مشروع الحكم الذاتي و إدارة مسألة الهوية

 إدارة مسألة الهوية في مغرب اليوم متشعب و مرتبط أساسا بالإرادة و بقدرة كل القوى الفاعلة في الساحة السياسية  بالإضافة إلى الدولة على بلورة التصور النموذجي الملائم و التفكير العميق في الحلول الجدية و المتاحة للحفاظ على مقومات الوحدة الوطنية و القطع مع مرحلة اتسمت بالصراع و سوء الفهم بين مختلف الفرقاء و بشكل يرسي قاعدة صلبة تحافظ على العمق الاستراتيجي للمغرب كبلد له وزنه الإقليمي و الدولي في إطار خصوصياته الثقافية و الاتنية و اللغوية ذات الامتداد العريق الضارب في عمق التاريخ فلسنا أبناء لقطاء نحاول التأسيس لدولة من فراغ لدينا تاريخ نستند عليه و أرشيف حضاري يكفي فقط التقليب بين صفحاته ليلهمنا المسار الصحيح الذي ضمن استمراريتنا فيما مضى و كرس وجودنا كأمة كاملة المقومات و جعل إشعاعنا يمتد إلى ماوراء الحدود الفاصلة بيننا و بين أشقائنا في الجغرافية و التاريخ و اللسان

و لربط خيوط النقاش الذي طفي مؤخرا على السطح بشأن التدريس بالدارجة و الاهتمام المفاجئ بالثقافة الحسانية و التفكير في إنشاء معهد للدراسات الحسانية بتدبير ملف الصحراء ثم النقاش حول الجهوية الموسعة و الحكم الذاتي  يجب أولا أن نتوافق حول صياغة مشتركة لمفهومي الحكم الذاتي  و الجهوية الموسعة  فقد اختلفت مجموعة من القواميس المعجمية والآراء التنظيرية في تعريف مصطلح “الحكم الذاتي”، إذ أصبح هذا الأخير متقاطعا مع مجموعة من المفاهيم ، لدرجة أصبح معها مصطلح “الحكم الذاتي” يحمل أكثر من مدلول، سواء في مستواه اللغوي أو المصطلحي بل حتى القانوني  في بعض الأحيان .

الحكم الذاتي مكون لغويا من كلمتين حكم بمعنى سلطة و الذاتي بمعنى الشخصي و بالتالي يحيلنا المصطلح إلى تعريف مركب لنظام تسيير وتدبير للشؤون الإدارية والسياسية ، بسلطة عليا في إطار الجهة المتمتعة بنظام الحكم الذاتي ، ومحددة في نفس الآن ، مقارنة بالسلطة الممنوحة للدولة  .

تاريخيا يرتبط بجذور التنظيم القبلي المسير لشؤون القبائل الإدارية والسياسية في استقلال شبه تام عن المركز (بلاد السيبة) إلا أنه ، ربما ، لم يصبغ بالطابع العلمي ، والتأطير القانوني والتنظير الفلسفي إلا في أواسط القرن العشرين  نظرا لما يحتله من مكانة مهمة في المجتمعات المتعددة القوميات، والمتنوعة الإثنيات ، والمختلفة الثقافات . إذ بإمكانه أن يجمع بين عدة متناقضات من قبيل الوحدة والاستقلال ، المصلحة الوطنية والتطلعات المحلية ، الوحدة الترابية والتعددية الجهوية ، اللامركزية الإدارية واللامركزية السياسية …الخ

هذه المفاهيم عموما  ليست غريبة على المجتمع الامازيغي فقد مارسها طيلة قرون و شكلت حصانة للحفاظ على الموروث المشترك مع التميز الجهوي الغني الذي يعيبه علينا البعض خصوصا في مجال الغنى اللغوي و اختلاف اللهجات المكونة للغة الامازيغية فالدارجة تاعرابت  (امازيغية القواعد مطعمة بخليط من المصطلحات العربية و العبرية و الاتينية) و الحسانية (اللهجة التارقية الامازيغية مطعمة بمصطلحات عربية و لاتينية) و اللهجات الامازيغية الرئيسية تاريفية و تسوسيت و  تمازيغت و ما يرتبط بكل منها من موروث فني و إبداع شاهد على عراقة المفهوم عند الشعب الامازيغي

يحاول البعض القفز على الأصل في الأشياء إلى خلق نوع من البلقنة الفوضوية لكبح هذه الدينامية التي بدأت تشتغل منذ الحراك الشعبي ببلادنا و الحفاظ على الوضع القائم منذ أن تدخلت أيادي أجنبية لتأسس لدولة المركز و تدمير البنية الاجتماعية و السياسية للمغرب بغية السيطرة على مقدراته و ثرواته وفق منهجياتها الاستعمارية التي أفرزت لنا كل هذه المعيقات البنيوية في الهوية و تدبير الشأن المحلي عبر تقوية سلطة المخزن و تركيزها كحليف ان ذاك في مواجهة بلاد السيبة التي قاومت الاستعمار

