معركة طلاب جامعة وجدة ضد “الإصلاح الجامعي في سنة 2004: دروس وعبر

226875_219910311368134_4138445_n

ينطلق صاحب هذا المقال من قناعة تامة مفادها أننا نحن أيضا مسؤولون بشكل أو بآخر على تدهور الأوضاع النقابية والنضالية في الساحة الجامعية نتاج تقاعسنا وتهاوننا في التعريف بالتجارب النضالية التي انخرطنا فيها من هذا الموقع أو ذاك، وفي تقييمها بكل موضوعية وصدق، وذلك حتى يتأتى للجيل الحالي من المناضلين المضطلعين بمهام تأطير وتنظيم وقيادة معارك الطلاب الوقوف عند نقاط القوة والضعف في التجربة النضالية الرائدة والغنية للحركة الطلابية وفي استثمارها، بشكل خلاق ومبدع، في التزامهم النقابي في الظرف الحالي بما يمكنهم من مواجهة التحديات الراهنة.

في مواجهة النسيان وطمس الحقائق

إن غياب المنظم الجماعي أي التنظيم الطلابي الوطني الذي يمكن من مراكمة الخبرات والتجارب ويحافظ على الأرشيف النقابي ويسهر على تقييم المعارك، سواء خلال المحطات النضالية أو التنظيمية، فوت ويفوت مع الأسف على الجيل الحالي من النقابيين في الجامعة المغربية إمكانية فهم عميق وموضوعي لحصيلة عشرات السنين من النضال الطلابي، ومن استخلاص الدروس والعبر من هذا التجربة النضالية الشاقة والطويلة، بما يسمح باستثمار نقاط قوتها وتجاوز نقاط ضعفها وأخطائها، بل وانحرافاتها غير المبررة والتي وصلت في العديد من الأحيان إلى مستوى ممارسة العنف المادي المباشر ضد هذا الطرف أو ذاك لمجرد أنه يدافع عن رأي مخالف، للرأي السياسي السائد والمهيمن، بخصوص تصوره للعمل النقابي الطلابي.

وقد أسفرت هذه الممارسات العقيمة، كما يعلم الجميع، عن عاهات مستديمة وتشوهات جسدية لا زال يحمل ندوبها ويعاني من تداعياتها الصحية والنفسية عدد هام من الرفاق، هذا ناهيك عن انعكاساتها الخطيرة على جماهيرية النضال الطلابي بحيث أدت هذه الممارسات إلى تنفير القاعدة الطلابية العريضة من الانخراط في الأنشطة النقابية والثقافية والسياسية في الساحة الجامعية.

غير أن هذا الوضع لا يشفع في نظري ولا ينبغي أن يمثل مبررا لعدم مباشرة هذه المهمة على جميع المستويات الفردية والجماعية، أي مهمة التعريف والتقييم النقديين لهذه التجارب النضالية والتنظيمية السابقة بما لها وما عليها، وهنا يكمن واجبنا جميعا كمناضلات ومناضلين، واجب يقوم بالأساس على مقاومة النسيان والتصدي لمحاولات طمس وتشويه الكفاح الطلابي من أجل جامعة ديمقراطية علمانية ذات تعليم مجاني عمومي وجيد.

إن التزامنا، كأجيال سابقة خبرت النضال الطلابي في مراحل مختلفة، بالتصدي لمهمة التقييم الموضوعي والصادق للتجربة الطلابية المغربية في مواجهة مخططات تفكيك التعليم الجامعي، والقمع، وسعي النظام الطبقي الرجعي لانتزاع بذرة المقاومة والممانعة من الساحة الجامعية، ستساعد لا محالة في وقف النزيف والهدر السياسي والنضالي المتمثل في كون أن مئات المناضلين الطلاب ينصرفون إلى حال سبيلهم، بمجرد انتهاء عهد “الأمجاد الطلابية” أي بمجرد تخرجهم من الجامعة. بحكم عجزهم على مواجهة تحديات الالتزام الفكري والسياسي والميداني في واقع سياسي ونضالي معقد، على اعتبار أن الممارسة النضالية التي تعودوا عليها وترعرعوا في خضمها، والمحكومة في غالب الأحيان بغياب التنظيم النقابي، وسيادة العفوية والتجريبية، والانفصال عن واقع الصراع الطبقي بسبب غياب الامتدادات السياسية والفكرية للعديد من المجموعات الطلابية اليسارية، تجعل من الصعوبة بمكان انخراط الغالبية الساحقة من الطلبة اليساريين، وفق منظوراتهم وتوجهاتهم الإيديولوجية والسياسية العامة، بشكل واع ومنظم في واجهات الصراع الطبقي النقابية والجمعوية والسياسية والإعلامية والفكرية بعد انقضاء المرحلة الطلابية.

