مصطفى حيران يكتب: المغرب..من سنوات الرصاص إلى سنوات السموم

مصطفى حيران

“إن وعدا بالحرية من ديكتاتور هو شيك بلا رصيد، وإن أملا بالحرية من حالم هو عملة صعبة مصابة بالتضخم”.
إرنست همنغواي

يعود ظهور مصطلح “سنوات الرصاص” إلى ما شهدته القارة الأوروبية من استفحال العنف بين معسكريها الغربي والشرقي إبان حقبة الحرب الباردة، وذلك تحديدا أواخر عقد الستينيات ونهاية الثمانينيات من القرن الماضي. لينتشر بعد ذلك المصطلح على ألسنة رجال ونساء السياسة المعارضين والحقوقيين والإعلاميين للدلالة على فترة سياسية عصيبة يستفحل فيها عنف الدولة ضد معارضيها كما حدث في عديد من بلدان العالم سيما في أمريكا اللاتينية وإفريقيا.
تم استعمال هذا المصطلح للدلالة على المرحلة السياسية والحقوقية العصيبة التي شهدها المغرب طوال حكم الحسن الثاني من طرف الصحافة الدولية سيما الفرنسية والإنجليزية، وذلك خلال عقد التسعينيات مع نشر كتاب “صديقنا الملك” للكاتب والصحافي الفرنسي “جيل بيرو” الذي كشف فيه لأول مرة وجود معتقلات سرية في المغرب منها “تازمامارت” و”قلعة مكَونة” ليكتشف العالم أن لنظام الحسن الثاني “حدائقه الخلفية” التي اجتهد في إخفائها ومعها فظاعات التنكيل بالمعارضين الذين استعصى عليه إخضاعهم بوسائل تنظيمية ووظيفية (الأحزاب والجمعيات والمؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية…) أو الركون إلى صمت “أكل القوت –إن توفر- وانتظار الموت” فكان استعمال العنف حتى حدوده القصوى بما في ذلك القتل.
لم تتجرأ الأطر الحقوقية المغربية والفعاليات السياسية المعارضة على استعمال مصطلح “سنوات الرصاص” للإشارة إلى نمط حكم الحسن الثاني سوى بعد رحيل هذا الأخير ببضع سنوات تعد على رؤوس أصابع اليد الواحدة.
واكتشف الناس في المغرب مذهولين عبر ركام كتابات في شكل كتب وحوارات وشهادات… في الصحف تتحدث عن فظاعات الاحتجاز القسري السرية والعلنية وطرق التعذيب الوحشية وتدمير حياة كثيرين من معارضي نظام الحسن الثاني. تضمنت كتبٌ هي بمثابة شهادات باترة لضحايا “سنوات الرصاص” من قبيل تازمامارت-تذكرة ذهاب وإياب إلى الجحيم” لمحمد الرايس و”الزنزانة رقم عشرة” لأحمد المرزوقي”.. وغيرها تفاصيل بشعة عن المصير الأسود الذي عاشه عشرات معتقلي سجن “تازمامارت” السري المتهمين في المحاولتين الانقلابيتين العسكريتين ضد الحسن الثاني مستهل سبعينيات القرن الماضي. وشهادات بعض كوادر اليسار الراديكالي الذين قضوا سنوات من أبشع ظروف التعذيب والاعتقال في محتجزات سرية ك”درب مولاي الشريف” في الدار البيضاء و”دار المقري” في الرباط مثلا..
عشرات الشهادات وجهت إدانة سافرة لقرابة أربعة عقود من حكم الحسن الثاني الملكي الفردي المطلق، ووصمتها ب”سنوات الرصاص”.
وكتب الكاتب والصحافي الفرنسي “جيل بيرو” في كتابه الشهير “صديقنا الملك” قائلا: “لقد حرم الحسن الثاني المغرب من خيرة أبنائه وبناته”.. طبعا فعل ذلك، كما نعلم اليوم، باعتقالهم وسجنهم وتعذيبهم وقتلهم وتشريدهم.
