fbpx

مشاهد وارتسامات حول مسيرة بروكسيل التاريخية

البارحة زوالا أجريت لي عملية جراحية تطلبت الكثير من البنج وعدة غرزات طبية. جراءها جفى النوم من عيني جزءا كبيرا من الليل. في الصباح عندما فقدت الأقراص المهدئة فعاليتها، فقت على وخزات ألم حاد، وتفاجأت بالبقع الكبيرة من دم تسرب مني أثناء نومي وبرقع وسادتي وجزءا من الملاءة البيضاء لسريري. أخذت مهدئا وفكرت في ابنتي التي حل اليوم ربيعها الحادي عشر .
احترت لحظة طويلة في ماذا سأقرر ويستوجب علي أولا أن أفعله: لزوم البيت لأجل نقاهة صحية؟ زيارة طفلتي للإحتفال معها بعيد ميلادها؟ أم الإلتحاق بإخواننا في بروكسيل وطلب الحرية لمعتقلينا القابعين في مختلف سجون الوطن ..
كدت أن اختار لصحتي وعيد ميلاد صغيرتي، ثم تذكرت مكالمة أجريتها البارحة مع صديق( ل) .

وقتذاك كان ( ل ) مترددا فيما اذا كان سيسافر وجهة العاصمة الاوروبية أو سيبقى نهاية هذا الأسبوع في البيت يرتاح فيها ويستعيد قواه من اسبوع عمل مضن .. تذكرت أني قلت له في لحظة ما: ” إذا لم تذهب أنت فلن تنجح المسيرة.. وأنا بدوري اذا ما بقيت في البيت فسأتفرج في الساعات الأخيرة لظهيرة اليوم على انتكاسة ستشكل خذلانا ما بعده خذلانا لقضيتنا ولحرية معتقلينا” ، ثم … ثم وجدت نفسي أنزع عني ملابس النوم وأرتمي تحت دفقات رشاش ماء دافئ وأطهر وجهي من دم سال وجف على جلده.. ثم بعد وقت ارتميت في المقعد الخلفي لسيارة صديق أبى إلا أن يحضر في المظاهرة من أجل إطلاق سراح المعتقلين.

بجانبي جلس شاب (م) سافر من مدينة تقع في أقصى شمال هولاندا ليلتحق بنا بأمستردام وليوصٓل هو أيضا بدوره على متن السيارة. طول الوقت كان هاتفه يرن في إزعاج وهو يرد على مهاتفيه بصوت عالي وبحماسة شديدة: أنا الآن على الطريق الى بروكسيل لأحضر المظاهرة… هل ستذهب بدورك أيضا ؟ هل سأراك هناك؟”
تكرر نفس الكلام مع ورود المكالمات ثم بعد فاصل هدوء فارغ من رنات هاتفه النشيط جدا سمعته يرد على مخاطب آخر تالي، لكن هذه المرة بصوت خافت ،خشوع: ” أمي.. أنا ذاهب الى بروكسيل”
-…
– ” سأروح الى هناك لآكل السمك وأرى بعض الأصدقاء ثم أعود.. ”
-…
” لا يا أماه.. مجرد نزهة قصيرة وآكل السمك وأعود بسرعة..”
خمنت أن الشاب الغريب الذي تقاسمت معه المقاعد الخلفية للسيارة ينحدر من الحسيمة وهاجر عن سن متأخرة المدينة الى أوروبا ، لأن عبارة ” سأذهب لآكل السمك وأعود” فيها بعض تخفي وكذب عن الأمهات وقد يُقصد بها اذا تعلق الأمر بالحسيمة: سأذهب الى الحانة في المرسى حيث أَكْل السمك من مرفقات المشروبات الروحانية ..
لاحقا عند السؤال تأكد ظني وتخميني .

واصلت الطريق وانا افكر ما الذي يجعلنا لا نشارك أسرنا وعائلاتنا في ما نفعله اتجاه الوطن والمعتقلين.. ” ستكون القصة غيرها اذا فعلنا” قلت في نفسي..

