معايير الصحة النفسية

لتحقيق الصحة النفسية للفرد وللمجتمع الذي يعيش فيه، لا بد من مكانزمات ومعايير أساسية نستطيع الاعتماد عليها في الحكم على صحته النفسية ووجودها. وهكذا فقد تحدث العلماء و الباحثين في الحكم على السلوك سوي أو غير سوي وفقا للمعايير التالية:

1- المعيار الذاتي:

يتحدد الفرد في هذا المعيار إنطلاقا من الأحكام أو المعايير( قيم، مبادئ واتجاهات مثلا ) التي تكون بمثابة إطار مرجعي يحكم من خلاله على سلوك الفرد، بحيث كل ما يتفق مع هذا الإطار يعد عاديا وما لا يتفق يعتبر شاذا وغير عادي. بمعنى اخر، أن كل من يخالفني في الرأي يعتبر شاذا، وكل من يوافقني في الرأي يعتبر سويا، وهو معيار ذاتي لا يمكن الوثوق في مصداقيته في الحكم على السلوك الفرد.

ومن هذا المظور، فإن الفرد يعتبر سويا في سلوكه إن تكيف مع محيطه، وإذا عرف المشكلات التي تواجهه، وعرف كيف يحلها، وقام بإشباع حاجاته العضوية والنفسية. أما إذا بقي الفرد في صراع مع نفسه، ومع من هم حوله ، وبقي يعاني من وجود مشكلات غير متكيفة معه ، فإنه سيكون فريسة للمرض، والاضطراب النفسي، وسوف ينتابه القلق، والخوف، والشعور بالفشل، و عدم الثقة في نفسه. لكن هذا المنظور المعياري الذاتي ، وحسب التطور الذي عرفته العلوم الإنسانية له عيوبه نجملها في مايلي:

1- هذا الأسلوب غير موضوعي ولا يمكن الإتفاق عليه ، لأنه يتعدد بتعدد الأفراد، كما يختلف من شخص إلى آخر . فإذا كان الفرد يحكم على سلوكه بالنسبة لما يراه صحيحا أو خاطئا، فكيف نصل إلي قوانين ومبادئ تنطبق على كل البشر.

2- كما أن هذا المنظور يهمل الفروق الفردية بين الأفراد في نمو الذاتي ، وتقبل معايير الجماعة ، وقيمها ، وما يترتب على ذلك من فروق في الأحكام على السلوك.

2- المعيار الاجتماعي:

إنطلاقا من هذا المنظور ، يعتبر المعيار الاجتماعي كمحدد للسلوك العادي، بحيث يصبح السلوك العادي هو ما يتفق عليه داخل المنظومة الإجتماعية لدى مجتمع معين .على العموم فأفراد المجتمع حسب هذا المعيار عليهم الانصياع والامتثال للعادات والتقاليد السائدة في المجتمع بغض النظر عن كونها صحيحة أو خاطئة. لكن ” بيندكت ” الباحثة والعالمة الأمريكية في علم الإنسان والفولكلورلها رأي أخر، فقد أوردت في بحثها ( أنماط الثقافة 1934 ) عدد من الأمثلة لسلوك ينبغي اعتباره غير سوي في المجتمع الغربي ، في حين يعد بصورة إيجابية موضع التقدير والإحترام عند مجتمعات أخري . فإحدى قبائل الهنود الأمريكيين في كاليفورنيا المعروفة ” ﺒالشاستا ” تطفي الإحترام على كل من فارق الحياة وسط خبرات معينة من النشوة ، الابتهاج ، والانفصال الروحي والنفسي عن الواقع المادي المحيط بهم. . إذن فالمعيار الاجتماعي من هذا المنظور له عيوبه ، يمكن إيجازها في النقاط التالية:

1- المجتمع في بعض فترات الضعف قد يتسامح إزاء الظواهر السلوكية كان يعارضها بحزم فيما مضى ، لأن عملية التطور و التغير الاجتماعي تعمل على إضعاف القيم القديمة القائمة وإحلال القيم الجديدة البديلة مكانها.

2- إن استخدام مفهوم الحالة الشاذة أو اللاسوية من المنظور الثقافي الاجتماعية ، يجعلنا من الصعب التمييز بين الأمراض الصحة النفسية والانحرافات الاجتماعية . فمن المقبول مثلا و بصورة عامة أن يرتكب بعض الناس جريمة من الجرائم منتهكين بذلك الأعراف والقوانين الإجتماعية، لكن بالرغم من ذلك لا يعدون من المنظور الصحة النفسية مرضي .