ويستفحل إحساس الأسى حينما يقف المرء على حجم الصمت، بل والتواطؤ في كثير الأحيان، الذي قابلت به النخبة السياسية والاجتماعية كل تلك الفظاعات خلال “سنوات الرصاص”.. وللموضوعية فإنه يجدر أن لا نندهش حيال هذا الأمر بالنظر إلى أجواء التنكيل والرعب التي كانت سائدة في تلك الظروف، وللوقوف على بعض تفاصيلها من الداخل سيكون مفيدا الاطلاع على كتاب مذكرات عميل المخابرات أحمد البخاري في كتابه “السر” حيث تتضح كثير من أساليب التنكيل التي اعتمدها نظام الحسن الثاني في حق معارضيه.
وللإنصاف فإنه ثمة استثناء وحيد ويتيم بهذا الصدد قدمه المناضل والقيادي اليساري “محمد بنسعيد آيت يدر” الذي لم يتورع عن الوقوف تحت قبة مقر البرلمان بالرباط قبل وفاة الحسن الثاني بنحو عشر سنوات، ليطرح سؤالا على وزير الدولة في الداخلية القوي آنذاك إدريس البصري حول ما يُنشر في الصحافة الدولية عن وجود معتقل سري بتازمامارت وهي القضية التي كان قد فجرها كتاب “صديقنا الملك “لجيل بيرو كما سبقت الإشارة.
وكانت تلك خطوة شجاعة وجريئة حقا تُحسب لذلك السياسي اليساري.
غداة وفاة الحسن الثاني في الثالث والعشرين من شهر يوليوز سنة ألف وتسعمائة وتسعة وتسعين تقرر على مستوى “ترتيب” انتقال الحكم منه إلى ابنه محمد السادس الاحتفاظ بمؤثثات السلطة الملكية المطلقة كما هي، وفي المقابل عدم تبني التركة الثقيلة الحقوقية لنظام الحسن الثاني. تأكد ذلك من خلال اعتماد مصطلح “العهد الجديد” وتعابير من قبيل “القطع مع سنوات الرصاص”.. إلخ، وبدا من خلال ما كانت تنشره الصحف المغربية في تلك الفترة من تفاصيل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وما تعممه كتب من شهادات بعض ضحايا تلك الانتهاكات أن ثمة ضوء أخضر على مستوى عال من قيادة الدولة بعد انتقال السلطة من الأب لابنه.
الأكثر من ذلك أن هيئة حقوقية تم إحداثها رسميا (هيئة الإنصاف والمصالحة) عُهد إليها بتلقي تظلمات الضحايا وتلقي وتعميم شهاداتهم وتعويضهم ماديا مما كلف خزانة الدولة، أي المال العام، عشرات ملايير الدراهم.
لا يهم ما دام أن “العهد الجديد” كان يريد تقديم “صورة جديدة” له في الخارج وطمأنة الناس في الداخل حول نوايا خليفة الحسن الثاني ورجاله.
سعى رجال السلطة الجدد الذين تولوا مقاليد الأمور خلفا للحسن الثاني وإدريس البصري وأحمد رضا كَديرة.. وغيرهم إلى توفير كل الوسائل التي تخدم فكرتهم بصدد انتقال الحكم من ملك إلى ابنه. في هذا الإطار تم السعي إلى تقريب أشخاص يساريين اشتغلوا في المجال الحقوقي على ملفات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان (الحقيقة والإنصاف) الذين انتقلوا بعد ذلك إلى تولي مناصب رسمية في الدولة بعد انتهاء مهام “هيئة الإنصاف والمصالحة”.
في مقابل ذلك ظل جوهر السلطة نفسه أي نظام حكم ملكي مطلق ختم على عدم المساس به الملك محمد السادس في أول حوار له (من بين ثلاث حوارات أجراها على مدى تسعة عشر عاما) مع مطبوعة أمريكية قال إنه لن يغير شيئا من أسس نظام الحكم، وهو ما كان يفيد أنه لن تتم الإشارة إلى المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ناهيك عن تقديمهم للمحاكمة.
