مفهومي الوطنية و المواطنة بين الأصالة و الانحراف !!

حتما لست أول من يتحدث عن الوطنية و المواطنة، و لن أكون أخر من متحدث عنها، فهو موضوع ذو شجون و ذو سجون أيضا ! فكم من صاحب رأي في الوطنية سجن لعدم اتساق رأيه و انسياقه مع ارادة صاحب السلطة و مالك القرار، وكم من شخص ولد في بلد ما و ترعرع فيه ثم سُحبت منه الجنسية بمجرد خلاف سياسي مع حاكم أو صاحب نفوذ ! وكم من زعيم وطني قاوم الاستعمار و ناضل من أجل تحرير وطنه فكان مصيره النفي و الابعاد القسري، لم يعود الى موطنه الا وهو جثة هامدة في أحسن الأحوال ، فلا يأمن مبعدوه حتى موته لذلك يصرون على فتح الصندوق الذي يحوي جثته ! موضوع الوطن و الوطنية و المواطنة كان دائما محل خلاف ومزايدة بين من يملك و من لا يملك حسب تعبير الأدبيات الماركسية، وبين الأنظمة الحاكمة و قوى المعارضة لها بالتعبير المعاصر المتداول ، رغم أن تعريف الوطن و مفهومه واضح في أصله و فلسفته لغة و اصطلاحا الا أن الخلاف يظل قائما حول هذا المفهوم لاعتبارات سياسية و عرقية و ايديولوجية. عن معنى الوطن لغة قال ابن منظور في لسان العرب الوطن : المنزل تقيم فيه ، وهو موطن الإنسان ، ومحله يقال : أوطن فلان أرض كذا ، وكذا أي اتخذها محلاً أما في الاصطلاح فقد عرف الجرجاني الوطن بقوله : الوطن الأصلي هو مولد الرجل ، والبلد الذي هو فيه. وهناك مفهوم اخر يدور حوله النقاش و الجدل و هو مفهوم المواطنة الذي يرتبط عادة بحق العمل والإقامة والمشاركة السياسية في دولة ما أو هي الانتماء إلى مجتمع واحد يضمه بشكل عام رابط اجتماعي وسياسي وثقافي موحد في دولة معينة. وتبعا لنظرية جان جاك روسو “العقد الاجتماعي” المواطن له حقوق إنسانية ،يجب أن تقدم إليه وهو في نفس الوقت يحمل مجموعة من المسؤوليات الاجتماعية التي يلزم عليه تأديتها. وينبثق عن مصطلح المواطنة مصطلح “المواطن الفعال” وهو الفرد الذي يقوم بالمشاركة في رفع مستوى مجتمعه الحضاري عن طريق العمل الرسمي الذي ينتمي إليه أوالعمل التطوعي. ونظرا لأهمية مصطلح المواطنة تقوم كثير من الدول الآن بالتعريف به وإبراز الحقوق التي يجب أن يملكها المواطنين كذلك المسؤوليات التي يجب على المواطن تأديتها تجاه المجتمع فضلا عن ترسيخ قيمة المواطن الفعال. في القانون يدل مصطلح المواطنة ،على وجود صلة بين الفرد و الدولة. و بموجب القانون الدولي المواطنة هي مرادفة لمصطلح الجنسية، على الرغم من أنه قد يكون لهما معان مختلفة وفقا للقانون الوطني. والشخص الذي لا يملك المواطنة في أي دولة هو عديم الجنسية .هذا بالنسبة للمواطنة التي يلتصق مفهومها بمفهوم الوطنية ،فالوطنية تقتضي من الفرد أن يتحلى بالمواطنة كسلوك حضاري تجاه الدولة و المجتمع. وعند الرجوع إلى كتب المعاجم ، والموسوعات ، وخاصة السياسية منها نجد أنها ، أي الوطنية لا تختلف عن المعنى اللغوي أما عند الباحثين فقد اختلفت تعريفاتها باختلاف المناهج الفكرية لديهم ، فمنهم من جعلها عقيدة يوالي عليها ويعادي ، ومنهم من جعلها تعبيراً عاطفياً وجدانياً يندرج داخل إطار العقيدة التي ينتمي اليها. أو التوجه السياسي و الأيديولوجي الذي يتبناه , فالأصل في الإنسان أن يحب وطنه ، ويتشبث بالعيش فيه ، ولا يفارقه رغبة منه ، وحب الوطن غريزة متأصلة في النفوس البشرية تجعلهم يستريحون إلى البقاء فيه ويحنون إليه إذا غابوا ويدافعون عنه إذا هوجم ، ويغضبون له إذا تعرض للإهانة . والوطنية بهذا التحديد الطبيعي شيء غير مستغرب ،فحتى العصافير حريصة على أعشاشها والأسود أشد حرصا على عرائنها و الذئاب و غيرها تدافع عن جحورها، بمقتضى الفطرة و الجبلة التي خلقها الله عليها.. فقد عبر الشاعر ابي الطيب المتنبي عن هذا الحب المتأصل في النفوس تجاه الأوطان بقوله:

