مركزية مفهوم “الأب” في الحقل السياسي المغربي

نُشر هذا التقرير على موقع لكم في صيغته الأولى قبل ثلاث سنوات؛ يوم 10 شتنبر 2013، ونحن نعيد نشره على “أنوال بريس” لتعميم الفائدة، ولاقتناعنا أن افكار المقال حتى وإن صيغت قبل ثلاث سنوات إلاّ أنها مفعمة بمناطق التماس مع نقاش الراهن السياسي، كما تحاول تسليط الضوء على بعض أعطاب ومطبات هذه النسق السياسي المخزني. قراءة مفيدة

محمد المساوي

مشهد أول
يوم الثلاثاء 20 غشت ألقى الملك خطاباً بمناسبة الذكرى الستين ل”ثورة الملك والشعب” والذي اعتبر خطاباً تاريخياً. الخطاب جاء بعد حدث العفو الملكي عن مغتصب الأطفال الإسباني وما ترتّب عنه من احتجاجات قويّة، ثم بعد ذلك إلغاء قرار العفو واصدار المؤسسة الملكية لأربعة بلاغات في الموضوع. في هذا الخطاب تظهر بقوة صورة الملك/الأب الذي يحنو على أبنائه ويسعى إلى تحقيق العدل بينهم، وعدم تفضيله أحداً منهم على حساب آخر مهما اختلفت أوضاعهم وانتماءاتهم؛ تقول فقرة من الخطاب الملكي:” كما أن المغاربة كلهم عندي سواسية دون تمييز، رغم اختلاف أوضاعهم وانتماءاتهم. إذ لا فرق بين رئيس بنك وعاطل، وربان طائرة وفلاح ووزير. فكلهم مواطنون، لهم نفس الحقوق، وعليهم نفس الواجبات.”
مشهد ثاني
خلال هذا الأسبوع تناقلت وسائل الاعلام خبر زفاف ابنة وزير النقل والتجهيز عبد العزيز الرباح، لكن لم تكن تفاصيل الحفل هي المقصودة، بل صار الحفل وجهة وسائل الاعلام نظرا إلى حضور بنكيران ولانتظار ما قد يصرّح به بشأن مفاوضاته مع زعيم حزب التجمع الوطني للأحرار وأين وصلت، خصوصاً بعد الاضراب عن الكلام مع الصحافة حول هذا الموضوع، لكن رغم ذلك لم يكن حديث بنكيران ليشفي غليل الصحافة، كان كلامه في الحفل كلاماً عاماً أشبه بالموعظة والدعوة الى الاعتبار من تجارب الحياة، لكن ما أثار انتباه الصحافة هو الكلام الذي ختم به بنكيران كلمته في الحفل بأن قال نحن أبناء الملك والملك أب لجميع المغاربة، ” جلالة الملك ديالنا وفي نفس الوقت هو بحال الأب ديال الأسرة حنا كاملين بحال أولادو”.
مشهد ثالث
عبد الله القادري عقيد سابق في الجيش المغربي، خبر دهاليز السياسة جيّدا، استفاد من الريع المخزني حتى التخمة، وساهم بقسط وافر في الفساد السياسي والاقتصادي في هذا الوطن، صار الرجل هذه الأيام مثار أسئلة عديدة واهتمام اعلامي كبير بعد الحوار الذي أجراه مع احدى الجرائد الوطنية ونشر في حلقات، وصارت مقتطفات هذا الحوار يُعاد نشرها، أو بالأحرى يُعاد نشر خلاصته في جملة من المواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، الرجل تحدث في موضوعات كثيرة هي في أغلبها مرتبطة بالملفات السوداء للدولة المغربية، ولعل أهم نقطة صرّح بها القادري هي قوله أن كل الاحزاب السياسية أنشئت بإرادة الملك الحسن الثاني، أي أن إنشاء الأحزاب السياسية رغبة ملكية وليس ضرورة فرضها الوضع السياسي القائم آنذاك، وهو الأمر الذي لم ينفه حتى عن نفسه، حيث أقرّ أنه دَخَل السياسة عندما وصلته رسالة مفادها “قالك سيدنا خاصك تدخل السياسة”، كما كشف في ذات الحوار.
