مرثية ‘باريو بريرو’ في روح الشهيد جواد بنقدور

كنت في غرفتي المطلة على شارعين أساهر أوراقي وأقلامي وأحلامي. أكتب بعضا من قصائدي ومذكراتي، وأفكر في جدوى العيش وسط ركامات هذا العالم. لم تكن في غرفتي ساعة ولا بوصلة أدرك بها طريقي المجهول. أشق دربي نحو الساعة الأخيرة من الليل. 
وحين يصيح الديك في وجه أهل الحي “باريو بريرو” ويبلغهم بالصباح وبأن موعد الاستيقاظ قد حان (وهو غير أعلم بعكسية الآية) وقتها أفرش بطانيتي وأنام! ولا أستيقظ إلا بعد العصر، وفي بعض أحايين السهر أنسق ليلي بنهاري فَلَيْلِي… وأصبحت عقارب زمني تسير عكس عقارب الساعة المألوفة، وتمضي الأيام والأسابيع والأعوام
لم تكن هذه عادتي وحيدا، وما فكرت يوما في تأميمها لنفسي، بقدر ما يمكن لي القول بأنها ملك عام لأبناء الحي أجمعين، أبناء الحي الذين فشلوا في إيجاد عمل يسددون بأجرته حاجياتهم اليومية. 
ولولا أزقة الحي لما وجدوا من يأويهم، حيث يتجاذبون في أركانها أطراف الحديث حتى آخر الليل، ولا يخلو حديثهم من السب والقذف (مع سبق الإصرار والترصد) في حق مسؤولي هذا الوطن. فمجموعة تملأ فوهات “السباسي” (جمع السبسي)، وأخرى تلف الحشيش في السيجارة. 
يقتسمون فيما بينهم ذرات أحلام تراودهم أينما حلوا أو ارتحلوا، حالمين بمستقبل من “خمسة نجوم” يخفف عنهم وطأة الأزمات التي تلاحقهم في عزلتهم، ولا ينهضون من على الرصيف المفترش بالكرطون حتى يشل القنب الهندي جميع حركاتهم.
هي ذا الحقيقة، وهي ذا الحياة التي نتقاسم فيما بيننا أفراحها وأحزانها، سعادتها وشقاوتها، خيرها وشرها، جنتها وجحيمها… فماذا لو جمعت عنا لأسبوع أو لشهر واحد أحزانها وشقاوتها وشرها وجحيمها؟ هو في جوهره سؤال صعب، لكن الإجابة عليه تبدو أصعب.
من حسن حظي أو سوئه، مادام الحسن والسوء في وطني الجريح سيان، أنني لم أكن نسخة طبق الأصل لصورتهم، وذلك بعدم إدماني على السيجارة أو على العشبة الخضراء ككل، غير إدماني على الأوراق والأقلام منذ نعومة أظافري، وبمشاكلي يوم كبرت قروني!…
وكنت إذا شرعت في الكتابة لا أفكر في مغادرة غرفتي. وقد وجدتني ذات يوم متعجبا من أمري، إذ كيف لي أنا الذي يقضي مع الكتابة والتدوين أكثر من خمس ساعات، هل ليس لي عملا أقضيه؟ وهل أنا أبله إلى هذه الدرجة حتى أخصص للكتابة ما لم أخصصه لما يهمني؟… كانت الأسئلة تصارعني وحين أفشل في إيجاد أجوبة لها أقصد نافذة غرفتي لأريح ذهني. 
وكنت حينما أطل من تلك النافذة أجد مجموعة من الشباب مجتمعين في الركن المقابل لغرفتي، ولم يكن بين الشباب غير الصديق الشهيد “جواد بنقدور” الذي استشهد في كوميسارية الحسيمة ليلة 20 فبراير 2011 بعدما اعتقلته الأجهزة المخزنية القمعية من إحدى أزقة المدينة، ليتم حرقه في وكالة بنكية بمعية أربعة شبان آخرين استشهدوا في نفس اليوم وبنفس المكان بعدما تعرضوا للتعذيب على يد جلادي المطالبين بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية… وكان الشهيد “جواد بنقدور” إذا رآني أطل عليهم يطلب مني أن أمدهم بقنينة ماء ليشرب هو وأصدقاؤه الذين غالبا ما يتواجدون معه في ذلك الركن الهادئ… وهكذا فكلما أطلت من نافذة غرفتي أجده ينتظرني لأمده بقنينة ماء.