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى *** ما الحب إلا للحـــبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى *** و حـــنــــــــينه أبــــــــدا لأول منـــــــــزل

و رسول الله محمد صلى الله عليه و سلم لما هاجر من مكة بعد أن جحدت قريش و كفرت بدعوته خرج منها مضطرا ملتمسا أرضا خصبة صالحة لبذرة التوحيد و دين الله الاسلام قال و هو يودع مكة موطنه الأصلي، “أما والله, لأخرج منك وإني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلي وأكرمه على الله, ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت” (رواه أبو يعلى). لكن يبدو أن كل ما تقدم عن الوطنية لا يروق لأرباب الحمى و المشتغلين بالسياسة و المستفيدين من كعكة الوطن، في المغرب خاصة و في الوطن العربي و الإسلامي بشكل عام، لذلك جعلوا للوطنية و المواطنة مبادئ أخرى تندرج في دائرة السهل الممتنع فجعلوا لها تعريفات خاصة بهم و مقتضيات من ابتكارهم ،فمن تحدث عن اختلال أو تجاوز في تسير الشأن العام للبلد يكون مهددا في وطنيته و من تجرأ و قال أن النظام السياسي في البلد لا يحترم قواعد الديمقراطية و مبادئ حقوق الإنسان، يكون قد أخل بالوطنية الصحيحة حسب مقاس أصحاب المصلحة، ومن تجليات هذا التعريف الخاص للوطنية ، نرى أن الحصار يضرب على الأحرار الشرفاء في هذا الوطن وغيره بمجرد دفاعهم على المصالح الحقيقية لأبناء الشعب و دعوتهم الى إحقاق الحق وإبطال الباطل ، و يهمش العلماء و المفكرون الذين يعزفون على وتر غير وتر دين الانقياد و يمنع رجال الصحافة الذين يفضحون الفساد ثم يزايد عليهم في الوطنية من سرق و من نافق و من رشى و ارتشى و من اشترى ذمما وباع أخرى بثمن أو بغير ثمن.. و من سخرية القدر ترى بعض المحسوبين على الطبقة المثقفة يجعلون مفهوم الوطنية و المواطنة مقتصرا على بعض السلكيات المدنية التي يجب على الفرد أن يقوم بها داخل وطنه مثل المحافظة على البيئة و تطبيق قانون السير، و غير ذلك من أجل تفادي أي ملاحقات قد تطالهم إن هم تحدثوا بصدق ووضوح حول المقتضيات الحقيقية للمفهومين المتداخلين. السلوك المدني المتحضر يجب على كل فرد أن يحرص عليه داخل وطنه و خارجه لكن أن يحصر مفهوم المواطنة في هذه السلكيات المدنية ووجوب العمل بها أو ترديد بعض العبارات والكلمات الرتيبة المنمقة دون التطرق الى معاني أخرى أكبر و أعمق يعد تسطيح للفهم و بعد عن الجوهر الحقيقي، و الأخطر في الأمر أن يستغل مفهومي المواطنة و الوطنية من أجل تصفية حسابات سياسوية مع كل معارض و صاحب رأي مخالف و لذلك أشرت في العنوان الى تأرجح المفهوم بين الاصالة و الانحراف بالنظر الى استخداماته و تعريفاته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.