مشانق عالية على رقبة الشيطان.. عفوا السؤال؟

المفكرون،الفلاسفة و العلماء العرب الذين عاصروا الدولة الإسلامية وعاشوا في ظلها، أكيد أنهم كانوا يعملون عقولهم في تأمل الطبيعة و الواقع قصد فك ألغازه، وهم في ذلك كباقي الفلسفات الإغريقية يستعينون بسلاح السؤال، فالتساءل حول حقيقة الأشياء و مضمونها هو بداية فهمها و فك غموضها..

لم يكن السؤال عندهم مقتصرا على القضايا الحياتية البسيطة، و إنما تجاوزها بكثير ليطال موضوعين محظورين هما “الله” و “السلطان” أي الميتافيزيقا و رأس السلطة السياسية رغم تطابقهما في غالب الأحيان..

كبر الحلم عند المفكرين و زادت أسئلتهم سموا و شموخا آنذاك بالضبط شكل موضوع “القدرة الإلهية” و حدود تدخلاتها في مصير الناس و العالم محور التفكير الذي تمخض عنه أفكار و اتجاهات عديدة، هم كانوا يعلمون جيدا أن الأمر يراد به نزع الشرعية الدينية عن نظام الحكم السياسي و ربما هو الأمر الذي دفع مفكري الضفة الأخرى؛ المستفيدون من ريع بيت مال المسلمين الغنية بالخراج و المكوس و عائدات ضرائب الفقراء آنذاك، _دفعهم_ للقول أن قدرة الله لا حدود لها و أنه بإمكانه أن يفعل كل شيء دون حدود، بل بإمكانه فقط أن يقول للشيء كن فيكون. و لكن إذا كانت قدرة الله غير محدودة فهل يستطيع الله أن يخلق إله أقوى منه؟؟ هل يستطيع الله أن يقتل نفسه؟؟ هكذا تساءل معهم فلاسفة النقد بغرض الإحراج.

عندها بالضبط و بعدما إستشعر الفقيه و السلطان خطورة السؤال إتفقوا على تحريمه، بل و تجريمه و اعتباره بدعة و كل بدعة ظلالة و كل ظلالة في النار، حرموا السؤال و أدانوا العقل لصالح النقل ف”شرعنوا” إحراق الكتب و المخطوطات الأثمن طبعا من ذهب بيت مال المسلمين التي كانت تستثمر في إقتناء الغلمان و الجواري بل و حتى الذمم، قتلوا الفلاسفة بعدما كفروهم و هجروا المفكرين و العلماء أ ليس السؤال بدعة؟؟؟ إن حقد الفكر الإسلامي و خصوصا الرسمي على السؤال يجعنا ندرك أن هذا السؤال هو “الشيطان” الذي دائما يتحدثون عنه احتقارا كرمز للشرور و الرذائل و…. فمات الشيطان مصلوبا على حائط الكعبة و لكن استمرت الشرور بل زادت و تمادت و سرحت مع ديناصورات الوهابية في مكة و المدينة معا و عندها عرفنا جيدا لم تقدم الغرب و تخلف العرب…

لقد تجاوز السؤال حدود الممكن و المسموح به آنذاك و إقتحم أعتى الحصون و القلاع و أشرسها فتآمر عليه السلطان و الفقيه و اغتالوا “الشيطانين” السؤال و السائل، و إذا ما أردنا أن نعرف الخلفيات الحقيقية لهذا النوع من الإغتيال “السياسي” فقد كان السبب هو الخوف، و الخوف هو جوهر الدين، رجل الدين “كالغزالي” خاف أن يسألوه: أيها الفقيه لم و بم أنت لسان الله و حاله؟؟؟ و الأمير خاف أن يسألوه: أيها الملك لم و بم أنت الملك؟؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.