في ليلة 18 فبراير 2011، وبينما كنت عائدا إلى منزلي، وجدت جواد جالسا على رصيف في ركن يتقاطع فيه شارعي إفني والأطلس المتواجدان بحي “باريو بريرو” هو وأخوه “شكري بنقدور” وصديقه “فكري”. حييتهم من بعيد. وبينما كنت أقصد منزلي.
دعاني لأشاركهم الحديث. وجدته يستمع إلى قصيدة ”التيليفزيون” الساخرة للشاعر الساخر “فريد ثزارين ناريف”، وتجسد هذه القصيدة معاناة الشعب المغربي في قالب فكاهي وبمعاني لا يدركها غير عشاق المعاني، واعتبرت التلفزة المغربية منتجة للتكرار، ونعتتها القصيدة في أبيات منها بالصم والبكم والعمي، كما تطرقت إلى مجموعة من المواضيع من قبيل الحكم الفردي والسياسية الداعية إلى إقصاء الأمازيغية و… وحيث أنني أنهج أسلوب فريد ثزارين في التعبير عن بعض المعاناة والمشاكل التي تتخبط واقعنا، فقد كان “جواد بنقدور” يقول لي بين الفينة والأخرى: “هذه القصيدة رائعة. أطلب منك أن تكتب قصيدة مثل ”التيليفزيون”، مع تشحينها بالمعاني، حتى تستطيع اكتساب الجمهور“.
وبدوري فقد كنت بين الفينة والأخرى أعده بأنه سيستمع ذات يوم إلى قصيدة سأشحنها بما لم يقال في تاريخ الشعر بالريف. ذهب بنا الحديث إلى أبعد ما كنا نتصوره فتحدثنا عن الحكم الفردي بالبلاد، وعن فصل السلط، وكذا التوزيع الغير العادل للثروات… وعلى الساعة الثالثة ليلا انصرف كل واحد منا إلى حال سبيله، بعدما أطل علينا أحد الجيران ورَجَانَا أن نتحدث بهدوء، ولم يكن هذا الذي يتحدث بصوت مرتفع سواي! فحرمت نفسي من الاستماع إلى صوته الهادئ. وكان هذا آخر لقاء بيننا
فها أنذا أيها الشهيد أخط هذه الحروف من نفس الغرفة التي كنت أمدك منها بالماء. أطل من نافذتها، أترقب رؤيتك لتلوح لي بأناملك الذهبية ولتقول لي بصوتك البريء: “مد لي قنينة ماء“.
آه يا جواد، كم قنينة ماء أمدك بها؟
فلو كنت على علم بأنهم سيحرقون جثتك الهامدة، وأنا الذي كنت لحظتها ساهرا أنتظرك، لأخذت معي كل القنينات التي بمنزلي فأملأها بالماء لأحمي جسدك من النيران التي نشبت فيه بعدما سلمت الروح للذي خلقها.
جواد” رحلت صامتا ولم تودعنا بتحية الوداع الأخير.
جواد” ها أنت ذا راحل قبل أن تستمع إلى القصيدة التي وعدتك بها، فقسما بدمك أيها الشهيد أن تلك القصيدة لن تكون سوى مرثيتي في روحك الطاهرة، واستعد لتسمعها.
واستعد، فإنها ستكون أكثر من تلك التي كنت قد اقترحتها علي، ولن يسع الكون لمعانيها، فالمعنى أيها الشهيد لا يمكن أن يكون بغير ما استشهدت في سبيله
وداعا أيها المقاتل الذي لم يستودع السلاح بعد. فأهلك الشرفاء عازمون على اتباع خطاك لملاقاتك. وقل للذين آمنوا: “من يكرم الشهيد يتبع خطاه“. 

jawade

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.