معركة مناهضة التحرش والعنف هي معركة الجميع

في معمعان ما أثارته قضية ما أصبح يعرف بفتاتي اينزكان، دعت مجموعة من الشابات المغربيات إلى التظاهر للمطالبة بالحق في ارتداء الحجاب ورفع الظلم والتمييز الذي يمسسهن وما يتعرضن له من تحرش في الشوارع باعتبارهن “إرهابيات” بل وأكثر من ذلك، حرمانهن من ولوج بعض الوظائف أو حتى بعض المدارس…وهو ما يجب التحري حوله.

بغض النظر عن التوقيت الذي اختارته هاته الشابات، والذي يبين بالملموس أنه رد فعل أكثر منه فعل منخرط في إطار مشروع متكامل …وبغض النظر عن المغالطات التي لمحت إليها، وكأن الأمر يتعلق بالتعارض وبرغبة جهة في فرض اختياراتها وميولاتها في اللباس على جهة أخرى…أي رغبة من تحركن للدفاع عن فتاتي اينزكان في فرض نوعية معينة من اللباس…وهو ما تبث خطؤه، سواء في تصريحات عدد ممن ساهمن ودعون إلى التظاهر أو في نوعية من خرجن إلى التظاهر، حيث كانت هناك المتحجبة إلى جانب غير المتحجبة…مادامت القضية تهم أساسا الدفاع عن حرية الاختيار..بما فيه اللباس.

أقول، بغض النظر عن كل هذه الملابسات والحيثيات، ما أريد الإشارة إليه هو أن المجتمع المغربي عرف تحولات كبيرة وعميقة وشهد تطورا على كل المستويات بما فيها ما يتعلق باللباس، سوف أتوقف عند البعض منها.

خلال سنوات الأربعينات والخمسينات، عرف المغرب ظهور حركة اجتماعية رفعت مطلب نزع الحجاب بالموازاة مع مطلب فتح المدارس في وجه الفتيات. هي الحركة التي كانت تضم وجوها، من بينهم بعض الفقهاء والعلماء الأجلاء أمثال محمد بالحسن الحجوي (في سنوات العشرينيات) والشيخ بالعربي العلوي (شيخ الإسلام) وذلك قبل أن تلتحق مكونات الحركة الوطنية، بهذا المطلب وتتأسس جمعيات مثل جمعية أخوات الصفا والفرع النسائي لحزب الاستقلال للانخراط في هذه المعركة.

كان مطلب نزع الحجاب يحمل دلالة خاصة في ذلك السياق، ألا وهو إزالة العثرات التي تحول دون استفادة النساء من التربية والتكوين وتأهيلهن ليصبحن في مستوى تربية النشء والمساهمة في استعادة المغرب لاستقلاله وبناء صرح الوطن…أبدا لم تكن الدعوة رديفة التشجيع على الرذيلة…بل كان الهدف منها هو تكوين مواطنات صالحات متعلمات ومحصنات بالعلم والمعرفة وبالمؤهلات اللازمة التي تمكنهن من الابتعاد عن الخرافة والشعوذة وغيرها من الممارسات المنحطة والحاطة بالمجتمع.

وجب التذكير هنا، أن السلطان محمد الخامس لعب دورا مهما في هذا الإطار…فحضور الأميرة عائشة إلى جانبه في خطاب طنجة الشهير سنة 1947 وهي عارية الرأس له أكثر من معنى…إنها رسالة واضحة للمجتمع المغربي وللأسر التقليدية التي كانت رافضة لخروج النساء إلى الفضاء العام وغير متقبلة بعد لتمدرس الفتيات…استمر السلطان محمد الخامس، رغم المقاومات المتعددة في التعبئة حول هذا الموضوع… وهو ما يفسر حضوره الشخصي من أجل تدشين مدارس البنات وإلى جانبه بناته الأميرات مرتديات لباسا عصريا (الرومي) وعاريات الرأس.

طبعا سيعرف المجتمع المغربي تحولات كبيرة…وستظل النساء، أو بعض ممن لم يستفدن من التمدرس ومن التوظيف بالإضافة إلى النساء القرويات، يرتدين لباسا مغربيا تقليديا، إلى جانب من نزعن الحجاب دون أن يكون هناك أي تناقض أو رفض…سنوات طويلة فيما بعد، سنعود مجددا لنلاحظ عودة الحجاب لدى جزء من الشابات المغربيات خلال العشريات الأخيرة…غير أن الأمور تغيرت بشكل كبير…إذ أصبح واضحا أننا انتقلنا إلى مستوى آخر…فلم يعد الحجاب يحمل نفس المعنى ونفس الدلالة لما كان عليه خلال الأربعينات…لم يعد الحجاب دليلا على عرقلة مسيرة النساء وخروجهن للفضاء العام وتواجدهن في المدرسة والعمل والبرلمان والحكومة…بل انتقل ليصبح اختيارا حرا من طرف من يخترنه زيا لهن.

بناء عليه، لا أعتقد أن هناك من يرفض ذلك…ولا أعتقد أنه مفيد أن نوهم بوجود تعارض وتناقض بين الاختيارات الحرة لكل واحدة…فالفضاء المغربي في كل مناحيه يؤكد التعايش بين نماذج مختلفة ومتنوعة.
ليطمئن بال “المتحجبات”…فيوم سيعترض سبيلهن تمييز وحيف من طرف الدولة ويصبح ممؤسسا وموجها ضدهن، سينهض الأحرار والحرائر للدفاع ضد ما يمكن أن يمسهن من تمييز….أما فيما يتعلق بتصرفات بعض الأفراد في المجتمع…خصوصا التحرش في الشوارع، بأية ذريعة كانت، فهو يؤكد أن مناهضة التحرش هي قضية الجميع بل ويتطلب من هؤلاء الشابات أن يلتحقن بالمعركة التي تخوضها الحركة النسائية والحقوقية منذ مدة من أجل إخراج قانون يحمي ضد هذه الممارسات والسلوكات وهذا العنف والتحرش الذي مس فتيات ايزكان ويمس يوميا الكثير من النساء من مختلف الأعمار والفئات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.