عندما التحقنا بعين المكان كانت المسيرة توشك أن تنطلق. وقفنا للحظة مشدوهين بالذهول المسكِّر والدهشة الساحرة أمام الجماهير الغفيرة التي حجت الى هنا من كل صوب وحدب.
ثم التحقنا … وألحقنا صوتنا بأصوات المتظاهرين وخطواتنا بالخطو في هذا المسير الكبير.

المسيرة حاشدة.. الشارع عريض.. الصفوف واسعة ومتراسة.. الشعارات متنوعة وتردد على الأقل بأربع لغات.
لمهمة تصوير بدأت اتسرع في خطاي طورا أو أتباطأ تارة أخرى لغاية أن يتسنى لي تصوير أكبر جزء من المسيرة ونقل صورة حقيقية لحجمها وزخمها.. ثم توقفت عند جمع غفير من شباب في سن المراهقة، اغلبهم ان لم يكونوا كلهم قد ولدوا وترعرعوا في هذا الشتات البعيد عن الوطن.. استوقفني شعارهم المرفوع بكل الحماسة ” الموت ولا المذلة .. الموت ولا المذلة “. غبت مع الشعار وكأن ” الموت ولا المذلة” رفعتني عاليا الى مستويات أحلق ببطء في سموها وانا مقشعر النفس… ونسيت مهمة التصوير..

فكرت في أمي.. كانت في عز الحراك تتابع معي لايفات المظاهرات في الحسيمة وكانت تعيش عقب اختطاف واعتقال قادة الحراك مع الجموع الغفيرة المطوقة بالعساكر في ليالي الحسيمة وشوارعها وهي تهتف بكل ما تملك من صدق وروح وحيوية هذا الشعار .
بعد مدة غياب عنها زرت أمي وفتحت في صالون البيت لايفا كان ينقل أحد المسيرات الوطنية التضامنية الضخمة المقامة في الرباط أو البيضاء. أمي كانت منشغلة في المطبخ، لكن ما إن سمعت الشعار نفسه هذا، هرعت الى الصالون ودققت السمع ثم سألتني: لماذا تبدو ” الموت ولا المذلة ” هذه المرة مغايرة؟
قلت لها مستفسرًا : كيف؟
– المرات الماضية كانت قوية وتنبعث من الروح.. تقشعر النفس لها وتوقف الشعر على الرأس.. الآن تبدو لي مغايرة.
شرحت لها أن المسيرة هذه المرة وطنية اقيمت في الرباط او البيضاء، لا اتذكر اي مدينة ذكرت بالضبط، فهمهمت أمي وغمغمت كلاما غير مفهوم ثم عادت الى المطبخ لتواصل أشغالها، دون أن تمنح لي الفرصة لأشرح لها ان الشعار في الحسيمة كان ابداعا روحيا صادقا، بل لم يكن أبدا شعارا، إنما صرخة حياة.. استنكار ظلم واستعداد للتضحية بربيع عمر من يصرخونها صرخات وصراخا، أمتار فقط من الجدران الأمنية التي كانت تترصد بعم وتنتظر أي ثغرة لتقطف زهور الشباب لأجل غول الزنازن المغربية، بينما الشعار في الرباط أو الدار البيضاء هو مجرد شعار يلفظ على مأمن بمن تهديد وبعيد عن تحديق لأي خطر.

كانت الشعارات في بروكسيل وكأنها تصدح من حناجر شباب خي سيدي عابد بالحسيمة.

