مرافعة أحمد الزفزافي أمام البرلمان الأوربي دعما لترشيح نجله ناصر لجائزة سخاروف

ننشر فيما يأتي نص الكلمة التي ألقاها أحمد الزفزافي أمام البرلمان الاوربي لاقناع أعضائه بالتصويت لناصر لنيل جائزة ساخاروف التي يتنافس عليها مع 8 مرشحين اخرين، يفترض أن يتقلص عددهم إلى 3 بعد تصويت الشهر المقبل.

نص كلمة الزفزافي:

فــي بـدايــة الـحـديــث ومــن لـبـاقـتــه، بـاســمي وباسم جـمـعـيــة “ثـافــرا للوفاء والتضامن” لـعـائــلات مـعـتـقـلــي الـحــراك الـشـعـبــي بـالـريــف، أنـحـنــي أمـامـكــم احـتـرامــا كـنــواب الـبـرلـمــان الأوروبــي، لـمــا لامـسـنــاه فـيـكــم مــن مـسـانــدة الـمـسـتـضـعـفـيــن فــي الأرض وضـمـنـهــم “نـاصــر الـزفـزافــي” الـمـحـكــوم بعشرين سـنــة سـجـنــا نافذا والـقـابــع بـالـسـجــن الـمـحـلــي بـالـدار الـبـيـضــاء بـالـمـغــرب، كـمــا أشـكــر سـيــدات وســادة الـحـضــور.
سـيـداتــي سـادتــي الـنــواب الأفـاضــل، لـســت أدري كـيــف أبــدأ الـحـديــث؟ هل بـالأمــل أم بـالألــم سأتحدث عــن الموضوع الذي نحن بصدده هنا؟ كيف يمكن الحديث عن الريف؟ تلك المنطقة الجغرافية من المغرب التي تعرضت لنوائب تاريخية عديدة، حاصرتها بطريقة براغماتية داخل كبسولة الزمن لتبقى خارج التاريخ. إلا أن المنطقة بطبيعة أهلها وإكراهات الواقع تحولت إلى مدرسة تلقن دروسا في المقاومة كما كان الشأن في عشرينيات القرن الماضي، كما تحولت مؤخرا إلى مدرسة للنضال المدني السلمي مع الحراك الشعبي بالريف الذي فجره حادث طحن شهيد الكرامة محسن فكري، مساء يوم 28 أكتوبر 2016. ذلك الحراك الذي قاد نشطاؤه وناشطاته وعلى رأسهم ناصر الزفزافي، مسيرات ووقفات سلمية حاشدة تميزت بحمل الورود والشموع وبإبداع أشكال نضالية فنية وحضارية راقية، على امتداد سبعة أشهر، دون إراقة قطرة دم أو إحراق أو تكسير أي شيء؛ بل إن أبناءنا كانوا يحرصون بأنفسهم على حماية المؤسسات العمومية ومخافر الشرطة بسلاسل بشرية. وقد صاغ نشطاء الحراك بشكل ديموقراطي ملفا مطلبيا ذا طبيعة إقتصادية واجتماعية وتاريخية وثقافية وبيئية يتسم بالواقعية والمصداقية، وجعلوه مرتكز نضالاتهم.
