معادلة السعادة والثروة بالمغرب

يُصنَّف المغرب من بين الدول التي لها نصيب ضئيل من السعادة، مثله مثل المجتمعات التي تعيش انتفاضات واحتجاجات وصراعات سياسية دامية أو التي لا تسأم من حروب الطوائف الدينية والعصابات الارهابية. و على الرغم من أنه يعيش الكوميديا السياسية يوميا في ظل جوٍ آمن (أي أنه لا يعرف مشاكل شبيهة بالتي سبق ذكرها)، إلا أن أفراده لا يتوقفون عن الشكوى والتذمر من الوضع الحالي، بدل الابتسام والضحك والاستمتاع.

قبل مجيء المحتل الفرنسي، اعتمد الاقتصاد المغربي على التجارة والتبادل السلعي والزراعة. وخلال الاستعمار وما يعرفه “الوضع” من تغيرات على المستوى الاقتصادي للبلد : تسمح بالانتهاز واقتناص الفرص. فإنه بخروج المحتل، ترك خلفه طبقة اقتصادية نشأت بدمج تجار ما قبل الاحتلال بانتهازيي ذلك العهد (الاحتلال)، ما أنتج طبقة اقتصادية شكلت غالبية الأحزاب السياسية ـ فبتاريخ الحكم السياسي ارتبط النفوذ السياسي بالقوة الاقتصادية أي امتلاك وسائل الإنتاج وإعادة الإنتاج.

فبعض العائلات من ضمن هذه الطبقة التي لمست علاقة السياسة بالاقتصاد، قد دأبت على تدريس أبنائها خلال العهود الاستعمارية ـ لتفكيك سلوك المستعمر، فالأبناء بتعلمهم للغة الفرنسية أصبح بإمكانهم التطلع على كتابات وجرائد العدو وتحليل الأفكار المتضمنة ـ هؤلاء الأبناء هم من سيصبحون المسيرين لتلك الأحزاب نظرا لتوفرهم على مستوى تعليمي يمكنهم من فهم اللعبة السياسية.

وبما أن تزاوج السياسة والاقتصاد ينتج مزيدا من الثروة، فإن الهوة ستبدأ بالاتساع بين أقلية ذات نفوذ سياسي اقتصادي، وبين أغلبية موجهّة ثقافيا لخدمة سياسة الدولة. لتجنب انتشار وتغلغل الأيديولوجيا الشيوعية والاشتراكية (المحاربة للبورجوازيات والأنظمة المَلكية)، وضد المد الشيعي السياسي (الساعي لإسقاط المَلكية مقابل تنصيب الإمام المعصوم).

فتم استدعاء الخطاب الديني والوهابي لردع الأفكار التجديدية الغربية، ولارتكاز هذا الأخير على رفض التظاهر ضد سياسة الحكم أو الخروج عن الحاكم. كذلك تعزيز الدعوة للقناعة والصبر والاهتمام بالعالم الآخر وترك الشؤون الحالية لأتباع الدنيا ! . رغم أن الحدث سيخلف أثارا لاحقة بالتفجيرات الارهابية التي ستشهدها الدار البيضاء، انطلاقا من تجذّر الفكر الارهابي الخامد الذي استُدعيَ سابقا. ولازلنا نرى بقايا له في التدين الشعبي المرتكز على المظاهر، وفي بعض الخطابات الأسبوعية (الجمعة) المليئة بالأخطاء اللغوية والتاريخية، زيادة على ضعف قيمتها الفكرية باستنادها على فكر ابن تيمية الذي يُعتَبر قزماً في الفقه أمام عمالقة كالشافعي أو أبي حنيفة.

لكن بما أن نظام المغرب الاقتصادي يعرف السوق الحرة، فإنه بإمكان أي شخص بَدْل بعض الجهد حتى يتمكن من تحقيق واقعه المعيشي المطلوب، ولما لا الالتحاق بطبقة الأقلية ! . لذا فإن الأغلبية صارت تحلم بالربح السريع ـ مع انتشار الإعلام الاستهلاكي الكاذب ـ وأصبحت ترغب بالتساوي مع طبقة الأغنياء بين “يوم وليلة”، وغاب عنها أن تلك الطبقة تشلكت عبر تاريخ من توارث العائلات الغنية.

هذا لم ينفي من ظهور الطفيلية الرأسمالية ومافيا العقار وطبقة المخادعين الذين ركبوا على أكتاف الفقراء من محتالين سياسيين وموظفين مرتشين.

والسؤال هو : لماذا ؟

لأن هناك ثروة تأتي بجهد الأذكياء،

وثروة تأتي من ميراث الأغنياء،

وثروة تأتي على حساب الأغبياء.

الفقر نوع من العنف، ومضاد للسعادة.. فمن السخف أن يصدق الإنسان الخطابات التي تفتخر به : فقد تدخل مزرعة المسيح، كما قال “طوبى لفقراء الروح فإنّ لهم ملكوت السموات”(متى 5: 3)؛ لكن كن متأكدا أنك لن تدخل لأماكن هنا ما دمت لا تمتلك مالا.

كملاحظة بالنسبة لأبطال العالم في فهم النصوص الدينية، يدخل لفظ “فقراء الروح” في الشقين الروحي والمادي للإنسان، وليس فقط تضييقه بالجانب الروحي، فالمقطع هناك يركز على فئة الفقراء كما في لفظ “ودعاء” (يرثون الأرض : كوعد بالثروة).

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.