ولا يكاد يختلف عاقلين في كون هذا الهدر السياسي والنضالي لطاقات طلابية جبارة، فقدناها في طريق تصفية الحسابات السياسية وسيادة الحلقية والهيمنة اللامبدئية، دفعت ثمنه غاليا قضية تحرر شعبنا ولا تزال، حيث أنه في نهاية المطاف يبقى نضال شعبنا هو المتضرر الأول والأخير من فقدان مساهمة الآلاف من أبنائه البررة في كفاحه المستميت من أجل تخلصه من الاستبداد والاستغلال والتبعية. ولعل ضعف المشاركة الطلابية الواعية والمنظمة في النضال السياسي الجماهيري الذي خاضته حركة 20 فبراير ولا تزال ضد نظام الاستبداد لأكبر دليل على ذلك.

وفي نظرنا فإن هذا الهدر الذي نتحدث عنه يجد أساسه الفكري في الخلط المتعمد، الإرادي والمقصود، الذي يمارسه بعض الرفاق، في ما يخص جدلية الإيديولوجي –السياسي والنقابي والذي يترتب عنه احتكار بعض الساحات والمواقع الجامعية بالحديد والنار والمحاكمات والاستنطاق والترهيب والتعذيب والعنف الممنهج ضد الرفاق المخالفين داخل التيار “المهيمن” وخارجه، باسم الشرعية التاريخية والوفاء للشهداء تارة، أو باسم “محاربة” التحريفية والبيروقراطية تارة أخرى، إلى غير ذلك من الذرائع الواهية المتستر بها لتسييد الموقف الوحيد في نقابة طلابية وفي حركة طلابية جماهيرية، شهدت تعايش مختلف المكونات السياسية الإصلاحية والجذرية والثورية على طول تاريخها، وكان الجميع يحتكم لنتائج المؤتمرات الوطنية وللصراع الديمقراطي البناء والمثمر، وكانت الشرعية النضالية تنتزع بتأييد أصوات القاعدة الطلابية وببناء الفعل النقابي المطلبي على أرض الواقع وليس بأي شيء آخر؟؟؟.

أضواء على معركة التصدي للإصلاح الجامعي بجامعة وجدة في العام 2004

شهدت جامعة محمد الأول بوجدة خلال الموسم الجامعي 2003-2004 معارك طلابية قوية ضد الشروع في تطبيق بنود “الإصلاح الجامعي”، وذلك على غرار جامعات فاس ومكناس ومراكش وأكادير…، وقد عرفت هذه المعارك مشاركة الآلاف من الطلاب الذين اقتنعوا بضرورة التصدي “للإصلاح الجامعي” المزعوم، ولاسيما البنود المتعلقة بالشق البيداغوجي وبنظام التقويم والامتحانات (النقطة الموجبة للسقوط 5/20، والتي كانت تصل في بعض الشعب إلى 7/20، والمطالبة بالتضامن بين نقاط المواد داخل نفس الوحدة، ورفض تخصيص سنة احتياطية واحدة لتدارك المواد غير المحصلة طيلة ست دورات في سلك الإجازة…)، هذا بالإضافة إلى مشكل المطرودين وفتح باب التسجيل في وجه الجميع، والاستفادة من السكن الجامعي، والمنحة التي أقر الميثاق الوطني للتربية والتكوين تراجعا خطير بشأنها بتنصيصه على أن هذه الأخيرة لا تمنح إلا “للطلبة المحتاجين والمتفوقين”؟؟ وغيرها من المطالب الأخرى التي تضمنها الملف المطلبي لطلبة جامعة محمد الأول بوجدة خلال موسم 2003-2004.