سيداتي سادتي الآفـاضــل، مــن مـوقــع الـمـسـؤولـيــة الأخـلاقـيــة، أتـحـمــل أمـانــة الـحـديــث، لـلـقــول بــأن الـريــف عــاش نـكـبــة مـنذ انتفاضة 1959/1958، بـسـبــب المـجــازر الجـمـاعـيــة الـتــي تـركــت نـدوبــا غـائــرة لــم تـنـدمــل إلــى حــدود الـيــوم، لـيـتــم تـكرارهــا حـالـيــا عـنـدمــا لـجــأت الـدولــة إلــى الإفــراط فــي اسـتـعـمــال الـقــوة بـالـقـمــع والـعـنــف ضــد سكان الـريــف لـفــض الـمـسـيــرات والـوقـفــات الـسـلـمـيــة الـتــي كــان يـنــادي بـهــا نـشـطــاء الـحــراك، وعـلــى رأسـهــم “نـاصــر الـزفـزافــي”، من أجل تحقيق ملفهم المطلبي. وانسجاما مع المـقـاربــة الأمـنـيــة القمعية التي نهجتها الدولة مع الـريــف عـبــر الـتـاريــخ، فقد تـعـمــدت إيـفــاد الآلاف مــن الـقــوات الـعـمـومـيــة بـمـخـتـلــف تـلاويـنـهــا إلــى مـديـنــة الـحـسـيـمــة لـغــرض الـتـرويــع والـتـرهـيــب وضرب حراك الريف السلمي الذي التف حوله الناس بشكل منقطع النظير؛ بــدءا بـمـداهـمــة بـيــت “نـاصــر الـزفـزافــي” عبر تكسير بــابه الـخـارجــي، ثــم مـداهـمــة الـمـنــازل فــي عـمــوم الـريــف، وما رافق ذلك من إخـتـطـافــات واعتقالات للمواطنين، ليلا وفِي واضحة النهار، من غــرف الـنــوم ومقرات العمل والـمـقـاهــي وسـيــارات الأجــرة والأمـاكــن الـعـامــة والـشــوارع، ولــم تـسـلــم مــن الـقـمــع الـمـمـنـهــج حـتــى الـنـســاء والـصـبـيــة والعجرة وذوي الإحتياجات الخاصة. وقد تـعــرض الـمـعـتـقـلـون لجـمـيــع أنــواع الـتـعـذيــب الـجـســدي والـلـفـظــي والـمـعـنــوي أثـنــاء الإعـتـقــال وفــي مـخـافــر الـشـرطــة، وهو ما تـؤكــده مـعـطـيــات مـدعـومــة بـمـسـتـنــدات مـوثـوقــة وشـهــادات نـاطـقــة (الـتـقـريــر الـطـبــي لــدى الـمـجـلــس الـوطـنــي لـحـقــوق الإنـســان)، لا لـشــيء إلا لأن أبناءنا إحتجوا عـلــى تـهـمـيــش الـريــف وتـفـقـيــره وتهجير أبنائه بــدل إنجاز الـمـشـاريــع الـتـنـمـويــة المعلن عنها ( حالة مشاريع الحسيمة منارة المتوسط نموذجا). كأن الريف قدره ألا ينال من الدولة غير الـقـمــع والحصار والتهميش الذي يدفع أبناءنا لركوب قوارب الموت نحو المجهول. والـمـؤكــد لا يـحـتــاج إلــى تـأكـيــد، وفــي عـلــم الـنـفــس، أن الـجـاهــل دائـمــا مــع الإخـتـيــار الـغـلــط، والأخـطــر عـنـدمــا يـسـايــر ذلــك مــن هــم فــي مـسـتــوى الـمـسـؤولـيــة، لأن الـواجــب عـلـيـهــم فـهــم الأشـيــاء بـصورتـهــا الـطـبـوغـرافـيــة الـتـركـيـبـيــة، ولـيــس بـالـشـكــل الـمـتـنـاثــر.
