معركة “أساتذة الغد” …قراءة في مجريات الحوار ونتائجه

عاصم منادي إدريسي *

في الأسبوع الماضي وافقت لجنة الحوار المنبثقة عن التنسيقية الوطنية للأساتذة المتدربين على الدخول في حوار من أجل إنهاء الأزمة على أرضية المقترح الذي تقدمت به المبادرة المدنية. يقضي مقترح المبادرة باستئناف التكوين النظري في ما تبقى من الموسم الحالى، على أن يستكمل التموين التطبيقي في الأشهر الأربعة الأولى من الموسم المقبل، مقابل التزام الحكومة بتوظيف الفوج دفعة واحدة بداية من يناير المقبل 2017.
بدأ الحوار على هذه الأرضية بعد موافقة الطرفين عليها. وكما هو حال كل حوار، فمن الطبيعي أن يستغل كل طرف نقط قوته لتعزيز وجهة نظره لإرغام الطرف الآخر على القبول بوجهة نظره ومقترحاته، وككل حوار، لا بد من تقديم تنازلات من الطرفين بحثا عن الحلول الوسطى، مادام أن تمسك كل طرف برأيه يعني التعنت ورفض الحل.

فرض الخصاص على الذي يعانيه قطاع التعليم، والخوف من فشل الدخول المدرسي المقبل، على الحكومة أن تتخلى عن فكرة تأجيل التحاق الفوج كاملا حتى يناير 2017. ولذلك انتزعت لجنة الحوار فيما خص هذه النقطة مكسبين لم يكونا ضمن مقترح المبادرة، وهما :

1. ضمان التحاق الفوج دفعة واحدة بعمله بداية من شتنبر المقبل، واعتبار عمله في القسم في الأشهر الأربعة الأولى بمثابة تكوين تطبيقي، (كما سهلت الحكومة مأمورية إنجاح الدخول المدرسي، وبالتالي فالمنفعة متبادلة هنا). ورب قائل ينتقص من هذه المكسب بقوله أن الأساتذة سيعملون ساعات أكبر مقابل أجرة أقل، لكنني أرى أن التعويض المادي الذي سيتقاضونه في هذه المرحلة (3000 درهم لا زالت قابلة للنقاش في الحوار) أكبر من المنحة التي كانوا سيتقاضونها حال بقائهم في المراكز حتى لو كانت بصيغتها الأولى، وهذا التعويض المادي ما زال قابلا للزيادة بحسب مجريات الجولة الأخيرة من الحوار.

2. أما المكسب الثاني (وهو الأهم والربح الأكبر) فيتجلى في استفادة الأساتذة المتدربين من أقدميتهم الإدارية بداية من شتنبر المقبل، وهو ربح ما كان ليتحقق لو ظلوا في مراكز التكوين، وأراه ربحا كبيرا مقارنة بالتعويضات المادية (رغم أهميتها)، لأنه يضمن لهم عدم التأخر في المشاركة في الحركات الانتقالية سواء كانت محلية أم جهوية أم وطنية، بالإضافة إلى استفادتهم من الترقية بشكل عادي. وهو مكسب لم يتضمنه مقترح المبادرة، بل انتزعته لجنة الحوار بطرقها ومناوراتها الذكية، ويحسب لها هذا المكسب.

3. بعد استكمال التكوين النظري سيجتاز الأساتذة المتدربون امتحانا في المجزوءات التي سيتلقونها، وبحسب نتائجهم في هذا الامتحان سيتبارون على مناصب التعيين، وسيلتحقون بعملهم بشكل عادي ويمارسونه كما جرت العادة دون تغيير يذكر. على أن يجتازوا امتحان توظيف (امتحان شكلي سينتهي بنجاح الجميع) لن تؤثر نتائجه في الأقدمية الإدارية والتعيين الأصلي. في هذه النقطة أتمنى لو تستطع لجنة الحوار إقناع الحكومة باعتباره امتحان كفاءة مهنية يفضي إلى ترسيم الجميع دفعة واحدة. هنا يتساءل أغلب الأساتذة المتدربين ويتسرب إليهم الشك قائلين.

لماذا مباراة توظيف ما دمنا موظفين؟.

والإجابة تقول أنه لو قبلت الحكومة بعدم إجراء المباراة في يناير 2017، فإنها تكون بذلك قد تنازلت عن مرسوم فصل التكوين عن التوظيف، ولذلك تحرص على هذه المباراة رغم شكليتها وفراغها من كل مضمون عملي. وعلى لجنة الحوار والنقابات أن تحاولا إقناع الحكومة باعتبارها امتحان كفاءة مهنية، على أن تتم الإشارة في المحضر أو المرسوم النهائي إلى ضرورة إعادة المرسومين إلى طاولة الحوار الاجتماعي القطاعي.
فيما خص مسألة التعيين. جرت العادة أن يكون التعيين وطنيا باستثناء الموسم الماضي. وما يملي التعيينات ويفرضها هو نسبة الخصاص داخل الجهات المطلوبة، ولذلك أستبعد كثيرا فكرة التعيين الانتقامي كما يتوقع البعض. وكلنا يعرف أن أغلب مدرسي المناطق الجنوبية والجنوب الشرقي ينحدرون من مناطق شمال ووسط المغرب، وهي مناطق تعيينهم الأصلي دون احتجاج ولا ثورة ولا عقاب. وهو أمر عادي جدا لا يستحق النقاش، ففي المغرب نلتزم بتدريس أبناء الشعب حيث كانوا دون نقاش. ولا ننسى الإشارة إلى أن الكثير من الأساتذة المتدربين ينحدرون من هذه المناطق ويحرصون على أن يكون تعيينهم الأول فيها، كما أن المراكز الجهوية تحتوي أساتذة ينحدرون من مناطق وجهات مختلفة.

