مطاردة المواطن … متى تتوقف ؟؟

   قريبا من واقعنا الذي نكتوي بناره، ودون التعريج على لغة الانجازات والاخفاقات ولا على المؤشرات أو التقارير المغلوطة ، نستطيع  الجزم بأن الوضعية المعيشية لفئات عريضة من المغاربة في تدهور مستمر وبشكل سريع وخطير، الأمر الذي يجعلنا نؤكد جازمين بأن تحالف التجويع والتفقير هو الذي يتحمل المسؤولية الكاملة في ما آلت إليه أوضاع البلاد والعباد، وفيما يمكن أن تؤول إليه الأمور مستقبلا .

     فمادام الاقتصاد المغربي في إطار التقسيم الدولي الجديد للعمل، موجها بالدرجة الأولى  لخدمة الدوائر الإمبريالية ، وانعكاسا مشوها للأزمة العالمية الراهنة ، فإنه سيظل معوقا لامحالة إعاقة مزمنة  لا يمكن الانفكاك منها إلا بمطاردة الفقراء وذوي الدخل المحدود ، فعلاقات التبعية وربط الاقتصاد المحلي بالوصفات المقدمة ــ من طرف الاتحاد الأوروبي و مختلف المؤسسات المالية الدولية المشبوهة، كصندوق النقد الدولي والبنك العالمي …  ــ قد نجحت أيما نجاح في عملية استكمال ما تبقى من برامج التقويم الهيكلي التي انطلقت في ثمانينيات القرن الماضي ، وسياسة الخوصصة  مع مطلع التسعينات … انطلاقا من أسطورة  تأهيل “الاقتصاد الوطني “و”توفير شروط القدرة على المنافسة “و” الاندماج الناجح ”  و”الاستثناء المغربي “…

    إن عملية استكمال ما تبقى من الشروط الاقتصادية والسياسية لهذا الاندماج المزعوم  في العولمة ،ثم التأثير السلبي للديون الخارجية على القرار السياسي الداخلي … إن هي استمرت { وهي مستمرة بدون شك } في طريقها هذا على حساب السياسة الاجتماعية ، مع الرجوع بين الفينة والأخرى إلى جيوب المواطنين لتصحيح الأوضاع وسد الثغرات، ستكون لها نتائج خطيرة وستعصف بقشور شعار الاستثناء المزعوم ، وستثبت في الأخير زيفه وتهافته  ، ومن هذه النتائج نذكر ما يلي :

1ـ القضاء على  الطبقة الوسطى صمام أمان النظام الحاكم و” ضامنة الاستقرار” كما يحلو للبعض أن يصفها ، بسبب المنافسة الشرسة لأخطبوط الفساد الكبير والارتفاعات الصاروخية  لأسعار المواد الأساسية… هذا دون أن ننسى فواتير إصلاح صناديق الدولة ( التقاعد – المقاصة- المكتب الوطني للماء والكهرباء..  ) التي تؤدى من جيوب الطبقة المتوسطة والفقيرة ،أما كبار البرجوازيين ولصوص المال العام فقد رفع عنهم القلم ، وعفا الله عما سلف و عما سيأتي !!!

  وجدير بالذكر أن العديد من المقاولات المتوسطة والصغيرة ،قد عرفت في السنوات القليلة الماضية  تراجعا وتآكلا مهولا ، بسبب  ضعف مردوديتها وتنافسيتها ، مما يعني أن مسلسل النزيف والتقهقر لجزء كبير منها سيستمر  في الانحدار إلى أسفل السلم الاجتماعي ، وهو ما يستتبعه تكثيف جيش العمل الاحتياطي لخفض تكلفة الانتاج الرأسمالي التبعي ، أما الجزء الصغير المتبقى فإنه  سينظم لا محالة إلى طاحونة الفساد الكبير إن توفرت له شروط الاندماج الناجح، والنتيجة المنطقية هي اتساع الهوة الطبقية بشكل واضح  بين الأغنياء والفقراء  .