سـيـداتــي سـادتــي مـمـثـلــي الأمــم الأوروبـيــة، بـقــي الـريــف مـنــذ عـقــود يـعـيــش تـحـديــات مـسـتـقـبـلـيــة وأزمة خانقة، رغم الوعود الرسمية، إلــى غـايــة 28 أكـتـوبــر 2016 عـنـدمــا تم سـحــق بـائــع الـسـمــك مـحـســن فـكــري فــي شـاحـنــة طـحــن الـنـفـايــات، لـيـنـبـثــق عن ذلــك الحــراك الشـعـبــي بالـريــف بملفه المطلبي وبأشكاله الإحتجاجية السلمية والحضارية. وكانت المشاركة الفاعلة والقوية للمرأة في مختلف المحطات النضالية للحراك أبرز العلامات المميزة له والضامنة لسلميته وتجذره في الوجدان المجتمعي والإنساني. كما أن من حسنات هذا الـحــراك الذي سرعان ما امتد إلى مختلف الدول الأوروبية حيث يعيش المهجَّرون من أصول ريفية: إحياء قيم التضامن والإتحاد حول الحق بين الريفييين أينما وجدوا، اخـتـفــاء حــالات الإنـتـحــار والـهـجــرة الـسـريــة والتورط في الـعـمـلـيــات الإرهـابـيــة من طرف الريفيين بالداخل والخارج. والسر في ذلك أن أهــل الـريــف أخيرا وجــدوا ذواتهم فــي مـبـادئ الـحــراك وقيمه ومطالبه، منذ أن بــدأت الـهـتـافــات الشعبية تطالب وراء ناصر الزفزافي بـجـامـعــة ومـسـتـشـفــى لـلـسـرطــان وبالطرقات وفــرص الـشـغــل ومحاربة الفساد والحگرة … لـيـتـحــول إلــى أيـقـونــة الحراك، وهو الــذي كــان يـدعــو دائـمــا إلــى الـسـلـمـيــة ثــم الـسـلـمـيــة ثــم الـسـلـمـيــة كاستراتيجية نضالية ضابطة لحراك الريف.

سـيـداتــي سـادتــي الـنــواب، مــادام الـشــيء بـالـشــيء يُـذكـِّـر سأتـطــرق إلــى ظاهرة “نـاصــر الـزفـزافــي”، هــذا الـشــاب الــذي كــان يـقــود الـحــراك فــي عـمــوم الـريــف مـطـالـبــا بـالـديـمـقـراطـيــة والـحـريــة وظــروف الـعـيــش الـكـريــم كـمــا هــي مـسـطــرة فــي الإعــلان الـعـالـمــي لـحـقــوق الإنـســان والمواثيق والمعاهدات الدولية المرفقة به، وانـتـظــر الـجـمـيــع لسـبـعــة أشـهــر فــي الـشــارع جــواب الـدولــة ليأتي جوابا أمـنـيــا كالعادة لكن أكثر قسوة وتنكيلا. من سماته الأليمة: مـداهـمــة بـيــت “نـاصــر الـزفـزافــي” ثــم اخـتـطـافه مــن شـاطــئ الـبـحــر، لـيـتـعــرض لأبـشــع أنــواع الـتـعـذيــب كالإغـتـصــاب بــأدوات خـشـبـيــة وجــش الرأس نـتــج عنه نـزيــف حــاد أدخلت ناصر في غيبوبة داخــل الـمـروحـيــة الـتــي أُختُطِف بـواسـطـتـهــا مــن الـحـسـيـمــة إلــى الـدار الـبـيـضــاء، على بعد 620 كـيـلـومـتــر، حـيــث مـقــر الـفـرقــة الـوطـنـيــة للضابطة القضائية. وقد جـيــئ بــه مـغـطــى الــرأس بـقـمــاش عـفــن، كما تم إدخــال جــوارب نـتـنــة فــي فـمــه أثـنــاء الـتـعـذيــب. وفــي مـقــر الـفـرقــة الـوطـنـيــة للضابطة القضائية أُنـجِــز لــه مـحـضــر لا يـمــت لـلـحـقـيـقــة بـصـلــة، هــذا بـشـهــادة كــل رفـاقــه الـمـعـتـقـلـيــن أمــام الـمـحـكـمــة. وفِي السجن وضــع فــي زنـزانــة انـفـراديــة ضـيـقــة جــدا لـمــدة سـنــة وثـلاثــة أشـهــر، لـيـنـقـطــع عــن الـعـالــم الـخـارجــي بـالـمـطـلــق، ومـنـعــت عـلـيــه الـزيــارة إلا من والـديــه وأخـيــه. والـمـسـتـغــرب لــه هـنــا أن صـمــت الـمـسـؤولـيــن الـمـعـنـيـيــن كــان بـحـجــم الـمـؤامــرة، لإغــلاق الـدائــرة عـلــى الـجـمـيــع ووضــع الـمـقـصــود فــي دائــرة الإسـتـهــداف لـلـبـطــش بــه بـعــد أن يـنـهــار جـسـديــا ومـعـنـويــا ونـفـسـيــا، كي يـكــون عـبــرة لـلآخـريــن.