وهو ما فهم منه منتقدون متفحصون أنه بعدم تحديد المسؤوليات وتطبيق العقوبات وفي غياب ضمانات دستورية لا شىء يمنع من تكرار نفس الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
وعبثا كتب وجاهر كتاب ومثقفون ليبيراليون بهذا الرأي في الصحف خلال السنوات الأولى من حكم محمد السادس، على أعمدة الصحف المستقلة والخاصة. لقد كان رأي السلطة العليا في المغرب حاسما: استبدال الحلة والاحتفاظ بنفس الجسد. وكذلك كان.
وكان يجب انتظار ظرف كبير تمثل في تفجيرات سادس عشر ماي سنة ألفين وثلاثة لامتحان نوايا “احترام حقوق الإنسان” ل”العهد الجديد” وكان السقوط منتظرا. قرابة ثلاثة آلاف معتقل على خلفية تلك التفجيرات تم احتجاز بعضهم في أماكن سرية أشهرها مقر المخابرات “دي إيس تي” بمدينة تمارة، بل ذاعت شهرة دولية لهذا المعتقل من خلال نشر تقارير إعلامية أكدت احتضانه لجلسات تعذيب لمعتقلين أجانب باتفاق مع وكالة المخابرات الأمريكية “سي إي أي” وذلك وفق ما صرح به المعتقل الأثيوبي-الإنجليزي “بنيام” للصحافة الإنجليزية.
وتسربت من سجون حيث تكدس آلاف المعتقلين رسائل جأر أصحابها بطرق تعذيب وحشية تمت استعارتها من قلب “سنوات الرصاص” منها حشر القنينات في المؤخرات وفق ما قاله بوجوه مكشوفة بعض الضحايا عبر رسائلهم نشرتها الصحافة المستقلة، وضمن أشرطة فيديو متوفرة في موقع “يوتوب”.
وصدق مَن كذّبوا الوعود ب “القطع مع سنوات الرصاص”
لقد كانت وعود “الإنصاف والمصالحة” قوسا إعلاميا كما كانت مرحلة حكومة التناوب قوسا سياسيا تم سدهما بسرعة ومعهما في نفس الإبان حرية صحافة تم وضع حد لها باستعمال سلطة القضاء ووسائل خنق مالية..
وتولت وجهة النظر الأمنية الصِّرف تدبير أمور الدولة والمجتمع مرفودة بقانون الإرهاب جديد توفرت له نصوص فضفاضة تدوس على القض والقضيض بما في ذلك الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات.
إن أجهزة الأمن التي توارت خلف صورة “العهد الجديد” البراقة لبعض الوقت، عادت لتشتغل بقوة ولتتعدد الانتهاكات وفي ركابها إحكام قوة السلطة المطلقة على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. أي أن مرحلة “العهد الجديد” كانت جسرا مر عليه الحكم المطلق بسلام من ملك إلى آخر، ومن “طغاة كبار إلى طغاة صغار” بتعبير أحد القياديين اليساريين “التائبين” مِن مَن استفادوا من “ترتيبات” السلطة بعد رحيل الحسن الثاني.
وكان يجب انتظار خضخضة ما سُمي ب”الربيع العربي” وما واكبه من حالة هيجان عارمة في بلدان الرقعة العربية الشاسعة شرقا وغربا وانهيار رؤوس أنظمة شمولية راسخة (تونس وليبيا ومصر واليمن) لينتقل تيار طاقة الخوف لأول مرة من المحكومين إلى الحاكمين.. شاهد الحكام الشموليون العرب كيف تدحرجت رؤوس زملاء لهم في نفس الطراز من الحكم فتملكهم الرعب. وكانت تدابير وإجراءات “استعجالية”.
في المغرب تظاهر الآلاف بدءا من يوم عشرين فبراير سنة ألفين وأحد عشر المشهود أفرز حركة بهذا الإسم دأبت على الدعوة لمظاهرات أسبوعية حاشدة في كبريات المدن المغربية.. واستبد الهلع بالسلطة الملكية المطلقة، كان هناك خوف حقيقي من أن تنفلت الأمور فتصل إلى ما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا.. فكان أن تقرر “بسرعة” الزيادة في أجور الموظفين العموميين ستمائة درهم وقال الملك في خطاب يوم تاسع مارس سنة ألفين وأحد عشر أنه سيتم تغيير نص الدستور وأنه شكل لجنة لهذا الغرض.