ثمة مسن بادلته السلام.. كان يرقص غبطة وعندما القيت نظرتي عليه وابقيتها مسمرة على عينيه، كاد يختنق دمعا وقال: كم أفرحني الريفيون في البداية وبعدها صار ما صار وانت تعرف.. لكن اليوم أعاد ريفيوننا الفرحة الى قلبي.. وكم كان المسن فرحا ومفعما بالبهجة!!!
وسمعت آخر يقول ليشاركنا اللحظة ومتعتها: ” هذه لهذا اليوم في بروكسيل ، خيرها أفضل من خير ألف رباط ورباط” وكان يعني المظاهرة.
” اليوم سقطت هيبة الدولة.. صارت الهيبة للريفيين” سمعت من أحد الحاضرين لاحقا

فوق العربة البيضاء التي تقدمت المسيرة، وقفت شابة وفي يدها مكبر صوت، حنجرتها تصدح للمقدمة النسوية من المسيرة ، وهي تردد وتغني للأطفال والنساء مختلف الشعارات. ثم رُفعت طفلة في ربيعها الرابع أو الخامس من طرف ذويها الى ظهر العربة . مدت يدها الى الشابة وعيناها معلقتان بمكبر الصوت..
ثم رضخت الشابة لِيَد الطفلة المرفوعة واعطت لها المكبر.. رددت الطفلة الشعار الأخير بنبرة عالية قاطعة، وعندما ارادت أن ترفع شعارا آخر، تلعثمت وترددت.. ثم رفعت الجموع شعارا مساعدة لها، وهو نفسه الشعار الذي كان يرفعه ” خالد اناخ”: ” آريف اناخ مارا.. ارمخزن غا بارا ” وهللت الطفلة ورددت : ” آريف اناخ مارا… الملك غا بارا … آريف اناخ مارا… الملك غا بارا “

في الجمع الغفير أمامها تعالت الضحكات المحتشمة ثم تحولت الضحكات الى ارتباك. حاول البعض ان يصحح لها لتردد كلمة المخزن بدل كلمة الملك، لكن لما أصرت الطفلة الصغيرة ببراءة طفولية وبأكثر حماسة على رفع نفس الشعار، تدخل المنظمون وسحبوا مكبر الصوت من يدها..

كثيرون سيلومون الطفلة على ما فعلت ورددت في كامل براءتها، لكني سعدت بطلاقة لسانها. انها طفلة لم تجد الطابوهات والسقوف الممنوعة والمحرمات السياسية منفذا الى عالمها الطفولي الخرافي.
في هذا العالم الذي هو خاصية للأطفال في سنها، لا وجود للمخزن، كلمة المخزن لا تستوعبها قدراتها الفكرية.. في عالمها هذا اللروزي الأرجواني، تكون الحياة مخملية، البساتين خضراء، الفراشات مرح ورقص ، الفساتين الوان ، الزهور مصابيح والأشجار معلقة.

في أسطورتها الخرافية هذه المناسبة لعمرها الفتي والمطابقة لمستواها الطفولي البريء، فهي أميرة حسناء لا تعرف الا الطيبوبة والخير، تخاف من ساحرة وتريد ملكا أو ملكة طيبا وعادلا يحميها ويحمي المخلوقات التي يعج بها عالمها، تريد ملكا أو ملكة تتقبله وتفتخر به، يعتلي العرش ويسرد على رأس أسطورتها كأميرة جميلة حسناء صغيرة … وسعيدة، لكن ملكها؟ …. هل هو بدوره سينتمي الى عالمها ويكون جزءا من أشيائها ومخلوقاتها؟ نعم.. ستقبل به.. ستقبله اذا كان يحب الخير لمملكته وأطلق سراح اخوانها وأخواتها الذين في بال الناس المحاطين بها، ستقبل به إذا أعاد الحرية لمخلوقاتها في أسطورتها الخرافية التي لابد لها أنها أعطهم إسما خاصا بهم وسمتهم نبيل وناصر وجلول وأصريح والحبيب.. لكن مادام لا يفعل، فلا بد لها أن تتدخل وتطرده من قصرها الذي تسكنه كأميرة صغيرة.. ستسوي أمورها وتعيش ولو دون ملك أو ملكة تحتمي عند تلابيب جلبابه/ فستانها، في أسطورتها الخرافية الخاصة بها.

