقدر بثمن، فاليابان عملت في هذا الإطار على تطوير عنصرها البشري على مستوى المؤهلات التقنية والتكنولوجية والعلمية بصفة عامة، وجعلهم قادرين على إنتاج معرفة وترك أثر وبصمة واضحة في الميدان الذي يعكف على العمل فيه.

     إن الخطأ الذي يستمر المغرب في ارتكابه هو الاستثمار في مجالات لا تدر أي ربح ولا تشكل أي فارق بدون عنصر بشري مؤهل، إضافة إلى إدمان المملكة على التجارب المستوردة دون محاولة خلق الشيء من الوسط الذي هو فيه اعتمادا على دراسات للحالة والتأثير والتأثر الذي يصاحبها، فأهل مكة أدرى بشعابها كما يقال. إضافة إلى ذلك، مازال المغرب محكوما بالهاجس الأمني وإشكالية الوحدة الترابية التي تسيطر على أجندة صناع القرار في المملكة.

   وعليه، يمكن القول أن الفرق الجوهري بين التجربة اليابانية الرائدة على مستوى التطور الاقتصادي، العلمي، التكنولوجي… السريع، والتجربة المغربية التي رغم القفزة النوعية التي حققتها منذ عهد الاستقلال إلى اليوم، يتجلى (الفرق) في نهج اليابان سياسة تثمين واستثمار الرأسمال البشري الذي يشكل أهم ثروة تتوفر عليها الدول، فعندما يشكل النمو الديموغرافي عبئا على الدولة يمكن الاستنتاج بشكل تلقائي وبديهي أن سياسة الدولة على مستوى التأهيل والتكوين هي سياسة فاشلة بكل المقاييس، فالشعب يجب أن يشكل نقطة قوة للبلد الذي يُبنى بسواعدهم ومجهوداتهم. من جهة أخرى تجدر الإشارة إلى أن النصوص والوثائق ليست إلا نقطة انطلاق، والفعل والسلوك البشري هو المحدد لنجاح التركيبة المودعة في هذه النصوص، فرغم أن عمر الدستور الياباني 70 سنة، وعمر الدستور المغربي 5 سنوات تقريبا إلا أن ذلك لا يشكل أي امتياز للمغاربة فالعبرة بالتطبيق على أرض الواقع وليس بالتباهي بما يتضمنه من امتيازات وحقوق وحريات دون أن يبذل أي مجهود لتطبيقها بالشكل الأمثل، بل والتصرف على النقيض تماما لما هو منصوص عليه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.