ووعيا بمسؤوليتهم التاريخية في تلك اللحظة الحاسمة من تطور الصراع داخل الجامعة المغربية، والتي شرع فيها النظام بكل ما يملك من قوة وإمكانيات إلى تفكيك التعليم الجامعي وتهييئه على طبق من ذهب لاستثمارات الخواص، انخرط أنصار التوجه النقابي الديمقراطي، المشار إليهم أعلاه، بكل تفاني وإخلاص في تجسيد مواقف منظمتنا النقابية “أوطم” القائمة أولا وقبل كل شيئ على خدمة مصالح الجماهير الطلابية والدفاع عليها وجعلها فوق كل اعتبار آخر مهما على شأنه، بحيث عملوا بشكل منهجي منذ آواخر الموسم الجامعي 2002-2003 على جعل القاعدة العريضة من طلبة جامعة وجدة يدركون خطورة “الإصلاح الجامعي”، وانعكاسه السلبي على حقوقهم التعليمية والمادية، وكذا خلفياته السياسية والاقتصادية الرامية إلى تخلص الدولة من مسؤوليتها في تمويل هذا القطاع الحيوي. وقد تمكنوا بفضل هذا العمل الوحدوي الواعي والمنظم من تهييء شروط المقاومة الدفاعية للطلاب على مكاسبهم الطلابية وخاصة في المجال البيداغوجي.

و قد اندلعت معركة الطلاب في جامعة وجدة ضد “الإصلاح الجامعي” على إثر مجهود تعبوي كبير قام به أنصار التوجه النقابي الديمقراطي المشكل أنذاك من تيار القاعديين أنصار الكراس، وتيار النهج الديمقراطي القاعدي تيار البرنامج المرحلي، ولاسيما أنصار تجذير الوعي الطلابي المعروفين في الساحة الجامعية بوجهة نظر 1994، وذلك بكل تعاون رفاقي وتواضع وانفتاح على أفكار واقتراحات الجماهير الطلابية. وتعود أسباب نجاح هذه المعركة الطلابية في قدرة التوجه الديمقراطي على تعبئة الآلاف من الطالبات والطلاب في معركة موحدة وقوية ومحكمة ضد تمادي الدولة في الإجهازعلى التعليم الجامعي، إلى تضافر عدة عوامل ذاتية أهمها في نظري:

العامل السياسي: والذي تمثل أنذاك في التواجد القوي للتوجه الديموقراطي لقيادة هذه المعركة – في حين كانت التوجه العصبوي ضعيفا جدا – بحيث تمكن بفضل نضج مكونيه الأساسيين وقدرتهما على التمييز بين التناقضات العدائية والثانوية التي تخترق الصف الطلابي، إلى بلورة توجه نقابي جماهيري واسع معاد “للإصلاح الجامعي”، ومتشبث بمواقف المنظمة الطلابية وبرؤيتها السديدة لمشكل التعليم، كما تمكن الرفاق أنذاك، بغض النظر على بعض الاحتكاكات الجانبية المقبولة بل والضرورية في كل عمل سياسي خاصة بعد إعلان رفيق مسؤول في الكراس عن انسحابهم من معركة المقاطغعة نتاج غياب شروط تنسيق وطني لضمان نجاح المعركة الوطنية ضد “الإصلاح الجامعي”، هذا التقييم الذي سرعان ما تراجعوا عنه رفاقنا القاعديين أنصار الكراس أنذاك منخرطين مرة أخرى في المعركة من جديد.

