مساواة المرأة والرجل قضية عدالة ومصلحة وطنية لا فرقعة إعلامية!

في كل مرة تثار فيها قضية حقوق المرأة ببعض الجرأة، نجد مجموعة من المهرجين والتكفيريين ينقضون على المضمون، ليفرغونه من محتواه، الفريق الأول يحاول قدر المستطاع اكتساب بعض النقاط على حساب القضية الجوهرية، ليبدو في مظهر الحداثي المدافع عن حقوق المرأة، والفريق الثاني يرد بتكفيره و إهدار دمه، فتضيع المطالب وتتحول الأنظار إلى حرب الرجال على المواقع، بدل التفكير العلمي المنهجي والحوار الهادئ العقلاني، حول المساواة بين الجنسين.

قضية المرأة لم تكن يوما مسألة مقارعة الحجة بالحجة، ولو كانت كذلك لكان من السهل أن يتم هز أسس الاعتقاد، بأدلة أقوى لحق المرأة في الحياة العادلة مع الرجل، ولكنها متأصلة الجذور في مشاعر الناس، لذا فإن على الذين لا يؤمنون بحق المساواة بين الرجل والمرأة، والذين يذهبون إلى أن الرجال لهم حق السلطة والمرأة، أن يقدموا الحجج الكافية التي تثبت ذلك أو يتم رفض دعواهم.

فلسفة استعباد النساء لم تكن خاضعة منذ بدء التاريخ، للنظر والتروي أو التأمل في صلاحية المرأة من عدمها، بل وجدت المرأة نفسها في حالة عبودية لرجل ما، مصحوبة بضعف قوتها البدنية، ومن ثم تحولت هذه العلاقة بين السيد والعبد، إلى قانون سياسي، يؤطر علاقة الرجل بالمرأة، على أساس الاستعباد، مما أضفى على الفعل شرعية وغطاء، بل حماية للرجل والسادة، ليضمنوا مصالحهم المشتركة في العصور الأولى، حيث كانت الغالبية العظمى من الرجال فيه عبيدا، كما كان الأمر كذلك بالنسبة للنساء، وبذلك كان قانون الأقوى هو القاعدة التي تحكم الحياة منذ عصور غابرة.

وعلى فترات تاريخية طويلة، بدأ البشر في فهم أن بناء العلاقات بين الناس على أساس هذا القانون، ينافي العدالة الإنسانية،  ومع وجود خطوات تدريجية ناجحة اتجاه تحرير العبيد، ظل استعباد النساء قائما إلى يومنا هذا، وذلك نظرا لتأصلها الشديد في مشاعر الناس، حيث تحولت الألفة والعادة، إلى قانون طبيعي، أصبح فيه من الغريب على الفرد، أن يتصور وجود قائدة تدير شؤون البلاد، أو جندية في الجيش، غير أن هناك قائلا سيقول أن حكم الرجال للنساء لم يكن مبنيا على قانون القوة فحسب، بل إن النساء قبلن ذلك عن طواعية، لكن الحقيقة هي أنه منذ أن أصبحت للنساء القدرة على تدوين مشاعرهن عن طريق الكتابة في أوروبا مثلا، فقد سجل التاريخ ظهور الكثير منهن طالبن بحقوقهن المشروعة، كما أن النساء تربين منذ صغرهن على أن هناك أمورا غير لائقة بل تتعارض مع جنس الأنثى.

يحدثنا التاريخ أنه لم يسبق أن طالبت فئة مستعبدة بالحرية كاملة مرة واحدة، بل تكون في البداية فقط  مطالب لتخفيف حدة المعاناة والعبودية، ثم تتطور المطالب شيئا فشيئا، وقد كانت النساء تعلمن جيدا أن الشكوى، ستكون مبررا للرجل ليسئ معاملتهن بشكل أكبر، ولذلك خشين على أنفسهن من الرجال الذين لم يكونوا يريدون الطاعة وحسب، وإنما كذلك إخضاع مشاعرهن وإقناعهن أن عبوديتهن أمر طبيعي، ولتحقيق هذه الغاية، فقد استخدم الرجال قوة التربية ، فجميع النساء ينشأن منذ نعومة أظفارهن على الإيمان بأن شخصية المرأة المثالية، هي الضد المباشر لشخصية الرجل، أعني الشخصية التي لا تكون لها إرادة ذاتية حرة، ولا قدرة على ضبط النفس، وإنما الشخصية الخاضعة المستسلمة لإرادة الآخرين وسيطرتهم.