فيما خص مسألة المنحة. تحاول الحكومة الإجهاز على المنح التي تخص الأشهر السابقة التي قضاها الأساتذة المتدربون خارج المراكز. وهي النقطة التي ما تزال تعرقل الحل. شخصيا، أتفق مع مطلب الأساتذة المتدربين في الحصول على منحهم كاملة، وهو أمر ما يزال قابلا للنقاش والمناورة والتفاوض. وكل المؤشرات (حسب مصادر نقابية) تؤكد أن الموضوع قابل للتعديل والتنازل في جلسة اليوم.

لكل هذه الأسباب، أعتقد أن الحوار حقق الكثير من المكتسبات التي لم تتضمنها مقترحات المبادرة المدنية، وهو أمر يحسب للجنة الحوار التي ما فتئت تحاول لانتزاع مكتسبات أخرى لصالح الأساتذة المتدربين.
أرجو ألا يفهم (بضم الياء) كلامي هذا على أنه دفاع عن نتائج الحوار، بل خو دفاع عن لجنة الحوار ورفض لخطاب التيئيس والإحباط الذي يحاول الكثيرون نشره بين القواعد. وذلك من خلال تبخيسهم للمعركة ونتائجها، وإلانهم السخط على لجنة الحوار.

وحتى أفصل أكثر، سأتحدث بمنطق الربح والخسارة فيما يتعلق بالمعركة.
ما خسرته المعركة هو عدم إسقاط المرسومين، لكن هذا ليس دليلا كافيا لإدانة المعركة وتبخيس التضحيات الجسام التي قدمها آلاف المناضلين (ت)، ففي غياب سند شعبي حقيقي، وفي ظل القمع الذي مورس ضد فئة قليلة وسط صمت المؤسسات والرأي العام (إلا القليل)، ما كان يجب أن تبقى وحدها في فوهة المدفع طلبا للمستحيل وبثمن غال جدا، ولذلك يجب مراعاة هذا الشرط قبل الحكم بفشل المعركة.

ما الذي ربحته المعركة؟

– وحده شخص عانى البطالة والعطالة والبقاء بدون عمل يستطيع أن يجيب بموضوعية عن هذا السؤال. فلو لم يكن للمعركة من ربح إلا أنها أنقذت ثلاثة آلاف أستاذ (ومهم آلاف العائلات) من العطالة لاعتبرتها ربحا عظيما.
– بفضل المعركة ضمن الجميع توظيغهم دفعة واحدة، وبفضلها انتزعوا أقدمية إدارية سيعرفون قيمتها يوم يحين موعد الحركات الانتقالبة والترقيات والامتحانات المهنية. ويومها سيدركون أن هذه الأقدمية أكبر ربح.
– لو ظلوا في المراكز في الأربعة أشهر الأولى من الموسم المقبل لفوتوا فرصا كبيرة، لأن العمل المباشر سيغني تجربتهم أولا، وسيستفيدون من منحة مادية تفوق ما كانوا سيأخذونه في المراكز، ناهيك عن الراحة النفسية من تساؤلات تهم المستقبل والنجاح والرسوب…وهي أرباح لن يقدر قيمتها إلا من عانى الويلات من العذاب النفسي لمدة طويلة.

-لقد أعادوا مجال التعليم العمومي ومشاكله إلى دائرة النقاش العمومي، ولأول مرة منذ سنوات نجد التعليم العمومي ومشكلاته وقضاياه موضوع الساعة في الإعلام ولدى الرأي العام العمومي، لأول مرة نجد البقال والحرفي والجزار…يهتمون بالموضوع ويسألون عن حقيقة أوضاعه.وهو أمر ما كان ليتحقق لو لم نعش تضحيات هذا الجيل البطل.

واليوم أوجه رسالة لكل الأياتذة المتدربين :

كفى من خطابات الاتهام والتخوين المتبادل، وكفى من تبخيس الدماء والتضحيات، وإن كان بعض المنسقين الوطنيين والمحاورين يتشددون في بعض المطالب، فلا أظن أن دافعهم في ذلك هو “رفض الحل أو تمديد المعركة”، بل هو المناورة التي ينبغي أن يتصف بها المحاور لانتزاع مكتسبات جديدة.

ولا يجب أن ننسى بأن المبادرة لم تقدم حلا نهائيا، بل قدمت أرضية يحق للجنة الحوار أن تناور في إطارها. ومن باب الشهادة التي لن أستند فيها إلى معرفتي ببعض مناضلي التنسيقية والمحاورين، بل إلى شهادة أطراف أخرى تشارك غي الحوار. هناك إشادة بكفاءة لجنة الحوار (رغم بعض التشويش) وذكاء مكوناتها وقدرتهم على إدارة حوار طويل النفس مع الدولة.
كما لن أكون كاذبا إن قلت بأن الحوار قطع أشواطه الطويلة وتم الاتفاق على الأغلبية المطلقة من النقاط العالقة، وما تبقى لن يكون عقبة.
1535015_1799119423649146_4357823631406114348_n

*الكاتب الإقليمي للنقابة الوطنية للتعليم (ف دش )/اشتوكة آيت باها

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.