مسودة القانون الجنائي والترسيخ لدولة الاستبداد

منذ مدة ونحن ننتظر خروج مسودة القانون الجنائي للعلن، لنرى بصمة مصطفى الرميد وزير العدل والحريات عليها وعلى موادها، وهو المحامي والحقوقي الذي عمل طويلا قبل الإستوزار على ملفات كثيرة، جعلته يلامس أعطاب القانون الجنائي القديم الذي دقت ساعة تغييره، ليلائم مقتضيات العصر والدستور والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب خصوصا فيما يلامس مبادئ حقوق الإنسان.

وإذا كانت المسودة قد جاءت ببعض التعديلات المهمة التي لطالما شكلت مجالا لمرافعات الحركة الحقوقية المغربية، من قبيل إلحاق قضايا الشيكات بدون رصيد بمدونة التجارة، وتجريم التحرش الجنسي بالنساء في الفضاءات العمومية وأماكن العمل، وتخصيص عقوبات مشددة في الجرائم الخاصة بالاختطاف والتعذيب والاختفاء القسري بما يتناسب مع جسامة هذه الجرائم وفظاعتها، حتى تلائم الفصلين 22 و23 من الدستور المغربي وبنود البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة  التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبات القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي أودع المغرب رسميا وثائق المصادقة عليها لدى الأمم المتحدة بتاريخ 24 نونبر 2014، فإن أهم تعديل جاءت به مسودة القانون الجنائي يبقى بدون منازع هو اعتماد العقوبات البديلة عن العقوبات الحبسية لأول مرة في المغرب، حيث سيكون بإمكان القاضي الحكم بغرامات مالية يومية أو أداء خدمة لصالح المجتمع لعدد ساعات محددة على سبيل المثال، في بعض القضايا التي لا تتجاوز عقوباتها الحبسية سنتين والتي يكون مرتكب الجريمة فيها لا سوابق له في الميدان.

لكن هذه التعديلات الإيجابية ليست سوى الشجرة التي تخفي الغابة، فالاطلاع الكامل على مسودة القانون الجنائي، تجعلك تخرج بخلاصة واحدة مفادها، أن المسودة مخيبة للآمال ومعادية لحقوق الإنسان.

فرغم أن مصطفى الرميد وزير العدل والحريات قال يوم الثلاثاء 31 مارس 2015، أن الملك قد أمره بتجنب متابعة أي مواطن مغربي حتى لو تحدث عنه بسوء، وذلك على هامش ورشة من تنظيم مركز “كارنيغي للشرق الأوسط”، حول “إصلاح منظومة العدالة في العالم العربي”، فإن مسودة القانون الجنائي قد تضمنت عقوبات مشددة في حق من يوجه إهانة للملك ولولي العهد بل وحتى للأسرة الملكية، هذا دون أن يتم توضيح ما تعنيه كلمة (إهانة) الفضفاضة وما يندرج تحتها، ليظل كل انتقاد لفعل أتاه الملك أو ولي عهده أو أحد أفراد أسرته قد يقود إلى السجن، وهو ما يعتبر ضربة قوية في وجه حرية الرأي والتعبير بالمغرب، كما نص على ذلك الدستور وكل المواثيق الدولية التي صادقت عليها الدولة المغربية.

بل إن الأمر قد وصل إلى درجة تجريم المساس بشعور الموظفين العموميين، وهو الشيء الذي قد يقود إلى السجن لمدة قد تصل إلى سنة كاملة وغرامة قد تصل إلى 20.000 درهم، حسب المادة 263 من المسودة، وهو ما يشي بالنظرة الاستبدادية والتحكمية التي طبعت عقول من صاغوها، والرغبة في تغليب إرادة السلطة والتسلط على إرادة الحق والقانون، وهو الشيء الذي يليق بدولة فاشية لا بدولة تتلمس طريقها على درب الديمقراطية.

ومما يثير الاشمئزاز هو إصرار مسودة القانون الجنائي على الاستمرار بالعمل بعقوبة الإعدام رغم لاإنسانيتها ولاأخلاقيتها وعدم جدواها في محاربة الجريمة، وتعارضها مع الدستور الذي نص على أن الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان والتي يجب على القانون حمايته. كما أن الاستمرار في التضييق على حرية الاعتقاد وحرية ممارسة الشعائر الدينية وباقي الحريات الفردية، التي لا تصيب عموم الناس بأي ضرر، من خلال مواد تعود بنا إلى زمن محاكم التفتيش، لن يفيدنا في شيء سوى في التأسيس لمجتمع الرياء والنفاق والخوف، الذي يستحيل معه أي حلم بالتقدم والنماء.

ويبدو أن هذه المسودة التي تم طبخها داخل دهاليز وزارة العدل والحريات اعتمدت أساسا على المقاربتين الأمنية والزجرية، فيما تم إجهاض المقاربتين الوقائية والحقوقية عن صياغة موادها. وهو ما يعني تكريسا لدولة الاستبداد على حساب دولة الحقوق والحريات. وهو الشيء الذي جعل الكثير ممن اطلعوا عليها يعلقون مازحين: “إذا ما تمت المصادقة على هذه المسودة كما هي فنحن كلنا في حالة سراح مؤقت لا غير”.

مسودة القانون الجنائي جاءت في عمومها مخيبة لانتظاراتنا، ولحلمنا بأن تشكل لبنة جديدة على درب الألف ميل من أجل بناء دولة الحق والقانون والحريات، ولذلك فكل الآمال معقودة الآن على قوى المعارضة والمجتمع المدني للضغط بكل السبل السلمية، من أجل إدخال التعديلات اللازمة التي تجعل من المسودة في نهاية المسار قانونا جنائيا يحترم حقوق الإنسان، ويجعل من الحريات بكافة أنواعها خطوطا حمراء يستحيل المساس بها.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.