مطر مثير للجدل

ifri9i

كنت أظن أن المطر زائر مهذّب يخبرك بقدومه برسالة مع الريح ويمهلك أياما لتتدبَّر حطبا للتدفئة؛

 فاكتشفت بأنه فوضوي يأتي بلا موعد مسبق، ليفاجئك عاريا ومتعثرا في طريق مكتظ بالوحل.. كنت أصدق قدومه من الخطوط المتقطعة والسريالية على خريطة النشرة الجوية، وصرت اليوم أتفقدُّ أخباره الموثوق بها في بلاغات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية..

كنت أتوهم أن المطر مناضلٌ شريف يعلن تمرده بماء مكشوف رافعا غيمة غاضبة، فضبطته متسللا بين الشقوق كمخبر سري.. وكنت أحسبه منطقيا وحساباته دقيقة جدا، فصُدمت لدجله ومعادلاته الخرافية..

كنت أظن بأنه كَوْنيٌّ لا يفرق بين الأجناس والديانات، لكن يبدو بأنه مسلم.. وكنت واثقة من أنه شعبيٌّ، فاكتشفت بأنه مخزنيٌّ لدرجة البلل. غريب أمر هذا المطر! لم يرأف قلبه لمناجاة الفلاحين الفقراء، وامتثل بسرعة وبغزارة لما جاءته الإشارة من الفلاحين الكبار.. لم يصغ لدعائنا السري، وفضل الطقوس العلنية لصلاة الاستسقاء.. ولم يضعف أمام صلوات البؤساء في القرى المنسية، فيبدو أنه مثل نجوم السياسة والسينما يفضل الصلوات على السجاد الأحمر أمام ومضات المصورين وكاميرات النشرات الرسمية. كنا نعرف من توقعات الأرصاد الجوية بأن في الأجواء كثير من المطر، لكن، لم نكن نعلم بأن غيومه تُصنع في مطبخ السلطة..

نعرف بأنه ضروري للحكم ويحمي الأنظمة الهشة اقتصاديا من تمرد الشعوب، لكن، ليس لدرجة توظيفه سياسيا ودينيا لتثبيت المشروعية. ما أومن به هو أن الله رحيمٌ، يوزع المطر بين مخلوقاته بالعدل وبحكمته السرية والمدهشة، لا يفرق بين نبات وحيوان ولا بين غرب وشرق ولا بين مسلمين ونصارى إلا بمنطقه الخاص والمذهل في خلق الكون والطبيعة بحُسْبان.. فكم من بلاد “كافرة” جعلها ممطرة، وكم من بيوت مقدسة اختار لها الله جغرافيا قاحلة..

لاأدري لماذا يوهموننا بأن لهم فضل في هطول المطر، ويصرون أن يكونوا وسطاء بيننا وبين الله، وهم من يُحدِّدون لنا المواعد المناسبة للدعاء وللتوسل وللصلاة وللاستغفار، ويرسخون في لاشعورنا الجمعي بأنهم أقرب منا إلى الله، وبأننا المذنبون ومن يتحمل المسؤولية الأخلاقية لرحيل المطر، وبأنهم الصالحون الذين بفضلهم تُمطر السماء في أجمل بلد في العالم..

قال الجنرال الفرنسي ليوطي لما كان مقيما عاما: “إذا أردت أن تحكم بالمغرب، فعلى السماء أن تمطر”.

نسي أن يضيف بأنه لكي تحكم، عليك أن تستعجل صلاة الاستسقاء قبل أن تُمطر. ويقول الروائي عبدالرحمن منيف على لسان أحد أبطال مجموعته القصصية أسماء مستعارة: “أما بخصوص انحباس المطر، فإن اللوم يقع على وزير الإفتاء الذي كان غبيا جدا ولم يختر اليوم المناسب لصلاة الاستسقاء، وقد عاقبناه، وسنعاقب كل وزير يُسيء إلى الشعب، فالشعب أمانة في أعناقنا”. هذا الكلام كتبه الراحل منيف سنة 1969، فما أشبه اليوم بالأمس البعيد، الفرق الوحيد أن تقنيات رصد التوقعات الجوية تطورت ولم يعد وزراء الإفتاء أغبياء، بل أصبحوا يختارون بذكاء ودقة علمية اليوم المناسب لصلاة الاستسقاء.