– سأكلمكم بالهولندية، فأنا لم أتعلم اللغة الأمازيغية بعد، لكني أعرف عاش الريف.. عاش الريف .. وتصدح حنجرة كاتي بيري بعاش الريف مرة أخرى وأخرى وأخرى.. والجماهير ترد الشعار وترتفع الصرخة

خاتشي زوليخة تتقدم المسيرة في انتظار اجراء عملية لها.. فكرت في المرض اللعين الذي أصابها وفرحت جدا لأني لم أعر أي اهتمام يذكر لبقع الدم على الوسادة .. وماذا عن بقعة دم أم ورم خبيث قاتل.

الساحة مكتظة لم تعد تتسع لتستقبل الجميع ، المنظمون لم يتوقعوا كل هذا الحضور ، اللافتات والجداريات طُويت وجمعت لفسح المكان. المكبرات بقيت بصوتها لا تدرك الأرجاء ولا تسمع حتى في وسط الساحة قبالة البرلمان الأوروبي..

بحثت طويلا عن اصدقاء وعدتهم بلقاء، فرحت جدا لأني لم أجدهم.. فكيف تجد إبرة في كومة قش كبيرة.. الحسرة لهم .. لكن الفرحة وكل الفرح لمعتقلينا.

صديقي ( ل ) التقيت به وقلت له في الحين وانا اتذكر مكالمتنا ليلة البارحة: أترى لو لم تحضر ماذا ستكون النتيجة؟ لن نتواكل على أحد من هنا فصاعدا.. كل منا سيحضر والا فلا نجاح سيكتب لمسيرنا ومسيراتنا

سيليا الزياني أردت أن أتحدث معها.. وهي كانت هناك فوق المنصة تنشد بحنجرتها كبلبلة غريدة تركت بصمة أنثوية ساحرة على أوراق سجلات الحراك وجعلت الجماهير هنا مشدوهة معلقة بها، لكن كيف سأصل اليها وطوق بشري لا يخترق، يحوط بها.. آسف سيليا… سانتظر مناسبة أخرى.

كثير من الأبطال اللايفيين تواجدوا في الساحة كغيرهم، لكن هذه المرة أرغمتهم الجموع الغفيرة على الخشوع.. وعلى الصمت والاستماع
” انهم ابطال هناك ونمورا من ورق هنا” قال صديق،
اختلفت معه وفي السيارة قلت له: انهم كانوا أناسا عاديين جدا جدا جدا.

في طريق العودة الى امستدردام ونحن مزهوين ومنتشين مخدرين بالانجاز العظيم، اقحم واحد منا موضوع النخبة الريفية وتحسر على غيابها، قلت له: بالعكس .. رأيت في المسيرة والساحة ساسة، رأيت فنانين، رأيت رجال اعمال.. صحافيين وحضرت انا ككاتب.. عليك صاحبي ان تغير زاوية نظرك في هذا الموضوع بالضبط وتنظر الى النخبة الريفية خارج منطق ” أمذياز ندشار وا يسفوروج”.. ثم شاهد ماذا سيحصل.

في السيارة عودة جلس الشاب ( م ) على المقعد الخلفي بجانبي.. هاتفه رن مرة واحدة فقط .. كانت أمه وسمعته يرد عنها في فخر:
” أمي.. حضرت المظاهرة وها أنا بعد قليل سأكون معكم .. المظاهرة كانت….”
تعجبت من مما كان يشعه من حماسة وفخر وهو يشارك أمه هذه المرة أخبار اليوم وقلت في نفسي: لقد تغير من الكثير من الذهاب الأياب.. من الصبح الى الآن..الريف يعيش والمرة القادمة ستكون القصة أكيد غيرها.. سنضغط أكثر وسنبهر العالم ونذهل أنفسنا بدون مقاييس .

محمد السقفاتي

بتاريخ : اللحمة الريفية، تجدد الحراك.. الحرية للمعتقلين … والمرأة خط أحمر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.