كما أنه على الرغم من الخلافات المبدئية العميقة بيننا في اليسار الطلابي وبين الإسلاميين فقد حرص الجميع، على تفادي تحميل الطلاب مخاطر الانغماس في معارك جانبية وهامشية، سواء ضد طلبة العدل والإحسان الذين وقفوا ضد المقاطعة، وعبِؤا ضدها، بل وساعدو أجهزة القمع على إزالة المتاريس لحظة اقتحامها للحرم الجامعي بمبرر إزالة “الأذى عن الطريق صدقة”، أو ضد طلبة التجديد الطلابي الذي انخرط جزأ منهم في المعركة في بداياتها الأولى، أو ضد نشطاء الحركة الثقافية الأمازيغية الذي عبروا على موقفهم المتمثل في إنضاج شروط معركة وطنية موحدة طارحين كشرط أولي فكرة توقيع مكونات الحركة الطلابية على ميثاق ضد العنف والإقصاء واكتفو بالتركيز على الطابع العروبي “للإصلاح” الساعي إلى طمس الهوية والثقافة الأمازيغيتين من خلال تكريس تهميش اللغة الأمازيغية والتنصيص على استعمالها في المنظومة التعليمية كلغة للاستئناس وتيسير تعلم العربية.

• مضمون الدعاية السياسية والنقابية: كل من شارك في هذه المعركة يعلم علم اليقين أن أنصار التوجه الديمقراطي انخرطوا منذ بداية الموسم الجامعي، وبالضبط في 7 شتنبر2003 في كلية الآداب، في تعبئات طلابية مباشرة ومفتوحة ركزت على تحليل مضامين “الإصلاح الجامعي” وانعكاساتها الخطيرة على حق الطلاب في التحصيل العلمي، وفي الكشف كذلك على الخلفيات المتحكمة في هذه السياسة الجديدة داخل الجامعة المغربية، كاستمرار لموقفهم النقدي “للميثاق الوطني للتربية والتكوين” منذ تأسيس اللجنة الملكية لإصلاح التعليم في سنة 1999، هذا لا يعني أنه لم تكن هناك بعض الأصوات التي لم تكن تنظر لعملنا النقابي المباشر مع الطلاب سوى مجرد “نقابوية ضيقة” و”إصلاحية مبتذلة”، مبررة بذلك عجزها عن فهم متطلبات العمل النقابي الكفاحي الذي يعني العمل من أجل ضمان انخراط أوسع الجماهير الطلابية، وتسخير التزامنا الفكري والسياسي والميداني في الدفاع عن المصالح الحيوية العليا لأوسع القواعد الطلابية والسعي إلى ربط نضالاتها بكفاح الجماهير العمالية والشعبية، وأن يجعل، في نهاية المطاف، من العمل الفصائلي السياسي قاطرة أساسية لخدمة هذا الهدف النهائي: أي ربط نضال الطلاب بالمعركة السياسية الطبقية من أجل التحرر والاشتراكية.

إن التركيز على المصالح الديمقراطية والتعليمية والثقافية والمادية للطلاب هي التي أدت إلى تشكل تعبئات طلابية واسعة تمكنت من الانصهار في معركة جماهيرية قوية في خريف وشتاء سنة 2004 بوجدة، وقد كان بإمكان هذا الكفاح الطلابي أن يحقق مكاسب نوعية وإصلاحات هامة لو كان منخرطا في نضال طلابي وطني منظم ومؤسس على أهداف ومطالب واضحة ومبني على خطة نضالية محكمة.

العامل التنظيمي: استندت معركة مقاطعة الامتحانات بجامعة وجدة على الجموعات العامة للشعب في صياغة المطالب الخاصة بكل شعبة، وفي تبني خيار المقاطعة للدفاع على الملف المطلبي للطلاب. بحيث كان يلتئم طلاب كل شعبة) جغرافيا، إنجليزية ، اقتصاد، قانون…) على حدة للتداول في موضوع الإصلاحات البيداغوجية التي جاء بها “الإصلاح الجامعي”، وبعد مناقشة بنود الإصلاح المشؤوم وحصول الاقتناع بانعكاسها الخطير على مصيرهم التعليمي، كانو يقررون الانضمام لزملائهم في المعركة التي تخللتها أشكال نضالية وتعبوية متعددة:

 حلقات نقاش مفتوحة في وجه القاعدة الطلابية العريضة ؛

 احتلال مؤقت للمدرجات واستعمالها لطرح نقاشات موسعة، أو عقد جموعات عامة؛

 اعتصامات أمام مقرات عمادة الكليات ورئاسة الجامعة، وإدارة الحي الجامعي، فضلا على تنظيم تظاهرات طلابية حاشدة غالبا ما كانت تنتهي باعتصام سلمي في الشوارع المحيطة بالجامعة، والتي كانت تسير بلجان مؤقتة: لجنة الشعارات ولجنةاليقظة ولجنة لمباشرة التفاوض مع مسؤولي الجامعة عند الضرورة.

