مسيرة بروكسيل وخطوطها الحمراء

حين كشّرت الدولة المغربية عن شراستها وأبانت عن ضيق أفق تفكيرها وغامرت بتغليب المقاربة الأمنية القمعية في التعامل مع حراك الريف، فشرعت، بعد عسكرة الريف وحصاره، في اختطاف نشطاء وناشطات الحراك ومحاكمتهم صوريا على تهم باطلة لُفقت لهم في مخافر الضابطة القضائية، أساسها : المس بسلامة الدولة، الإنفصال، التآمر، التمويل الخارجي، العنف… في تزامن مع ذلك، انفجرت حرب اللايفات بين الريفيين بالدياسبورا، وطغى خطاب التخوين والتطرف اللفظي والمس بأعراض الناس وحرماتهم، خاصة عند جماعة يجوز تسميتها بجماعة التخوين والكراهية. ورغم نداء معتقلي حراك الريف وعائلاتهم وأحرار وحرائر الريف والوطن بالداخل والخارج لوقف هذا العبث، ومناشدة الجميع لتكثيف الجهود وتوحيد الطاقات من أجل إطلاق سراح المعتقلبن السياسيين وتحقيق مطالب الحراك، ومع أن مجموعة من الذوات الريفية الفاعلة بأوروبا استجابت لذلك النداء، فإن جماعة التخوين ظلت على غيِّها، وتمادت في تخوين كل من يخالفها الرأي والتوجه. فوجد الريفيون(ات) أنفسهم بين إرهابين:
1- إرهاب الدولة التي خرج قادة الأحزاب المشكلة لحكومتها ببلاغ يتهم نشطاء حراك الريف بالإنفصال والتآمر، وبغيرها من التهم التي ستُستنخ في محاضر الضابطة القضائية المفبركة، وعلى أساسها ستصدر المحاكمات الصورية أحكاما جائرة وباطلة في حق معتقلي الحراك.
2- إرهاب جماعة التخوين التي تتهم من يتشبث بالملف المطلبي للحراك بالخيانة، وسلاحها في الدفاع عن وجهة نظرها هو التهجم على المختلفين معها بالكلام الساقط والمس بالأعراض والحرمات. ولم يسلم من ذلك التهجم لا المعتقلين السياسيين ولا عائلاتهم، وبالأحرى المناضلين(ات) الصادقين(ات)، أينما وجدوا.
وقد كان للمرأة الريفية نصيبها الوافر من الإرهابَيْن، فتعرضت للتعذيب والإعتقال والمحاكمات الصورية، كما تعرضت للتهديد والتشهير والمس بشرفها. ومثلما رفع حراك الريف شعار “المرأة الريفية خط أحمر”، وتمت الدعوة إلى مسيرة المرأة الريفية يوم 8 مارس 2017، حين اشتد الترهيب المخزني للمرأة الريفية؛ كذلك، وأمام استمرار نفس الترهيب وأمام التطاول على كرامة المرأة الربفية وشرفها، فقد كان من اللازم التذكير بذلك الشعار والدعوة إلى مسيرة من أجل المرأة الريفية ومن أجل حرية معتقلي حراك الريف.
وجاء النداء إلى مسيرة بروكسيل ليوم 16 فبراير 2019، تحت شعار “المرأة الريفية خط أحمر”، من ناصر الزفزافي وباسم معتقلي حراك الربف وعائلاتهم. وذلك ما سيجعل من هذه المسيرة حدثا تاريخيا يؤسس لمنعطف جديد لحراك الريف بالدياسبورا.
وفعلا، عكست مسيرة بروكسيل المزاج العام لريفيي(ات) الشتات بأوروبا المتناغم مع طبيعة الحراك شعاراته ومطالبه. وبذلك رسّخت هذه المسيرة هوية الحراك وأفقه الديموقراطي الإنساني. كما أثبتت ذات المسيرة بأن رمزية نشطاء الحراك المعتقلين ومكانتهم العظيمة بين أهلهم بالداخل والخارج وبين أحرار وحرائر العالم لم تنل منها الملفات المطبوخة ولا الأحكام الإنتقامية، ولا الحملات التشهيرية للإعلام المنحط ولا تشويش هواة اللايف وخطاب التخوين والكراهية. بل إن تلك الحملات وذلك التشويش زادا من التفاف ريفيي(ات) الداخل والدياسبورا حول رموز الحراك المعتقلين وحول مطالبهم العادلة والمشروعة. ولم تقوى آلة القمع الرهيبة على إضعاف إرادتهم الحرة، أو تحييدهم عن التفاعل المؤثر مع ما يعتمل وطنيا ودوليا بخصوص قضيتهم.
