مرة أخرى يضرب الإرهاب بقوة

  مرة أخرى يضرب الإرهاب بقوة. مرة أخرى يعلو صوت الحقد، ويشحذ سيفه المتعطش للدماء، ليزرع مزيدا من الرعب والشك في النفوس. يحدث هذا أياما قليلة فقط قبل بداية سنة جديدة يستقبلها العالم كما هي العادة دائما بالأماني والمتمنيات، لكن يبدو أن الأماني لا تصل إلى مستوى الوقائع، فحلمنا بالحب والخير والسلام وكل القيم الإنسانية النبيلة يواجهها أعداء الإنسانية في كل مرة.
من المؤكد أن الإرهاب لا وطن ولا دين له. فالحقد الأعمى لا يعترف بالحدود الجغرافية ولا يرتبط بثقافة دون أخرى. لكنه أصبح منذ بداية الألفية الجديدة بالخصوص مرادفا للإسلام والمسلمين. وذلك بالنظر إلى حجم العمليات الإرهابية التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، والتي نفذها مسلمون في مناطق مختلفة. وما حدث في سيدني الأسترالية، وخصوصا في بيشاور الباكستانية هذا الأسبوع يثبت أن الإرهاب والتطرف الديني هما الخطران اللذان يتهددان الأمن والسلم في العالم بالدرجة الأولى. فأي قيم هذه التي تسمح باحتجاز أشخاص أبرياء وترهيبهم بدون أي سبب سوى أنهم تواجدوا في المكان والزمان الخاطئين؟. أي دين هذا الذي يقبل أن يقتل أطفال في عمر الزهور، وهم في فصول الدراسة؟. حقا يعجز العقل عن فهم مثل هذا السلوك الإجرامي الذي ترفضه كل الشرائع والقوانين والأنظمة، وينفر منه كل ذي منطق سليم.

  الأكيد أن تلبيس الإسلام وزر هذا الجنون القاتل يعد تجنيا على حقيقة هذا الدين، لكن المسلمين أنفسهم هم الذين اختاروا صورة الإسلام الدموي والمرعب بدل صورة الإسلام المسالم والطيب. هؤلاء الذين يقدمون أنفسهم ناطقين باسم الإسلام، ويمارسون وصايتهم بالتكفير والترهيب والقتل، إنما يستهدفون الإسلام والمسلمين، وكل من يعتقد أن الأمر لا يهمه، أو يسكت عن ما يجري عن وعي أو عن غير وعي، أو يبرر ثقافة الإرهاب ويشرعنها، أو يمارسها عمليا… كل هؤلاء إذن متواطئون ومشتركون في جريمة الإساءة إلى الإسلام. ولا معنى لأن نظل دائما في موقف الدفاع ونحاول أن نبرئ هذا الدين من التهم التي ألصقها به الإرهاب الأعمى، لأن كل المحامين في العالم لن ينجحوا في تبرئته أمام الضمير الإنساني مادام صوت الإرهاب يصدح عاليا في كل مكان، بل يجد له أصداء عند كثير من المسلمين سواء عبر الصمت أو البحث عن مبررات لهذا السلوك العدواني والوحشي.
لم يكن تنظيم القاعدة موضة عابرة ولا سلوكا منعزلا، فقد تراجع خطر التنظيم بشكل كبير منذ مقتل زعيمه أسامة بن لادن، لكن نهاية الرجل لا تعني نهاية الإرهاب، فقد تناسلت الجماعات الإسلامية ” الجهادية” ونبتت كالفطر في كل مناطق العالم الإسلامي. والمجزرة التي نفذها ” طالبان باكستان” داخل مدرسة في مدينة بيشاور، وراح ضحيتها أكثر من مئة وأربعين شخصا أغلبهم أطفال، تعبر عن وحشية وسادية هؤلاء الذين أقحموا الأطفال الأبرياء في تصفية حسابات سياسية وعسكرية مع النظام الباكستاني. وواضح أن صناعة الموت بهذه الطريقة ليست سلوكا منعزلا، بل هي ثقافة فرضت نفسها على تفكير كثير من المسلمين. وهي تلقى قبولا غريبا في الشارع الإسلامي على العموم، فنحن لا نمل من اتهام الآخرين بكراهيتنا واستهدافنا، لكننا لا نكلف أنفسنا حتى عناء التنديد والإستنكار عندما يخرج مارد الإرهاب ” الإسلامي” من قمقمه بين حين وآخر.

  وإذا كانت المقاربة الأمنية ضرورية للحد من مخاطر هذه الظاهرة، فإن الأمر يتطلب مقاربات جديدة وجدية، لأن موضوع الإرهاب تجاوز مستوى الفعل الذي ينسب إلى أشخاص منعزلين أو جماعات متطرفة، وأصبح ثقافة حقيقية تتغذى على الأزمات وتضرب الأمن وتهدد الحريات، وهي تتخفى خلف شعارات الصحوة الدينية مختزلة الإيمان الروحي في مشاريع الجهاد الإنتحاري وأدبيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة شرع الله في الأرض.
إن خطر الإرهاب يمثل تحديا حقيقيا للمسلمين أنفسهم قبل أن يكون مصدر قلق لدول العالم. ولا يمكن للمسلمين أن يحظوا باحترام غيرهم، إذا كان صوت التفجيرات هو الذي يراد له أن يتردد في كل مكان. ولابد للمسلمين أن يعبروا عن موقف واضح ورافض لثقافة الإرهاب بكل أشكالها، وأن ينخرطوا في حضارة الحداثة بمعناها التنويري المؤسس على مركزية حقوق الإنسان وكونيتها. وذلك هو دور الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام في كل دول العالم الإسلامي

التعليقات مغلقة.