مشهد سابق
قبل سنوات، خرج أحد المتقاعدين من خدمة الدولة ليكشف عن نيته في انشاء حزب سياسي للمتقاعدين، حينها سألته الصحافة عن القيمة المضافة التي قد يضيفها مثل هذا الحزب للعمل السياسي، فكان جواب الرجل قاطعاً، قال لهم ليس هناك حزب سياسي مغربي واحد يضيف شيئاً للعمل السياسي، بل كل الأحزاب بكل توجهاتها فقط تعمل على تطبيق برنامج الملك ومن حقنا أيضاً أن نجرّب حظنا في تطبيق برنامج الملك، وهذه هي الاضافة التي يمكن أن يقدمها حزبنا للحقل السياسي المغربي.
هامش على متن هذه المشاهد
إن استحضار هذه المشاهد المختلفة الأزمنة والأمكنة يروم تقريب صورة البنية “البطريريكية” التي يخضع لها الحقل السياسي المغربي، بحيث نجد الممارسة السياسة في مجملها ترتدّ أخيراً الى الملك باعتباره ضامن الأمن الروحي والاجتماعي والسياسي للمغاربة، إلى درجة أن الفرقاء السياسيين قد يختلفون في كلّ شيء، لكنهم يُقدمون على فعل نفس الشيء، للفاعل السياسي الحزبي أن يصرح أحيانا بما شاء، وأن يستنكر ما شاء، وله أن يضرب بقبضته على طاولات البرلمان، وفي جلسات النقاش، لكنه إذا ما توافرت له فرصة ترجمة ما كان يقوله فعليه أن ينسى هذا كله وينخرط في تأدية المهام التي سَتُوكل له لا تلك التي كان يريدها هو أو التي ظلّ يعد الناس بها. في الحقل السياسي المغربي لا توجد إرادة سياسية مستقلة بل يوجد استعداد دائم للسهر على أحسن تطبيق لإرادة الملك، والأحزاب السياسية تتصرف مثل الأطفال الصغار؛ تُناوش، تُشاغب، تلهو، تتخاصم مع بعضها البعض لكن أخيراً عليها أن ترجع إلى حضن الأب، ولربما لتنسى كل الأحقاد السابقة بينها، فهي كانت أحقاد صبيانية لم تصدر في لحظة رشد بل أصلاً كانت مجرّد “لعب عيّال” اقتضته ظروف معينة.(تحالف العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار نموذجاً).
إن رمزية الحضور الطاغي للملك/الأب في اللاوعي السياسي الجمعي يجد أرضيته في المكبوت السياسي والوعي الأسطوري الذي بإمكانه أن يرفع الملك إلى القمر ليُظهر صورته هناك إذا لزم الأمر. والدفاع المستميت عن بعض طقوس تكريس “البطريريكية السياسية” ربما يجد سنده في عقدة “الاخصاء” (إذا جاز لنا استعارة هذا المفهوم من علم النفس) التي يشعر بها الفاعل السياسي/الحزبي أمام فحولة الأب، فترى هذا الفاعل يقبل العمل داخل مؤسسات قد تبدو في ظاهرها ضدّ نسق “النظام البطريريكي” لكن في العمق هي مجرّد مؤسسات صورية لا تمس جوهر هذا النظام، وهذا ما يسميه الأنثروبولوجي الفلسطيني هشام شرابي ب”الأبوية المستحدثة”؛ التي هي نسخة أخرى من الأبوية التقليدية لكن مع رتوش لا تمس جوهر الاشكال، فهي قد لا تتنكر للحداثة في خطابها السياسي لكنها تتنكر لها على صعيد الممارسة فتتجه إلى إعادة انتاج نفس البنى الأبوية التقليدية.
