مسودة القانون الجنائي والمرجعية الدولية لحقوق الإنسان

شاركت صبيحة يوم السبت 25 أبريل 2015 بنادي المحامين بالرباط، في مائدة مستديرة من تنظيم المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف، حيث تمحور النقاش حول موضوع تعديل القانون الجنائي والمسطرة الجنائية في ضوء المرجعية الدولية لحقوق الإنسان.

وأعترف أنني بعد هذه الندوة، قد ازددت قناعة بأن مسودة القانون الجنائي التي طرحتها وزارة العدل والحريات للنقاش، لا يجب أن تبقى على حالها، وبأن تعديلات جوهرية يجب أن تطالها شكلا ومضمونا، قبل أن تتحول إلى مشروع يصادق عليه مجلس الحكومة، ليعرض في وقت لاحق على البرلمان من أجل مناقشته، وإدخال آخر التعديلات عليه قصد إقراره.

فمسودة القانون الجنائي، وباعتراف قضاة ممثلين عن وزارة العدل والحريات شاركوا في الندوة، قد ضربت المعاهدات والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب في مجال حقوق الإنسان بعرض الحائط، ومبررهم في ذلك أن الدستور المغربي، في تصديره الذي يشكل جزءا لا يتجزأ منه، قد جعل سمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات الوطنية رهينا بشرط احترامها لأحكام الدستور وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة.

ويبدو أن من صاغوا هذه المسودة قد أسقطوا من حسابهم أن الدستور المغربي وهو يتحدث عن الاتفاقيات الدولية في تصديره، قد طالب بالعمل على ملاءمة التشريعات الوطنية بما تتطلبه مصادقة المغرب على تلك الاتفاقيات، وهو الشيء الذي تم القفز عليه بمنتهى الاستهتار، ما يبرز بما لا يدع أي مجال للشك العقلية المحافظة التي حكمت صياغة مسودة القانون الجنائي، والتي حاولت لي عنق بنود الدستور بمبررات الخصوصية الهوياتية الواهية، وذلك بهدف تكريس دولة الاستبداد على حساب دولة الحقوق والحريات.

فلقد توسعت المسودة في الأفعال التي تستوجب عقوبة سالبة للحرية لدرجة لا يمكن تحملها، وأغرقت في استعمال العبارات الفضفاضة والتي تحتمل أكثر من تأويل لتجريم أفعال أخرى لدرجة لا يمكن لأي عاقل قبولها. فما معنى مثلا كلمة “الإهانة” التي إن أتاها مواطن في حق موظف عمومي يمكن أن تقوده إلى السجن سنة كاملة مع غرامة مقدراها مليوني سنتيم حسب المادة 263 من مسودة القانون الجنائي؟ وكيف يمكن لنا أن نقيس مدى الضرر الذي لحق بشعور هؤلاء الموظفين العموميين أثناء قيامهم بواجبهم جراء تلك “الإهانة” حسب منطوق المادة نفسها؟ وكيف يقبل المنطق أن يكون الفرق بين العقوبة الدنيا والقصوى في نفس الجريمة كبيرا جدا لدرجة تجعل الأبواب مشرعة أمام لوبيات الفساد للتجارة في الأحكام؟ وكيف يمكن السكوت عن مواد تجعل من الصحفيين رهائن يمكن سجنهم في أي لحظة بتهم من قبيل زعزعة أمن واستقرار الدولة أو المس بأمنها الخارجي؟ وهي كلها أمور تتعارض مع أبسط المعايير الدولية في مجال حقوق الإنسان.

وإذا كان بعض المسؤولين لا يعيرون كثير اهتمام لضرورة ملاءمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب، فإن توضيح أضرار ذلك قد يجعلهم يعودون لرشدهم، حتى يجنبوا البلد مخاطر هو في غنى عنها. فبلد لا يحترم تعهداته والتزاماته الدولية لا يمكن أبدا أن ينال ثقة المستثمرين وأن يحظى بثمار رؤوس أموالهم، وهو ما سيفاقم بدون شك الأزمات الاقتصادية التي يعيش على وقعها المغرب والتي تهدد السلم الاجتماعي الهش أصلا. وبلد يصارع من أجل الحفاظ على وحدته الترابية، ويهدده الانفصاليون في كل لحظة وحين بالورقة الحقوقية من أجل توسيع صلاحيات “المينورسو” في صحراءه لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، لا يمكن أبدا أن يربح المعركة بالتنصل من مواثيق دولية وقعها بمحض إرادته، ليحول حقا أساسيا من قبيل حرية الرأي والتعبير إلى جريمة تستوجب عقوبات مشددة وغرامات كبيرة.

إن القانون الجنائي باعتباره مجموع القواعد القانونية التي تحدد أفعال الإنسان التي يجب تجريمها، لكونها تمس أمن واستقرار المجتمع، وتوجب زجر مرتكبيها بعقوبات أو تدابير وقائية، لا بد وأن يحظى بديباجة تكون جزءا لا يتجزأ منه، تشرح الفلسفة التي يتبناها والمقاربة التي ينهجها، وهو الشيء الذي تجاهل واضعوا المسودة التي طرحتها وزارة العدل والحريات للنقاش العمومي أن يفعلوه، لعلمهم أن منهجيتهم اعتمدت على مقاربة زجرية وأمنية تعادي حقوق الإنسان وتناقض المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، ناهيك على كونها مقاربة متجاوزة أثبتت فشلها في محاربة الجريمة والوقاية ومنها.

ولذلك فإن أول مطلب يجب أن يرفع لواءه الحقوقيون والمدافعون عن كرامة الإنسان وحقوقه وحرياته، هو ضرورة أن تتصدر القانون الجنائي ديباجة تؤكد بعبارات صريحة غير قابلة للتأويل، أنه قانون يعتمد على فلسفة حقوقية ووقائية في مقاربته للجريمة، وأنه قانون يحترم المواثيق والاتفاقيات التي صادق عليها المغرب في مجال حقوق الإنسان، وحينها سيصير من السهل المرافعة من أجل حماية حرية المعتقد والضمير، ومن أجل تكريس حرية الرأي والتعبير، ومن أجل صيانة حق المواطنين في ممارسة حرياتهم الفردية والتي لا يجب أن تكون أبدا موضوعا للمساومة أو مجالا لمعارك محاكم التفتيش

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.