3- المعيار الإحصائي:

ينصب اهتمام هذا المنطور المعياري على صفات كالذكاء ، الصدق أو المظهر البدني مثلا . بحيث أن أحد الصفات هي التي تحدد فقط بأن هذه الحالة غير سوية ، أما الصفة الأخر فإنها تمثل حالة السوية ، بمعنى أن الفرد المعوق جسميا قد يكون معوقا ذهنيا والعكس غير صحيح . إن هذا المعيار يتخذ المتوسط أو الشائع مقياسا يمثل الحالة السوية، وبذلك تكون اللاسوية أو الشاذة هي الإنحراف عن هذا المتوسط زيادة أو نقصانا، وهذا المعيار لايفرق بين الشخص العبقري والشخص الذي يعاني من التخلف العقلي مثلا. فالمعيار الإحصائي تشوبه بعض العيوب ،ذلك أن انتشار السلوك وتكرار حدوثه عند عدد كبير من الأفراد لا يعني أنه سلوك سوي ، فمثلا استخدام الغش في الامتحان من طرف التلاميذ في مجتمعنا لا يمكن اعتباره سلوكا سويا، والعكس صحيح بالنسبة لسلوك النفاق أو الكذب الذي يعتبر سلوكا شاذا حتى ولو مارسه معظم الناس. 4- المعيار المثالي:

ويرى هذا المعيار أن الحالة السوية هي المثالية أو الكمال أو ما يقترب منه، واللاسوية هي الانحراف عن المثل الأعلى أو الكمال. فالشخص السوي هو المثالي في كل شيء ، وأن الشخص الغير العادي هو منحرف عن الكمال . إن ما نستنتجه وفقا لهذا المعيار، أن المثاليين سيكونون أقلية نادرة بينما ستصبح أغلبية الناس شاذة بحكم انحرافها عن المثل الأعلى . و بما أن المعيار المثالي يستمد أحكامه من القيم وليس من الواقع ، فهو إذن نسبي وغير موضوعي ، فمثلا نجد أن الأسوياء يشكلون نسبة قليلة في مجتمع معين ، بينما اللا سوياء أو الشواذ فيه يشكلون الغالبية، فهذه المعادلة غير منطقية علميا وعمليا.

5ـ المعيار النفسي الموضوعي:

يتصف السلوك وفقاً لهذا المعيار بالوظيفة التي يؤديها ضمن وحدة الشخصية، إضافة إلى دلالته. فإذا كان السلوك ذا دلالة وظيفية ويعمل بتناسق وانسجام مع مكونات الشخصية ، أطلق عليه سلوكاً سوياً، أما إذا كانت وظيفته ودلالته لايحكمهما هذا الإتساق أطلق عليه السلوك اللا سوي أو الشاذ. يعتمد هذا المنظور المعياري على اتخاذ الأعراض المرضية أساسا للحكم علي سلوك الفرد، فمثلا الشواذ يغلب على أنماطهم السلوكية أعراض متعددة سواء كانت هلوسات ، إنفعالات أو اضطرابات كالقلق…إلخ. ويعتبر الشخص السوي هو شخص بلا أعراض ، إلا أن الخلو من الأعراض هو من الصعوبة بمكان أن نجد شخصا خاليا من الأعراض المرضية . إن إختفاء وانخفاض درجة الثبات في التشخيص والفحص الطب النفسي لتلك الأعراض المرضية ، لا يسمح لنا بالحكم عليها بأنها مرضية غير مرضية في أفق وضع الخطة العلاجية لها.

وفي الأخير، فإن تدخل المعاييرالسالفة الذكر في تحديد الصحة النفسية ، ينتج عنه التركيز على صفات أو أشكال السلوك الظاهر دون تعميق النظر في أسبابها وعواملها. لذا فإن تكامل هذه المعايير بالمعنى العام ،هو انسجام الوحدات الصغيرة في وحدة الكبرى ، أي اندماج عناصر متميزة فيما بينها من علاقات و أنماط المختلفة وائتلافها في صيغة الشخصية. فالشخصية المتكاملة هي الشخصية السوية كدليل الصحة النفسية ، أما تفكك الشخصية وعدم تكاملها فهي الشخصية المضطربة كدليل إختلال الصحة النفسية . ترقبوا في الحلقة القادمة ” معوقات تحقيق الصحة النفسية ”

ترقبوا في الحلقة القادمة “معيقات تحقيق الصحة النفسية “

*مساعد نفساني ومرشد بيداغوجي بطنجة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.