مساهمة في نقد الإسلام السياسي: حزب العدالة والتنمية نموذجا

إن المتتبع لنشأة ومسار ما يسمى بالإسلام السياسي سيلاحظ أن همه الأساس كان هو مواجهة الآخر الحداثي والعلماني وامتداداته داخل المجتمعات الإسلامية وبخاصة التيار اليساري منه. وقد ساهم الغرب الرأسمالي في تشجيع جل تنظيمات الإسلام السياسي على الإصطفاف معه في مواجهة المد الشيوعي خلال حقبة الحرب الباردة. وشكلت آنذاك أفغانستان مختبرا لتفريخ الجماعات المتطرفة والإرهابية الموجَّهة من طرف مخابرات الدول الغربية. ونفس السيناريو سيتكرر في ظل “الحرب على الإرهاب”، لكن هذه المرة سيتم توظيف تلك الجماعات لقتال بعضها البعض ولتدمير الأوطان والشعوب واستباحة ثرواتها. وهو السيناريو الجاري تفعيله منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، ولا يزال مفعوله الكارثي يأتي على الأخضر واليابس في كل من العراق واليمن وسوريا وليبيا… وفِي الواقع فإن غالبية تيارات الإسلام السياسي تتموضع في صف القوى المضادة لثورات شعوب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التواقة للحرية والكرامة والعدالة، إلى أن يثبت العكس.
ومع أن مواجهة الآخر المختلف سياسيا وفكريا يفترض أن تخاض على صعيد النقاش العمومي والنظري، فإن هذه التيارات اعتمدت أسلوب التكفير والإغتيال المادي والرمزي لمواجهة خصومها الألداء الذين لا يملكون غير أصواتهم وأقلامهم وأدواتهم الفنية والإبداعية. لذلك سيتلطخ تاريخها بدماء المفكرين والمثقفين والفنانين ( عمر بن جلول، حسين مروة، مهدي عامل، فرج فودة، الشاب حسني، مصطفى العقاد، المعطوب لوناس، آيت الجيد بنعيسى…). في موازاة ذلك ستركز تلك التنظيمات في خطابها الدعائي على الدفاع عن الحجاب واللحية و”الزي الإسلامي” والفصل بين الحنسين، مع رفض الحريات الفردية وحقوق المرأة، واختزال قيم الحضارة الحديثة في الفساد والإنحلال الخلقي.
ويبدو أن تطور الأوضاع والتطور الذاتي لتلك الحراكات يضعها في مأزق عصي عن التجاوز، فهذه التنظيمات التي حملت مشروع أسلمة العالم: أسلمة الدولة والمجتمع والإنسان وكل مظاهر الوجود، ستجد نفسها مدفوعة من حيث لا تدري لتنخرط في صيرورة الحداثة والخضوع لمنطقها الدنيوي ولمكر التاريخ، خاصة بعد الإنتقال من المعارضة إلى السلطة كما تشهد على ذلك بجلاء تجربة حزب العدالة والتنمية بالمغرب.
إن احتلال هذا الحزب للمرتبة الأولى خلال انتخابات سنة 2012 وترأسه للحكومة كان يفترض فيه أن يحرص على الوفاء بوعوده وترجمة خطابه السياسي وبرنامجه الإنتخابي على أرض الواقع. لكن بدل ذلك ستلوح بوادر تغير في خطاب الحزب، لحظة هذا الإنتقال بالذات. فإذا ما كان الإسلام السياسي قد بنى مشروعه الإيديولوجي والسياسي على شعار “الإسلام هو الحل”، فإن عبد الإله بنكيران سيصرح في بداية استعداده لترأس الحكومة بأن “الإسلام ليس هو الحل الوحيد”. ولن يقف الأمر عند هذا الحد، بل سيواصل حزب العدالة والتنمية انسلاخه عن برنامجه الحزبي ومرجعيته الإيديولوجية ليتفرغ لتنفيذ مشاريع المخزن المؤجلة ( تمرير إصلاح صندوق التقاعد، ضرب الوظيفة العمومية وفرض التوظيف بالتعاقد، الإقتطاع من أجور المضربين، تحرير أسعار المحروقات، رفع الدعم عن المواد الأساسية، تجميد اتفاق 26 أبريل 2011 مع النقابات…)، كما استمات في عرقلة تنفيذ أهم ما جاء به دستور 2011 (ترسيم الأمازيغية، ربط المسؤولية بالمحاسبة، محاربة الفساد، تعزيز دولة الحق والقانون، سمو المرجعية الكونية لحقوق الإنسان…).