يسجل الأنثروبولوجي الفلسطيني هشام شرابي أن “الأبوية المستحدثة” هي النسخة الجديدة للأبوية التقليدية، وعلى أنها هي المتحكمة اجتماعياً وسياسياً وثقافياً، وقد سجلت أطروحته العديد من الانتقادات والقراءات الفاحصة التي طالبت بإعادة النظر في هذه الأطروحة وعدم الركون إلى قدرتها على توصيف كل البنيات القائمة في المجتمع العربي، وربما من الانتقادات الوجيهة تلك التي قدّمها الأنثروبولوجي المغربي الأستاذ عبد الله حمودي، لا سيما في الحقل الاجتماعي، فيشير الحمودي إلى أن سلطة الأب ليست هي المتحكمة دائما وإن كانت غالبا هي كذلك، ويشير أساساً إلى أنه في مجتمعنا يمكن أن تعثر عن أب عاطل تعيله ابنته التي تشتغل وتوفر له مصروف الجيب وحينذاك يكون الأب مجبراً على التنازل شيئاً ما عن سلطته الأبوية، عليه أن يتغاضى عن الامتعاض من ابنته التي قد تخرج ليلاً للسهر مع صديقاتها وأصدقائها، وأن تلبس ما تشاء…هنا قد تكون فكرة حمودي وجيهة ومبنية على أمثلة ومعطيات في الواقع، لكن بالنسبة إلينا هي صحيحة في الممارسات الاجتماعية أما الممارسة السياسية فإنه لا يتزحزح فيها الأب قيد أنملة عن سلطته وسطوته، وكلّ الهوامش التي يضطر أحيانا للتنازل عنها ما تلبث حتى يقوم باستعادتها مجدداً. (يمكن استحضار مقارنة ما حمله خطاب 09 مارس 2011 بما حمله دستور 1 يوليوز 2011).
خريف البطريريك ونهاية الأبدية
في رواية غابرييل غارسيا ماركيز المتعبة والمتداخلة “خريف البطريرك”، التي تحكي عن قصة ديكتاتور في أمريكا اللاتينية، كان كلّ شيء يحدث بمشيئته، فهو “إنسان كانت سلطته من القوة بحيث سأل ذات يوم كم الساعة الآن، الساعة التي تريدها سيدي الجنرال أجابوه، وكان ذلك صحيحا، إذ أنه لم يكن يحوِّر لحظات النهار فقط من أجل حسن سير أعماله بل كان أيضاً يعدل تواريخ الأعياد المتوجبة عيناً كي يتمكن من التطواف من عيد شعبي إلى آخر في سائر أنحاء البلاد…” (الرواية ص:104). لكن مع ذلك، ورغم كلّ السطوة والقوة والجبروت التي تمتع بها الديكتاتور، إلاّ أنه جاء اليوم الذي ودع فيه الحياة، والموت هنا ليس بالضرورة موتاً فيزيقياً بل هو نهاية لنظام كان كل شيء لا يتحرّك إلاّ بمشيئته، إلى درجة اعتقد فيه أغلب الناس أن “البطريرك” هو قدرهم المحتوم، وعندما سرت أخبار وفاته لم يصدقه أحد إلى أن صدر إعلان يقول “نعلن للملأ الخبر السار بان زمن الأبدية قد بلغ نهايته” حينها عم الفرح وانفجرت البلاد احتفالاً. وعليه فإن القبول “بالإخصاء السياسي الذاتي” هو من يُمدّ طاحونة الأبوية السياسية المستحدثة بالمياه الكافية للدوران، فما معنى أن يُمَجَّد “الأب السياسي” في زمن الحراك الشعبي، وفي زمن دستور 2011 الذي قيل عنه أنه منح سلطات واسعة لرئيس الحكومة تضمن له أن يكون شريكاً للملك في الحكم لا ابناً ودوداً طيعاً ينتظر الأوامر…


تنويه: إن حديث هذا التقرير عن الفاعل السياسي والحزبي لا يهدف إلى جمع الكل في سلة واحدة، بل ينصرف الحديث إلى الفاعل السياسي والحزبي المندمج في النسق وليس ذاك الذي يناضل من أجل تكسير هيمنة هذا النسق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.