فمن كان يراهن على انتصار الرداءة والخطاب التخويني بين ريفيي(ات) الشتات، فقد خاب ظنه وإلى الأبد. من كان يعتقد أن الزعامة تأتي عبر اللايف ومن الغرف المغلقة، فقد أضاع وقته وحلمه الضيق. من كان يظن أن إذكاء الصراعات الهامشية والشخصية والهجوم على المعتقلين وعائلاتهم سيؤدي إلى تبخيس حراك الريف ونفور الناس منه، ومن ثم انقسام الريفيون(ات) إلى عصابات تخوّن بعضها البعض وتتقاتل فيما بينها افتراضيا وواقعيا على الترهات، فقد عصفت مسيرة بروكسيل بظنونه. ومن كان يحلم بأن النزعة الإنقسامية هي طابع الإنسان الريفي منذ ما قبل القبيلة إلى ما بعد الحداثة، فقد فاجأته مسيرة بروكسيل بوحدة الريفيين(ات) المضادة لأي نزوع انقسامي مرضي. تلك الوحدة المنفتحة على التعدد والإختلاف هي ذاتها الحقيقة التي يحملها حراك الريف وهي التي تحميه من المكائد والتحديات على كثرتها وشراستها.
إن مسيرة بركسيل هي امتداد لمسيرات حراك الريف، وهي لحظة مفصلية في مساره بالدياسبورا. ذلك لأن تنظيمها جاء استجابة لنداء ناصر الزفزافي، ولأن جموعا غفيرة ونوعية من ريفيي(ات) الشتات حجوا إلى بروكسيل من مختلف الدول الأوروبية للدفاع عن المرأة الريفية ومعتقلي حراك الريف ومطالبهم. ولذلك كانت مسيرة بروكسيل مسيرة تاريخية بامتياز. فقد أكدت على التفاف الريفيين(ات) حول حراك الريف وقادته. هذا الإلتفاف الذي تكسرت عنده كل محاولة لاختلاق زعماء وهميين للحراك بأوروبا بهدف فرض أهداف وتوجهات لا تنسجم مع مطالب الحراك وشعاراته بل تتوافق مع التهم التي تم طبخها للمعتقلين السياسيين.
إن مسيرة بروكسيل هي مسيرة الحسم بين أخلاق النضال وقيمه الإنسانية النبيلة وبين أخلاق الرداءة والتخوين والتطاول على الحرمات. وهي أيضا، وأساسا، مسيرة الفرز الحاسم بين من هو ملتزم بخط حراك الريف الشعبي السلمي وبملفه المطلبي وفي المقدمة مطلب الحرية لمعتقليه السياسيين ووقف المتابعات؛ وبين من له أجندة خاصة يريد تمريرها عنوة على حساب الحراك الريفي ومعتقليه. هذا الفرز كان ضروريا لتحصين الحراك داخليا وخارجيا من كل مسعى للتشويش علي مطالبه وعلى براءة معتقليه.
وكان لشعب حراك الريف بالدياسبورا كلمته المفصلية. فعلى امتداد أسابيع راج خطابان حول هذه المسيرة:
خطاب يدعو إلى المشاركة فيها، وهو خطاب المعتقلبن السياسين وعائلاتهم ونشطاء الحراك بالداخل والخارج؛ وخطاب رافض للمسيرة، يدعو لمقاطعتها، يخوّن الداعين إليها ومنظميها والمشاركين فيها نساء ورجالا. ويوم المسيرة كانت الكلمة لمن بيدهم القرار الأخير: شعب الحراك. وكعادة المسيرات الحراكية فاقت المشاركة الشعبية في هذه المسيرة كل التواقعات.
فقد أبى الريفيون(ات) إلا أن يحجوا بكثافة إلى بروكسيل من مختلف مواقع تواجدهم بالشتات الأوروبي، قطعوا العشرات/ المائات/ الآلاف من الكيلوميترات ليشاركوا في المسيرة، ليضرخوا بصوة واحد: تحية للمرأة الريفية، الحرية لمعتقلي حراك الريف، لا للعسكرة، عاش الريف، الموت ولا المذلة… فكانت أكبر مسيرة في تاريخ الريفيين(ات) بأوروبا.اجتمع فيها الريفيون(ات) ليوحدوا كلمتهم وليتوحدوا حول قضيتهم: حرية المعتقلبن السياسيين وتحقبيق الملف المطلبي. لتكون، بذلك، مسيرة بروكسيل ملحمة جديدة من ملاحم الريف. والجميل/ المحزن فيها هو أنها ملحمة تم تسجيلها بالمنفى، بعد أن أصبح حق الإحتجاج السلمي بالريف تهمة تصل عقوبتها حد عشرين سنة سجنا نافذا.
وفوق ذلك، إن مسيرة بروكسيل هي إستفتاء شعبي ميداني بين أهل الريف بالدياسبورا على براءة معتقلي حراك الريف وعلى عدالة مطالبهم، وهو استفتاء ينضاف إلى استفتاء المسيرات الوطنية بالرباط والدار البيضاء التي عبر من خلالها الشعب المغربي عن قناعته ببراءة معتقلي حراك الريف ومشروعية مطالبهم، وطالب بإطلاق سراحهم بدون قيد أو شرط.
ولأن مسيرة بروكسيل هي بكل هذه الدلالة والأهمية فإنها تقتضي أن يكون ما بعدها مسكونا بروحها وبهائها. وهذا هو التحدي الذي يتعين رفعه من لدن كل من ساهم في تنظيم وإنجاح هذه المسيرة التاريخية.

جمال المحدالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.