إن هذا الأسلوب النضالي هو الذي مكن آلاف الطلاب من المشاركة الواعية والفعالة في الدينامية النضالية القوية التي شهدتها جامعة محمد الأول بوجدة في سنة 2004 والتي اتسمت بكفاحيتها وطول نفسها وصمودها رغم مناورات الإدارة ولجوئها إلى مختلف أشكال الأساليب لكسر المعركة (نشر بلاغات كاذبة بخصوص المضمون البيداغوجي للإصلاح، تفعيل انتخابات المجالس الطلابية المشبوهة في خضم المعركة،…تشويش المسؤولين في العمادة على العمل التعبوي للمناضلات والمناضلين…)، كما سمح هذا الأسلوب الديمقراطي في تسيير المعركة من تبلور أطر نقابية ذات إرادة صلبة وراسخة، ساهمت بانخراطها الميداني والنقابي في تطوير العمل الطلابي والنقابي داخل الموقع.

وقد توجت معركة مقاطعة الدروس التي انطلقت في نونبر 2003 بمقاطعة شاملة لامتحانات الفصل الأول التي كانت مقررة أيام 10-11 و12 فبراير 2004، وفي هذا الصدد أود الإشارة إلى حدث هام للغاية وذو دلالة نقابية عميقة، هو كون الإدارة لجأت برمجة الامتحانات وتنظيمها بداية في كلية العلوم، منطلقة في ذلك بضعف العمل النقابي والتعبوي في هذه الكلية، لكن صدمة رئيس الجامعة والعميد كانت قوية وهم يتابعون صمود الآلاف من الطلاب ينظمون مقاطعة الامتحانات ويتصدون لأضاليل الإدارة عبر فتح نقاشات موسعة في بهو الكلية ومدرجاتها، حيث أن الذي لم تنتبه له الإدارة، بل وفاجأنا كمناضلين أيضا، هو أن معركة التصدي “للإصلاح الجامعي” أنجبت عشرات الأطر والطاقات النقابية التي تصدت لمهمة التعبئة للمقاطعة داخل كلية العلوم ونشر الوعي بالمضومن التصفوي “للإصلاح الجامعي”.

وقد شكل نجاح المقاطعة في اليوم الأول بكلبة العلوم حافزا مهما للطلبة الذين قاطعوا الامتحانات في كليتي الحقوق والآداب بشكل شامل، حيث لم نسجل سوى دخول بعض الطلبة الأجانب إلى قاعات الامتحانات ونسب ضئيلة من الطلبة إلى قاعات الامتحانات، وذلك قبل اقتحام أجهزة القمع للكليت وإرغامها بالعنف الطلبة على اجتياز الامتحانات، بل وتولي البوليس مهمة الحراسة في ضرب سافر لاستقلالية الجامعة وحرمتها بتواطؤ مخز مع طاقم رئاسة الجامعة وعماداتها.

وأمام صمود الجماهير الطلابية وتشبثها بملفها المطلبي، نظمت الأجهزة القمعية اقتحاما منظما للحرم الجامعي أسفر عن تعنيف آلاف الطلبة، واعتقالات واسعة بلغت أزيد من 180 طالب يوم الخميس 12 فبراير 2004 تعرضوا لقمع همجي داخل كوميسارية المدينة دون أن يثنيهم ذلك عن التعبير على رباطة جأش وصمود منقطع النظير، وقد أحيل 7 من الطلبة الموقوفين، بتهم واهية وملفقة، على ابتدائية وجدة ثم على محكمة الاستئناف أدينوا فيها بعقوبات سجنية قاسية تراوحت بين 6 أشهر و 3 سنوات في حق كاتب هذه السطور، وسنة سجن نافذة في حق الرفيق حسين أومرجيج الذي تم توقيفه في المسيرات العمالية لفاتح ماي 2004، بعد مطاردات هوليودية بوسط مدينة وجدة.