وفِي سياق هذا الإرتماء في أحضان المخزن، إذا ما افترضنا أن هذا الحزب كان يوما خارج دائرة المخزن حتى حين كان يمارس لعبة المعارضة بخطاب محافظ شعبوي ( مواجهته لمدونة المرأة، تصديه لحركة 20 فبراير ولمطلب الملكية البرلمانية والدولة المدنية…)، أخذت تطفو على السطح سلوكات وتصريحات لقادة هذا الحزب متناقضة جملة وتفصيلا مع خطابهم ووعودهم ومرجعيتهم والصورة النمطية التي حاولوا تسويقها عن أنفسهم. ويمكن التمثيل على ذلك ب: قصة غرام الكوبل الوزاري، حكاية يتيم مع القمار وعشيقته، فضيحة الكوبل الدعوي الجنسية بداخل السيارة على الشاطئ، مشهد تسريب صور ماء العينين بباريز، وقبله استنفار الحزب وأذرعه الحقوقية والدعوية وسواهما ضد محاكمة عبد العالي حامي الدين في ملف اغتيال الشهيد آيت الجيد بنعيسى، تحت شعار ” لن نسلم لكم أخانا”. هذا بالإضافة إلى التحول المثير في أسلوب حياة وهندام وحتى أجسام المستوزرين والبرلمانين والمنعم عليهم بمناصب سامية ووظائف راقية وامتيازات سخية. فتحول أولئك البيجيديون من دراويش فقراء لا يطلبون إلا ملاقاة الله وخدمة الضعفاء إلى بورجوازيين أغنياء يعشقون متع الدنيا ويسعون إليها مهما كانت نائية. في مقابل التعامل المخجل لذات الحزب الذي يرأس الحكومة مع حراك الريف وغيره من الحراكات الإحتجاجية التي تجتاح المغرب، تعامل يتماهى مع العقلية المخزنية القمعية والإستبدادية. وإنه لمن باب السخافة السياسية والعماء الإيديولوجي أن يتورط حزب العدالة والتنمية في المآسي الجاثمة على الريف منذ بلاغ قادة احزاب الأغلبية الحكومية وما تلاه من حصار وقمع واعتقال وتهجير لأهل الريف الذين انتفضوا في حراك سلمي من أجل مطالب عادلة ومشروعة. وللأسف فإن كل مآسي الريف لم تُحرك شعرة في حزب العدالة والتنمية، لم يُحرك فيه شعرة الزج بمواطنين أبرياء في جحيم السجون والحكم عليهم صوريا بأحكام باطلة وقاسية وهم في عمر الزهور، مع استثناء بعض الأصوات الحرة في نفس الحزب والتي لا تلغي القاعدة. لكن ما أن تقررت أول جلسة لمحاكمة عبد العالي حامي الدين حتى ثارت حمية الحزب وخرج قادته الوزاريون والبرلمانيون بتصريحات نارية عن لا استقلالية القضاء وعن استهداف الحزب مع التهديد والوعيد للجميع. وفوق ذلك فإن حزب العدالة والتنمية يتعامل مع أي نقد وفضح له بمنطق المظلومية. وإذا ما كان حزب أغلبي يقود الحكومة لولايتين متتاليتين يشكو من المظلومية كلما انكشفت فضائحه وتناقضاته وسوء تدبيره للشأن العام، إذا ما كان حزب متوغل في أجهزة الدولة ومؤسساتها يشتكي من المظلومية ويدعي أنه مستهدف من كل الجهات، فماذا سيقول عموم المواطنون المستهدفون حقا في قوت يومهم وحرياتهم وحقوقهم وأمنهم في ظل حكومة يقودها هذا الحزب الذي يدعي المظلومية؟ ماذا عن تظلمات مئات المعتقلين السياسيين على خلفية حراك الريف وغيره من الحراكات الإحتجاجية بالمغرب؟ وقبل كل شيء ماذا يفعل هذا الحزب في الحكومة أصلا إذا ما كان مستهدفا كما يدعي من جهات داخل الدولة وخارجها؟ أم أن خطاب المظلومية الذي يروج له هذا الحزب هو مجرد ذر للرماد في العيون ونفاق سياسي يكشف عن انفصام مرضي في خطابه وسلوكات أعضائه؟