وجاء الدستور الجديد الذي نص لأول مرة في تاريخ الحكومات المغربية على منصب “رئيس الحكومة” وإلغاء الفصل التاسع عشر الشهير من الدستور الذي يجعل شخص الملك مقدسا واستبداله بعبارة “حرمة الملك” وربط المسؤولية بالمحاسبة… إلخ.
وقال كثيرون: يا له من تغيير كبير إنه “المغرب الجديد”
غير أن قلة ومنهم كاتب هذه السطور فهمنا أن الأمر يتعلق فقط بحالة ظرفية ستعبر بعبور ظروفها، كتبتُ شخصيا مقالا ما زال مؤرخا وقت نشره في الشبكة العنكبوتية عنوانه “دستور للملك أم للشعب؟” قلت فيه حرفيا: (إن المخزن الملكي احتفظ بزمام الأمور كاملة عنده.. وضمن “خط الرجعة” عن كل «الإيجابيات» السياسية والحقوقية التي جاءت في الدستور «الجديد».. ومنها مثلا حق الملك في حل البرلمان بمجلسيه وإعلان حالة الإستثناء.. وهذه سمة محورية بارزة في أنظمة الحكم الفردية الشمولية ليس في مقدور المخزن الملكي التخلي عنها لأنها عنوان وجوده). وأضفت في نفس المقال: (لا جديد تحت الشمس.. إنه دستور من الملك وإليه).
وذلك ما حدث فعلا، حيث تم تفعيل “خط الرجعة” بسهولة كبيرة، لكن حدث ذلك بعدما استفاد المستفيدون، وإذا كان الموظفون العموميون قد خرجوا من “العرس” بزيادة ستمائة درهم في أجورهم فإن حزبا إسلاميا كان منبوذا قبل ذلك هو العدالة والتنمية خرج منتصرا بأغلبية مقاعد البرلمان في أول انتخابات تشريعية بعد الدستور “الجديد” وعبثا صرخ متظاهرو حركة عشرين فبراير منددين بالسطو الذي مارسه الحزب الإسلامي “المعتدل” على نضالاتهم فقد تسلم عبدالإله بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية منصب رئيس الحكومة جدلان فرحا وتوجه إلى شباب حركة عشرين فبراير قائلا بسخرية “أنتوما غير طبالة وغياطة”.
أسفرت مظاهرات حركة عشرين فبراير عن ضحايا قتلوا خلال المظاهرات (خمسة شهداء قضوا حرقا في مقر وكالة بنكية بمدينة الحسيمة، وشهيدان في آسفي وصفرو..) ومئات الجرحى والمعطوبين، ناهيك عن عشرات المعتقلين الذين زُج بهم في السجون بعد صدور أحكام قاسية في حقهم لا تقل في الأغلب عن خمس سنوات.
نال الذين ركبوا موجة أيام “الباكور السبعة” جزاءاتهم وأكبرها ما حصل عليه عبد الإله بنكيران وحزبه اللذين انتقلا من ضفة سياسية على الهامش (المعارضة المعتدلة المتوجسة) إلى رئاسة الحكومة وتولي أغلب حقائبها بما في ذلك وزارتان كانتا سيادتين من قبل مثل الخارجية (العثماني) والعدل (الرميد). لقد فهم أقطاب حزب العدالة والتنمية وعلى رأسهم أمينه العام بنكيران “بسرعة” أن الأمر يتعلق بفرصة ذهبية يجب اهتبالها دون إبطاء ولا تردد، لمعرفتهم أن الأمر يتعلق بظرفية نفسية (خوف المخزن الملكي مما حدث في بلدان الربيع العربي) سرعان ما ستمر نظرا لغياب شروط تغيير حقيقي اجتماعية واقتصادية وسياسية.. تعدل من موازين القوى في البلاد.
وكذلك كان
وبطبيعة الحال التحقت تجربة حكومة ما بعد دستور ألفين وأحد عشر بسالفتها حكومة التناوب، وكل ما ساهمتا به هو عملية انتقال سلسة للعرش بالنسبة للتجربة الأولى، ومرور هادىء لزوبعة الربيع العربي بالنسبة للثانية و.. البقاء للمخزن الملكي الذي يعرف ما لديه في الجبة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. المغربية لذلك يغرف منها بقدر ما يشاء متى يشاء.