ما ينبغي أن يدركه الجيل الحالي من المناضلين في الساحة الجامعية هو أن معركة فبراير2004 بوجدة، وغيرها من المعارك القوية التي تفجرت، وقتئذ، في عدة مواقع جامعية ضد “الإصلاح الجامعي”، بقدر ما كشفت عن مخزون نضالي جبار للطلبة المغاربة وعن استعدادهم النضالي الكبير لأي تحرك نضالي جذري في حالة ما إذا توفرت لهم الشروط النضالية المساعدة والمحفزة، بقدر ما بينت حقيقة تاريخية ساطعة كشفتها كل المعارك الطلابية الكبرى منذ فرض الحظر العملي على الاتحاد الوطني لطلبة المغرب إلى اليوم:

• معركة مقاطعة الامتحانات في سنة 1982 والتي خلص من خلالها الطلبة القاعديون إلى تبني شعار مركزي يتمثل في ضرورة التهييئ لعقد المؤتمر الاستثنائي 17، عبر رفع شعار: “اعمل من أجل المؤتمر يا رفيق، جماهيري يخطو بنا إلى الأمام، من أجل أوطم عتيد، ورفع الحظر هو الشعار”؛

• معركة مقاطعة امتحانات الموسم الجامعي 1988-1989 التي نظمت على إثر نهوض جماهيري قوي ضد قرارات الطرد في وجدة وفاس وطالبت فيها الجماهير الطلابية المنتفضة بفتح أبواب التسجيل لكافة الطلبة والتراجع عن قرارات الطرد التعسفية، وقد توجت بتأسيس اللجان الانتقالية كخطوة تنظيمية وتنسيقية لتوفير شروط استعادة التنظيم الطلابي الوطني… ؛

• معركة التصدي للإصلاح الجامعي ومواجهة بنوده التخريبية التي شهدتها عدة جامعات خلال الموسم الجامعي 2003-2004، والتي أدت إلى بلورة وعي سياسي واسع في صفوف غالبية مكونات اليسار الطلابي، وإن كان قد جاء متؤخرا بعض الشيئ، بضرورة تقوية العمل النضالي الوحدوي من أجل إنضاج شروط معركة وطنية كفيلة بوقف نزيف تدمير الجامعة المغربية؛

وعليه، يتضح بأنه في جميع المحطات النضالية الحاسمة تطرح في كل مرة ضرورة وأهمية السلاح التنظيمي في توحيد وتنظيم معارك الطلاب كشرط لا غنى عنه في بناء ميزان قوى حقيقي يمكن من توفير شروط مقاومة طلابية دفاعية واعية ومنظمة وذات أفق واضح.

ومن أجل التقدم في هذا المسار النقابي والنضالي القائم على استعادة منظمة الطلاب المغتصبة منذ 1981، تبلورت منذ أواخر سنة 2008 تقييمات سياسية ناضجة حول أهمية العمل الوحدوي ونبذ الحلقية والحسابات الضيقة (رسالة عصفوري ومن معه في سنة 2009 الموجهة لمناضلي الحركة الطلابية، مشروع وحدة الحركة الطلابية المقدم من لدن القاعديين أنصار الماوية بالمغرب، ندوة 23 مارس 2010 حول العنف الطلابي، وتوحيد نضالات الحركة الطلابية وما ترتب عنها من خطوات وحدوية بالغة الأهمية، الموقف التاريخي الإيجابي للطلبة القاعديين أنصار الكراس من قضية العمل النضالي الوحدوي وإعادة بناء أوطم، موقف طلبة اليسار التقدمي من توحيد وتنظيم نضالات الحركة الطلابية في أفق عقد المؤتمر الاستثنائي، موقف التوجه القاعدي بتطوان المناصر لقضية الوحدة ونبذ العنف وإعادة بناء المنظمة الطلابية الوطنية…).