إن الضجة التي أثارتها صور ماء العينين ومتابعة حامي الدين بتهمة المشاركة في اغتيال آيت الجيد بنعيسى لا يجب أن تخفي الحقيقة أمام أنظار حزب العدالة والتنمية. وعلى الحزب أن تكون لديه الشجاعة للقيام بمراجعة نقدية لخطابه وقرارته وممارسته.
فبخصوص تسريب صور ماء العينين، على الحزب امتلاك الجرأة للإعتراف بالتغير الذي طرأ عليه وعلى أعضائه على مستوى الخطاب والممارسة، وبدل الإحتماء خلف مقولة “حرمة الحياة الخاصة” بمنطق برغماتي وديماغوحي يجب على الحزب الإقرار أولا بالحرية الفردية، مع ضرورة التمييز بين الحياة الخاصة بالنسبة لكل من المواطن العادي والشخصية العمومية. وفي كل الأحوال فإن حزب العدالة والتنمية مدعو لتشغيل آليات الإجتهاد للمساهمة في انتاج إسلام القرن الوحد والعشرين، إسلام زمن دولة الحق والقانون وحقوق الإنسان والحيوان والبيئة، إسلام زمن الثورات العلمية والتقنية والمعلوماتية والقيم الكونية، إسلام زمن غزو الفضاء والهندسة الوراثية، إسلام الحرية وليس إسلام الوصاية.
أما بخصوص قضية حامي الدين، فالمفروض أن تكون هذه القضية فرصة لحزب العدالة والتنمية ولكل الأطراف للقيام بقراءة نقدية للأحداث الدامية التي عرفتها الجامعة خلال بداية التسعينات من القرن الماضي والتي ذهب ضحيتها شهيدين: أيت الجيد بنعيسى والمعطي أومليل، إلى جانب العديد من الجرحى الذين لا زالوا يعانون جسديا ونفسيا من آثار ما تعرضوا له من عنف. وإذا ما كان بنكيران قد صرح بأنه سينشر غسيل تلك الأحداث وغيرها في حال إدانة حامي الدين فالمطلوب نشر ذلك الغسيل الآن قبل الغد، لأن الهجوم الهمجي الذي عرفته الجامعة بدهار المهراز بفاس يتعدى الصراع بين الفصائل الطلابية ليندرج ضمن مخطط الإجهاز على الجامعة المغربية وتصفية اليسار الممانع. وهو ما يكشف عنه هول ذلك الهجوم وحجم وتشكيلة الميليشيات المنفذة له والتي كانت مرابطة بحقول عوينات الحجاج أمام مرآى العالم والمخزن، تلك الفيالق المتعددة الشارات والأسلحة التي نفذت هجوما همجيا على الحي الجامعي في جنح الظلام، فكسروا أبواب الغرف وعظام الطلبة وخاصة منهم الطلبة القاعديين، ومنهم من نجى من الموت بأعجوبة ليجد نفسه معتقلا محكوما عليه بعشرة سنوات سجنا نافذا، تلك حالة نور الدين جرير، وهناك حالات أخرى كثيرة. وقد اعتقدت تلك العصابات بأنها قد أحكمت سيطرتها