2ـ خلق حالة من الإحباط واليأس وفقدان الثقة ثم  انتشار” الإلحاد السياسي ” بشكله السلبي لدى المواطنين، مما سيساهم  بشكل أكبر في زرع المزيد من  بذور الظلامية والتعصب والإرهاب، بذور جعلت العديد من المغاربة يتداولون مصطلحاتها الآن، تداولا يفوق بعض الضمائر وأسماء الاشارة  بجرأة قل نظيرها ، وما التطور الكمي والنوعي للخلايا الإرهابية النائمة والنشيطة ببلادنا لأكبر مؤشر على ما نقول ،هذا الأمر لن تنفع معه المقاربات الأمنية والإطفائية المتبعة.

3ـ  نهب الثروات وتهريب الأموال  والتدمير المنظم للموارد البشرية ، ثم تفشي الرشوة والفساد الإداري والتهرب الضريبي لكبار الملاكين وفساد الحياة السياسية والحزبية ومصادرة الحريات ، وحملات القمع واجتثاث المناضلين الشرفاء   …كل ذلك  يستحيل معه التنبؤ بنتائجه ومخرجاته  مستقبلا ، ومن تم سيصبح من الوهم التفكير في القدرة على التحكم بالأوضاع عن طريق خطاب ديماغوجي منمق ليبراليا كان أم دينيا ، أو بفتات يلقى من هنا وهناك ، ثم إن الذين طرحوا شعارات  كاذبة وفارغة ( الاستثناء – الاستقرار – الديموقراطية – الجهوية – التنمية ــ محاربة الفساد والريع …) ومشاريع زائفة كانت هي نفسها سببا في المزيد من الفساد والتجويع والإذلال ، لا يمكنهم إقناع الناس مرة أخرى ببرامجهم أو بإخلاصهم .

4 ـ  لمن يراهن على اندحار الحراك المغربي و موت حركة 20 فبرابر، نقول  له بأن الحركة لازالت موجودة وستستمر في وعي ولا وعي المواطن المغربي ، و هي لم تمت مثلما يصورها الإعلام العميل الخبيث، ما دامت أسبابها قائمة بالقوة وبالفعل أكثر من ذي قبل ، ومن يعتقد عكس هذا  فهو ساحر أو مخدوع، فالحركة الدافعة إلى الأمام  لم تتوقف قط ولن تتوقف أبدا، رغم ما يعتورها أحيانا من  تراجعات وانتكاسات مؤقتة ، لأن ذلك من طبيعة الأشياء ، فلكي تقفز بقوة إلى الأمام ينبغي عليك أن تتنفس قليلا وتعود خطوة أو خطوتين إلى الوراء، ومن نافلة القول إن الحركات سواء كانت ثورية أو اجتماعية أو فكرية  قد تضطر في أحايين كثيرة إلى أن تتخذ شكلا من أشكال نقيضها، هذا ما علمتنا إياه فلسفة التاريخ و”مكر التاريخ ” بالمفهوم الخلدوني  والهيجيلي على حد سواء !!!

    فالوطن الذي أنجب محمد بن عبد الكريم الخطابي وسعيدة المنبهي و المعطي بومليل  وكريم الشايب وفدوى العروي وكمال العماري وشهداء محرقة الحسيمة . .. لازال  قادرا على إنجاب غيرهم من المناضلين الشرفاء والأحرار  ؟؟

أخيرا وليس آخرا ، إذا نحن ألقينا بالخطابات الشعبوية  وكتابات كلاب الحراسة جانبا ، يحق لنا التساؤل مع المتسائلين :

    ما قيمة التقارير الدولية والمحلية والمؤشرات الاقتصادية”  الإيجابية ” مادام المواطن المغربي مسكونا بهاجس الاستبداد وغلبة العلاقات الطبقية المتشابكة على أرضية المصالح في مؤسسات الدولة  ؟ وما قيمة تحليلات رجالات الدولة و حراسها  حول أسباب الأزمة وعوامل تفاقمها وانتشارها ،اذا كان المواطن  المغربي مؤمنا بأن الأمراض والتصاق الجلود بالعظام وانتشار الدعارة والتعصب  الديني … هنا مرده إلى انتفاخ الكروش والحسابات البنكية هناك ؟ثم ما الجدوى من كل هذا الصخب الإعلامي وهذا التطبيل والتزمير للانتخابات،  ما دامت آليات إنتاج وإعادة إنتاج ثقافة الفساد والاستبداد  قائمة ؟؟؟

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.