واليوم فإنه عقب قرابة عام من الاحتجاجات في مدينة الحسيمة ونواحيها خلال ما عُرف ب”حراك الريف” بسبب موجة الغضب العارم الذي أثاره مقتل بائع السمك “محسن فكري” على تلك الطريقة البشعة، يوجد في سجني مدينتي الحسيمة والدارالبيضاء زهاء خمسمائة معتقل بين قياديي الحراك المذكور ومحتجين بسطاء في أعمار الزهور شاركوا في المظاهرات، وتتوالى ضدهم أقسى الأحكام بالسجن لتصل إلى عشرات السنين، وذلك بعدما تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب النفسية والجسدية، وتولت أجهزة الأمن السرية والعلنية كتابة تقارير مُدِينَة لهم بأبشع وأفظع التهم في غياب كل ضمانات التحقيق والتقاضي التي ينص عليها القانون، مما يجعل مراقبين نزهاء يؤكدون أن القبضة الأمنية الغليظة أطبقت على مقاليد الأمور في البلاد بعدما صدق عليها المخزن الملكي.
بالفعل فإنه لا أحد يعرف اليوم أين تبدأ وتنتهي السلطة الأمنية في البلاد، بالنظر إلى كل هذا التغول الذي تمارسه في كل ملفات الشأن العام السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. ومن الدلائل الشحيحة، لكن البليغة عن هذا الوضع الأمني الاستثنائي في المغرب، هو لجوء الملك محمد السادس في خطابه الذي تلا التدخلات الأمنية العنيفة في حق المتظاهرين بمدينة الحسيمة إلى التنويه الإيجابي ب”دور الأجهزة الأمنية” مقابل توجيه النقد السافر للمكونات الحزبية والحكومية في نفس الخطاب. وكان ذلك أكثر من كاف للدلالة على “الحقبة الأمنية”.
وجهتُ تساؤلا لأحد المسؤولين الحكوميين في يوم قريب عن مقدار الميزانية المخصصة للمكتب المركزي للأبحاث القضائية التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (دي إيس تي) فقال لي أن ذلك في حكم المجهول، وأكد أحد الإعلاميين المهتمين لكاتب هذه السطور أن الأمر يتعلق بشيك على بياض..
طبعا إن الأمر يتعلق بمؤسستين أمنيتين تشتغلان رسميا تحت إشراف وزارة الداخلية التي يحضر وزيرها جلسات البرلمان للإجابة على أسئلة النواب، لكن الأمر يتعلق بممارسات تمس بصميم الجوانب الحقوقية والقضائية وتصرف في المال العمومي تقتضي على الأقل أسئلة وأجوبة تحت قبة البرلمان.
طبعا الجواب غير الرسمي هو أن المسؤولين المعنيين (الحموشي والخيام) يقدمان تقاريرهما للملك فقط، وبالتالي فإنه لا أحد يناقشهما غيره.
إن وضعا كهذا يُحيل على مكونات الدولة الأمنية التي لا يعرف فيها الناس أين تنتهي السلطة الأمنية لتبدأ السلطة السياسية، ومن ثم حالة الاستثناء غير المعلنة التي ترهن الحياة في البلاد للشرط الأمني.
وتعزز هذا التغول الأمني إجراءات التحكم في مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية.. وذلك بموازاة مع ظرفية سياسية وأمنية دولية تنحو بقوة اتجاه اليمين بسبب فوبيا الإرهاب العابر للحدود, ليقدم نظام المخزن الملكي نفسه شريكا مهما للقوى الإقليمية (فرنسا وإسبانيا..) والدولية (الولايات المتحدة الأمريكية..) في محاربة الإرهاب، ويتم ذلك بطبيعة الحال بجلبة مناسبة تغطي على أصوات التظلم الداخلية التي ترزح تحت أقدام الدولة الأمنية.
إنها سنوات السموم وقد أخذت المشعل من سنوات الرصاص.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.