2 تعليقات
  1. محمد عبد الله الكوا يقول

    يغادر كلميم والي كان يقال أنه سيغادر متقاعدا،ولكنه يغادر كلميم واليا على ولايةجديدة،وتعود بي الذاكرة كمهتم بالشأن السياسي والمحلي،الى تاريخ تنتصيبه،كان حفلا بهيجا أشرفت عليه وزارة الداخلية الوصية،وكانت عبارات التقديم،تثني على تمرس الرجل،وتعتبره ابن الداخلية بخبرته وتدرجه الدبلوماسي،وقد تم الحديث بإسهاب عن ما تحبل به المنطقة من مشاريع تنموية،كمشروع الشبيكة،ومشروع الشاطئ الأبيض …وتم الحديث عن وضع استراتيجية متوازنةتخفف من العجز الإقتصادي،والإهتمام بمشروع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية،ونهج سياسة الإدماج الإجتاماعي خصوصا للفئات الهشة وما أكثرها في مدينة غير منتجة،وقد دعا الوالي منصبوه الى أن يهتم وينصت إلى كافة المواطنين،والإنفتاح على شرائح المجتمع،..وسط تصفيقات مهيأة في الغالب خرجنا ممتلئين حلما بالتنمية الحقة،وبتقرب متحفز للإضافة التي يمكن أن يضيفها الرجل بخبرته ،وما هي إلا أيام،حتى انبرى الرجل عن الأنظار،فلا أذكر ،وأنا مهتم بالموضوع،أن الرجل اجتمع بهيآت المجتمع المدني،إلا عندما جاءته مستنكرة القبضةالحديدية الأمنية والشرسةعلى شارع الجديد،وتدجيجه بأنواع قوات الأمن والمخزن،وضرب المنازل ،واستعمال أساليب لا عهد للمدينة بها،المكلاع،والضرب بالحجر،ردا على أطفال تم تهييجهم بذكاء مخزني خبير ،حتى يعود اللوم على أهلهم وجيرانهم والساكنةو…ولا أذكر أن الرجل قدم للمدينة خبرة غير تتبعه للمشاريع التي قيد الإنجاز ودشنت مع الوالي الذي سبقه،وجاء الأخير ليرعاها رعاية خاصة،فكان لا يفارق رئيس المجلس البلدي،وقلة من الدائرة المقربة،في شأن عام يهم كافة الشرائح،ولكن لا أحد يحضر ويخبر في هكذا لقاءات..الأسباب طبعا معروفة،وفيها تبلادل للخبرة في مجال سياسة التغييب الممنهج لمجتمع مسالم،ومجتمع مدني يعيش على الفتات،وأحزاب سياسية ،سوف تعزل عن الشارع ،باستقدام رجل أمن من الدار البيضاء،يسير المرحلة بالقبضة الحديدية ذاتها،ولايسمح بأدنى تعبير عن التجاوزات ،فنشطت التدخلات العنيفة في حق المعطلين،وفي حق الأحزاب إلا من كان مواليا،وفي حق الإعلاميين محليين وجهويين ..وفي حق الهيآت الجادة من المجتمع المدني..فتم التضييق بمختلف الوسائل على كل الأشكال الإحتجاجية،وعادت الإضطرابات التي ينشط لها المستفيدون من الوضع وأغنياء الحرب المتحفزون للمردودية الشخصيةوملء الجيوب،وكانت أحداث مفبركة من أعوان المخزن المنتمون لبعض القبائل قد ختموا بأحداث الصراع المفتعل الذي انتهى الى المطاردات بأسا،وكلميم وامتدت شرارتها الى مدن الجنوب كلها وسط إحكام قبضة المخزن المستفيد مهندسوه من إبراز كفاءتهم وقوتهم وجبروتهم في طمس الحركات السلمية والقضاء على بداياتها،وأودت آلة القمع المخزني بحياة شاب،تم تعويض أهله بوساطات مقربة معروفة،لطي الملف وإسدال الستار،وتوزيع الجوائز في آخر المسرح السياسي بتنقيل رئيس الدتائرة الأمنية بكلميم،الى محل عمله الأصلي،وانتهى الوالي الى ولاية جديدة يحارب بها شبح التقاعد،وبقي المجتمع المدني يتنفس الصعداء ويستشرف المستقبل القريب ليسمع الى نصائح المنصبين للوالي الجديد،محمد عالي العظمي،صباح الأحد القريب،فكيف سنخرج من القاعة هذه المرة يا رفيق؟؟؟

  2. محمد عبد الله الكوا يقول

    قصد النشر
    محمد عبد الله الكوا،والصورة الشخصية موجودة في الفيس،مع تحياتي لإدارة الموقع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.