كل هذه المبادرات تصب في اتجاه تغليب العمل الوحدوي والتفكير في سبل توحيد المعارك الطلابية الوطنية كمدخل أساسي يخرج اليسار الطلابي من مآزقه التاريخية، ويمكنه بالفعل من بناء حركة نضال طلابية جماهيرية قوية كفيلة بالتصدي للسياسات المدمرة للتعليم الجامعي ولطابعه العمومي والمجاني، منطلقا في ذلك من فكرة بديهية مفادها أن “تعدد القوى الفاعلة في حركة جماهيرية هو من طبيعة تلك الحركة، وما من حل لتأمين استمرار الحركة ونموها، سوى التدبير الديمقراطي للخلاف، وممارسة أوسع ديمقراطية، واحترام حق غير المنتمين سياسيا في التعبير والمشاركة في بناء الحركة”.

إن من واجبات التوجه النقابي الديمقراطي الكفاحي والتقدمي، وفي قلبه مكونات اليسار الطلابي، الذي يخترق الخريطة الجامعية المغربية من الشمال إلى الجنوب ومن شرق المغرب إلى غربه أن يجعل من وجوده، رافعة للنضال بما يعزز قوة الحركة الطلابية المغربية كما ونوعا، ويدفع بها إلى استعادة منظمتها الطلابية الوطنية “أوطم”، ويمكنها من الانخراط القوي والفعال في نضالات الجماهير الشعبية.

بعد 10 سنوات على تطبيق الإصلاح الجامعي، أعتقد بأن الحصيلة واضحة: معارك طاحنة وقوية ومتعددة وتضحيات جسام، مقابل مكاسب ضئيلة بل وحتى منعدمة في بعض الأحيان، أضف إلى ذلك أن معظم المعارك لم تؤدي إلى تحقيق مكتسبات تنظيمية، هذا في ظل استمرار الدولة وإمعانها في وضع الجامعة، بالكامل، في خدمة مصالح أرباب العمل والشركات الأجنبية وتحويلها إلى منجم بشري لإنتاج البطالة واليد العاملة الرخيصة.

وفي الأخير أعتقد، كممارس نقابي سابق في الحركة الطلابية المغربية خبر صعوباتها وتعقيداتها وفرصها المتاحة أيضا، بأن الأفق واضح اليوم، وينبغي أن يكون: من مع تدعيم التوجه الطلابي الديمقراطي الكفاحي والتقدمي والعمل على تطويره بالمبادرات العملية الجريئة والنقد والعمل المباشر والوحدوي والمنظم من أجل إعادة بناء النقابة الطلابية الوطنية كضرورة نقابية وتنظيمية لتوحيد المعارك الطلابية وصهرها في بوتقة الإضراب الطلابي والوطني العام الكفيل بطرح المطالب الطلابية بشكل قوي. ومن ضد هذا المسار؟.

اليوم، على التوجه الديمقراطي أن يبلور رؤاه السياسية العامة في أكثر المطالب قدرة على التعبئة والتوحيد، وأن يربط منطق النضال بمنطق التنظيم بحيث يتم الحرص خلال كل معركة طلابية مهما صغر حجمها على استثمارها تنظيميا بما يمكن الطلبة من بناء الشروط التنظيمية ومراكمتها في أفق استعادة نقابتهم الوطنية، وأن يتحلى بكامل المسؤولية في الوفاء بالتزاماته ومبادراته الميدانية والسياسية، وأن تكون له الشجاعة الفكرية والسياسية اللازمة لبلورة خطة سياسية ونضالية وطنية تمكن من توحيد وتنظيم نضالات الطلاب، إن هو، بالفعل، أراد الوقوف ضد جميع المؤامرات الساعية، مرة أخرى، إلى إجهاض مسار إعادة بناء النقابة الوطنية للطلاب من خلال تجذير الوعي الطلابي وربطه بتحقيق مكتسبات مادية وديمقراطية وتنظيمية على الأرض وفق برنامج طلابي وطني يلبي احتياجات وتطلعات أزيد من 650.000 طالب بالجامعات والمعاهد العليا، وأزيد من 650.000 طالب بمؤسسات التكوين المهني، ويمكن قاعدتهم المناضلة من الانخراط في المعركة السياسية الضارية التي يخوضها شعبنا منذ عقود ضد ثالوث الاستبداد والاستغلال والتبعية.

نقلا عن : المناضل-ة-

*معتقل سياسي سابق 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.