مرحبا بعمالنا بالخارج: الصورة الأخرى

في مثل هذه الأيام الصيفية جرت العادة بأن تخبرنا النشرات الإخبارية الرسمية بعدد الوافدين إلى المغرب من المهاجرين وتبلّغنا عن رسميات الترحاب والعبور عن طريق الخطوط الجوية وكذا عبر البحر.
تكثر الإحصائيات أيضاً عن تلك المبالغ الضخمة من العملة الصعبة التي يتم تحويلها.
في النشرة الإخبارية، مباشرة بعد انتهاء رمضان، ذُكر عدد ‘مائة الف مهاجر’ الذي تمكن من العبور. هذا العدد مرشح أن يتضاعف ويتضاعف في ما تبقى من أسابيع من شهر غشت هذا.
عادة ما يتم الحديث عن شهر يوليوز أو “أشهار ان سبعا” كما يسمى بالربفية، حيث تعرف موجة العبور أوجها، لكن رمضان خلط الأوراق هذه السنة وأخر الموجة.
مائة الف … تصوروها معي. إن هذا العدد الأولي يستطيع لوحده أن يملأ شوارع مدن الشمال من العرائش الى وجدة. يستطيع أن يسبب في اختناق شوارع الناضور وتطوان وطنجة والحسيمة. قادر أن يملأ السعيدية وكل شواطئ الشمال. قادر أن يملأ كل المواخير والحانات والفنادق.ويزيد من الحركة في قرى خارج الريف من الحاجب الى إموزارن وأزرو  وإفران واخريبكة.
إنه قادر أيضا أن يملأ كل فروع البنوك والمحاكم والجماعات المحلية. قادر أن يملأ مرجان والأسواق اليومية والأسبوعية ويرفع من أسعار الأسماك والدلاح والبطيخ والطماطم والبطاطس. قادر أن يستحوذ على أو يستنفذ كل اللحوم والمنتوجات المحلية من تين وعسل وعنب ولوز وهندية. قادر أن يكون مسؤولا عن امتلاء ميادين السهرات والمهرجانات وإفراغ المتاجر من ذهبها ومتاجر الملابس من فساتينها والقرى من سكانها.
بمقدور هذا العدد أيضا أن يكلف الخياط اليدوي التقليدي كل ساعات يومه. أن يكون مسؤولا عن مئات الأعراس وعدد كبير من حالات الاصطدامات وجنون السرعة على الطرق… فتتكون الصورة أو تتأكد. صورة غنى الدول الأوروبية واستفادة المهاجرين، ‘اصحاب الخارج’ منها.
إنها صور نمطية تنتشر من لسان إلى لسان وتعززها المراقبة عبر تجارب المشاهدة والحضور والمعايشة.
تكثر القصص المحلية عن هدايا المهاجرين البئيسة، عن قمصانهم التي يهدونها مقابل ما يحصلون عليه من سلال عنب وتين وهندية وكيلوغرامات عسل ولوز إضافة إلى أسابيع عمل وتقديم لخدمات مجانية لهم من طرف الساكنة المحلية.
تنتشر مثل هذه الصور وتتقوى بالتجربة اليومية، لكن ما لا نعرفه عن عدد مائة الف هذا أو أضعافه، أنه فقط جزء صغير من الكل ولا يعطي الا صورة مزيفة عن الهجرة والمهاجرين. فالغالبية العظمى لم تستطع أن تدخر طول سنة أو سنوات ذلك الغلاف المالي الذي سيمكنها من العبور واجتياز العطلة الصيفية في بلدها الأصلي.
في هولاندا وحدها ترزخ الآلاف من عائلات المهاجرين المغاربة تحت نير الديون وتعيش تحت الحد الأدنى للأجور ، بمبلغ معاشي بين 50 أورو  و 90 أورو للعائلة الواحدة في الأسبوع. إن هذه الصورة المزركشة والتي يحسد المهاجر عليها ما هي إلا در للرماد في العيون كي لا نرى تلك:
– المئات من العائلات التي تعيش على قسائم البنوك الغذائية،
– عشرات الآلاف من العائلات التي تعيش في بطالة هي الأكبر نسبة بين المجموعات الإثنية الأخرى التي تستقر في هولاندا،
– الآلاف من الشباب القابعين في السجون الهولندية والذين يزاولون في حياتهم اليومية كل أشكال الجربمة،
– الآلاف من العائلات التي وضعت تحت وصاية الدولة أو عزلت عن أطفالها عبر وضع هؤلاء في دور الخيرية أو  في مؤسسات مغلقة تابعة لوزارة العدل قصد إعادة التربية أو مجابهة أخطار تهدد سلامة الطفل وتطوره الطبيعي،
-المئات من الشابات والشباب الذين يعرضون أجسادهم لكل من دفع،
– المئات من الشباب الذي لم يجدوا من حل لمشاكلهم غير الارتماء في أحضان السلفية الجهادية…
هذا وقائمة التعداد طويلة.
إن عالم الهجرة ليس بالجنة التي نعتقدها.  إن مئات آلاف من المهاجرين العابرين الى المغرب ليقضوا أشغالا أو يتمتعوا بعطلة، يكونون صورة ملونة تحمل في نفس الوقت نقيضها عن الذين يعيشون في السواد والعتمة… ويحملون على كواهلهم أضعاف مضاعفة من معانات وبؤس…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.