و بالنظر إلى المفهوم الشمولي للحكم الذاتي نجد أن الميثاق الأوربي  قد عرف الحكم الذاتي المحلي (Autonomie locale)، في مادته الثالثة بأنه “قدرة الوحدات المحلية، والإقليمية الفعلية وحقها في تنظيم وإدارة جانب كبير من الشؤون العامة تحت مسؤولياتها، ولصالح سكانها في إطار القانون” وأن هذا الحق “يمارس عن طريق مجالس، أو جمعيات، مشكلة من أعضاء منتخبين في اقتراع حر وسري، ويتميز بالمساواة، سواء أكان مباشرا أو عاما، ولهذه الجمعيات والمجالس أن تمتلك أجهزة تنفيذية مسؤولة تجاهه”.
إن الهدف الأساسي من الأخذ بتطبيق الحكم الذاتي في القانون الوضعي، هو حماية قومية أو حماية جماعة عرقية معينة، تقطن في إقليم (مميز تاريخيا وجغرافيا) ضمن أقاليم الدولة التي تمتاز مجتمعاتها بالتعدد العرقي والجغرافي، وبالتالي يرتبط مفهوم الحكم الذاتي بمبدأ القوميات ارتباطاً هاماً ووثيقاً. كما أن تطبيقات الحكم الذاتي الداخلي لا تأخذ شكلاً واحداً، بل إن تطبيقاته تختلف من دولة لأخرى حسب الظروف التاريخية والسياسية والقانونية.
المعيقات التي قد تواجهنا في حالة التوافق حول نموذج معين للحكم الذاتي عديدة منها مشكلة الشخصية الدولية  أي هل ستتمتع أقاليم الحكم الذاتي عندنا بالشخصية الدولية  كيفية استغلال الموارد الطبيعية   و نوعية سلطة الحكومات الذاتية على مواردها الطبيعية واستغلالها  وهل  ستشكل مجالس مشتركة بين حكومة الإقليم والحكومة المركزية للإشراف على هذه الموارد واستغلالها ,هل تم التفكير في إشكال كيفية توزيع الصلاحيات التنفيذية، والتشريعية، بين الأقاليم المحكومة ذاتيا، وبين السلطة المركزية، نظراً إلى تداخل العديد من الصلاحيات والمجالات في التطبيق، ماهي المعايير التي سيحدد بها المجال الترابي للإقليم أو الأقاليم المتمتعة بالحكم الذاتي وفقا للسياق التاريخي، بجوانبه القومية والثقافية.
ونوع العلاقة بين مواطني الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي والمواطنين الآخرين في الأقاليم المختلفة للدولة خصوصا في المسائل الأمنية و التشريعات مع العلم أن أغلبية أقاليم الحكم الذاتي تتوفر على شرطة خاصة

فإذا كان المغرب عازم على الدخول في مفاوضات الحكم الذاتي، فعلى السلطات توضيح الغموض الذي يشوب هذا الموضوع وعدم ممارسة سياسة الملف المغلق وإطلاع الرأي العام على مستجدات الموضوع، وهل يتعلق الأمر بحكم ذاتي موسع لجهة الصحراء؟ أم أن الأمر يتعلق بعزم المغرب على تطبيق نوع جديد من الجهوية بديل للجهوية الكاريكاتيرية التي يعرفها المغرب حاليا  و هل يمكن أن يتطور المشروع ليشمل أقاليم و جهات أخرى ؟؟؟؟

عرف الامازيغ نظام الحكم الذاتي منذ فجر التاريخ و تأطروا في مجموعات شبه مستقلة رسخت مفهوم الجماعة كأسلوب في الإدارة و الحكم المرتكز أسسا على النظام القبلي الذي إتسم بإسناد تسيير الشؤون المحلية لبعض الوجهاء , ينتخب من بينهم رئيسا( أمغار )يفصل في مختلف القضايا و يعتبر رجل النصيحة , و هذا النظام استمرت أشكاله في كل الدول التي تعاقبت على حكم المغرب بالرغم من أن ممارسة الشؤون المحلية لم تكون مقننة بنص قانوني , فإن مداولات الجماعة كانت دائما تتمحور حول مواضيع إدارية قانونية و قضائية تهم قضايا السكان المحليين  لكننا الآن نؤسس لدولة حديثة قريبة من اهتمامات وتطلعات المواطن مما يتطلب اعتماد نهج تدبيري عصري يعتمد على التخطيط الاستراتيجي والمقاربة التشاركية .

*ناشط امازيغي عضو حركة توادا ايمازيغن 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.