على الحصن المنيع الذي كان يوقض مضجع المخزن قبل أن يوقض مضجعها. ولذلك تعاملت الأجهزة الأمنية مع المهاجمين كما لو كانوا كائنات لا مرئية أوأشباح، فلم تعترض طريقهم حين كانوا يحتشدون في الخلاء المحيط بالجامعة، ولا حين تطويقهم لها، أو خلال اقتحامهم الحي الجامعي وبطشهم بالطلبة. وفِي الأيام القليلة التي أعقبت ذلك الهجوم سيتصدى الطلبة لإنزال تلك الميليشيات، وبعد مواجهات عنيفة بكلية الأداب ومحيطها سيتمكن الطلبة من طرد تلك الفيالق من الجامعة. فنظموا تظاهرة حاشدة في الحرم الجامعي استنكارا لذلك واحتفاء بصمودهم، في تلك الأثناء ستباغتهم قوى التدخل السريع بهجوم كاسح أسفر عن إصابات واعتقالات. وفِي هذا الجو الإرهابي والترهيبي الذي كان فيه الطلبة اليساريون القاعديون مستهدفين في حريتهم وحياتهم من طرف الإسلاميين والمخزن سيتم اغتيال الشهيد آيت الجيد بنعيسى. وبالتالي فإن اعادة فتح هذا الملف يجب أن تكون فرصة لإنصاف عائلة الشهيد ورفاقه بالكشف عن الحقيقة المحيطة بحيثيات هذه الجريمة ومعاقبة المخططين والمنفذين لها، وهي أيضا مناسبة لإماطة اللثام عما عرفته الجامعة المغربية خلال تلك الفترة من أحداث عنف وفضح الذين كانوا يديرون ويوجهون هذا العنف من الخلف وبتواطئ مع جهات داخل الدولة. مع ضمان محاكمة عادلة للمتهم الذي يظل بريئا إلى أن تثبت إدانته. وبالمناسبة على الذين عايشوا تلك الفترة الإدلاء بشهادتهم لتنوير الرأي العام والإسهام في إجلاء الحقيقة.
في هذا الإطار، يجدر التذكير بالرسالة الشهيرة التي وجهها بنكيران لإدريس البصري في 17 مارس 1986، وهي متداولة منذ سنوات على الإنترنت دون أن نسمع أو نقرأ أي نفي أو تكذيب لها. في تلك الرسالة يتودد بنكيران ويستعطف البصري قصد الترخيص لجمعيته “الجماعة الإسلامية”. ومما حاول به إقناع البصري بأهمية ذلك الترخيص إشادته بمساهمته شخصيا وتنظيم الشبيبة الإسلامية على حث “الشباب المسلم الملتزم على [التصدي] للشباب اليساري في الثانويات والجامعات”. والكل يعلم كيف تم ذلك التصدي واغتيال الشهيد عمر ينجبون نموذجا أوليا له، كما أن اغتيال الشهيد آيت الجيد بنعيسى هو نموذج آخر لاحق لذات التصدي. وهو ما يستوجب مساءلة كل من أوهم “الشباب المسلم الملتزم” بأن التصدي لليسار هو واجب شرعي، وأن ذلك التصدي يجوز أن يتم بجز الأعناق وزهق الأرواح. وهذا ما يجدر أن تسلط عليه الضوء محاكمة حامي الدين، كمساهمة من مؤسسة القضاء في محاربة العنف السياسي الذي يصل حد الإغتيال. وعلى المجتمع المغربي بجميع مكوناته وأطيافه السياسية والمذهبية مسؤولية تجريم استخدام كل أشكال العنف لحسم الصراعات السياسية والفكرية والعقائدية.
جمال المحدالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.