جميع القواعد والمبادئ الأخلاقية التي تربت عليها الفتيات، تؤكد لهن أن واجب النساء، وكذلك طبيعتهن، بما تنطوي عليه من مشاعر وعواطف متدفقة أن يعشن من أجل الآخرين وأن يعتدن نكران الذات، فينكرن أنفسهن إنكارا تاما.

لذا فقد أثرت هذه التربية على عقول النساء كثيرا، إضافة لأنانية الرجل الذي كان يوهم المرأة أن جاذبيتها وطبيعتها الفطرية، تكمن في خضوعها ومن هنا نرى أن العادات والتقاليد والأعراف، هي من لعبت الدور الأساسي، وليس تحليلا نظريا مصحوبا بتجارب على أرض الواقع، لذا لاينبغي النظر إلى قضية المساواة بين الرجل والمرأة على أنها قضية أعراف ورأي عام، وإنما قضية عدالة ومصلحة ومنفعة للبشرية، فتعطيل طاقات أكثر من نصف الجنس البشري، هو بحد ذاته كارثة، فنحن لم نجرب تحقيق الفوائد العملية الناجمة، عن تحقيق المساواة بين الجنسين، بحيث تختفي بينهم قضية الفروقات الذهنية والعقلية والقدرات، وتصبح نسبية من فرد لآخر، فربما كان ذلك سيدفع بعجلة التقدم البشري بشكل أكبر، ونحن نعرف أن مقياس تقدم الكثير من المجتمعات على مر التاريخ كان بناء على اقتراب مستوى الحرية بين الجنسين.

نعلم جميعا أن حجة (طبيعة النساء) هو شئ مصطنع، ذلك أن المرأة فُرض عليها منذ البدء، نمط حياة معين، وقيودا عقلية ونفسية وجسدية، وأعراف وتقاليد أثرت في تكوين شخصيتها ونفسيتها، ولو كان هناك منذ البدء مساواة حقيقية بين الجنسين، لكنا سنعرف على الأقل الفوارق العقلية والمعنوية، بشكل موضوعي دون تحكم الأعراف في ذلك ودورها الفعال في تنشئة المرأة.

من هنا، فإن على مجتمعنا ألا يكتفي بالحكم النظري في قضية تضم أكثر من نصف المواطنين، وإنما إتاحة الفرصة للمرأة عمليا. وضرورة تغيير الكثير من المفاهيم والطرق التربوية، التي أثرت على عقول كثير من النساء، وإن قضية المساواة هي مسألة وقت لا أكثر، وتحتاج إلى الاستماع لصوت النساء الحر و المستقل، بدل تبني القضية من طرف تيارات تتاجر بحقوق المرأة، وتستعملها لأغراض دعائية ومصلحاتية تارة، ولتبرير وجود تيار إيديولوجي معين يدعي الوصاية على الدين، وتارة من طرف تيار يدعي الحداثة و التحرر، لكنه في الحقيقة يتشدق بمطالب لا يؤمن بها، ولا يسعى لإقرارها و يبحث فقط عن الفرص للصدام بالفريق المناوئ لاضهار مدى رجعيته.

قضايا مثل المساواة في الإرث وتعدد الزوجات، لا يتم الحسم فيها عبر تهيج المواطنين واستعراض العضلات في برامج تلفزية، فهي أقرب إلى معارك “الكوليزيوم”(ملاعب المصارعة الرومانية)  منها إلى مناظرات علمية.

رِفقا بالمرأة و حقوقها من فضلكم أيها الرجال..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.