ثــم أحـيــل عـلــى مـحـاكـمــة صـوريــة بـدلـيــل أنــها أصــدرت فــي حـقــه حـكــما جـائــرا: 20 سـنــة سـجـنــا نافذا، مــع الـعـلــم أن مـلــف الإدعــاء فــارغ المضمون، ولــم يـجــد الذين أصدروا ذلك الحكم الباطل عليه وعلى رفاقه من تـعـلـيــل له إلا تـهـمــة واهية وخيالية: الإنـفـصــال وتـهـديــد أمــن الـدولــة. وإلــى حــدود الـيــوم مــازال “نـاصــر الـزفـزافــي” يـقـبــع فــي مـعـتـقـلــه، وفِي نفس السجن الذي يوجد فيه وفِي أكثر من خمسة عشرة سجنا مشتتين على جغرافية المغرب يوجد ما يناهز مائتي معتقل على خلفية حراك الريف، كلهم محكومون بأحكام قاسية تصل عشرين سجنا نافذا، ومن بين أولئك المعتقلين معتقلون أحداث حُرّموا من طفولتهم ومن متابعة دراستهم. وهناك أيضا مجموعة من النساء تعرضن للإعتقال ويتابعن قضائيا في حالة سراح بسبب إنخراطهن في الحراك.
وكـمــا يـقــال إذا غــاب الـعــدل عــم الـظــلام، ولـكــن لــدي تـســاؤل هــل مــن يـنــادي فــي الـقــرن الواحد والعشرين وفــي سـنــة 2018 بـمـسـتـشـفــى لـيـعـالــج والـدتــه الـمـريـضــة بـالـسـرطــان، وجـامـعــة ليتمكن أبناء وبنات المنطقة من متابعة دراستهم العليا، وببـعــض فــرص الـشـغــل، يـكــون مـصـيــره هو عشرين سـنــة سـجـنــا نافذا؟، فـعـجـبــا لـلـوطــن الــذي يـسـجــن مـواطـنــا رشـحـتــه أوروبــا لـنـيــل جـائــزة سـاخــاروف2018 لـحـريــة الـفـكــر!! أيــة مـعـادلــة هـاتــه؟
ولـلإشــارة، فإنـه وبـسـبــب احـتـقــان الـوضــع فــي الـريــف نتيجة الحصار وحملة الإعـتـقــالات العشوائية وبـالـجـمـلــة، فقد عاد شبح الهجرة من جديد ليدفع بالآلاف من شباب الريف للمخاطرة بحياتهم غرقا في البحر هروبا من الإعتقال والقمع والبطالة وانسداد الآفاق. وهـنــا تـتـجـلــى قيمة وأهمية رهانات “نـاصــر الـزفـزافــي” والحراك الشعبي بالريف الذي ارتبط به إسمه وطـنـيــا ودولـيــا.
أيـهــا الـسـيــدات والـســادة الـكــرام فــي الـبـرلـمــان الأوروبــي، إن أمـلـنــا فـيـكــم كبير لـلـعـمــل على تحقيق حلم سـكــان الـريــف خـاصــة والـمـغــرب عـامــة وكل أحرار وحرائر العالم بنـيــل “نـاصــر الـزفـزافــي” جـائــزة سـاخــاروف لحرية الفكر، وذلك عبر التصويت عليه.
وندعو سيادتكم، مرة أخرى، التصويت لصالح “نـاصــر الـزفـزافــي” لنيل تلك الجائزة، لأنكم بذلك تساهمون في:
1- تسريع عملية إطلاق سراح ناصر الزفزافي وكل معتقلي حراك الريف ومعتقلي الرأي بالمغرب، خاصة وأن الأحكام التي صدرت في حق أبرز نشطاء حراك الريف ظالمة، تتراوح ما بين خمس سنوات وعشرة سنوات وخمسة عشر سنة وعشرين سنة سجنا نافذا. والأكيد أن إطلاق سراح معتقلي حراك الريف وكل الحراكات الإحتجاجية السلمية بالمغرب سيساهم إلى حد كبير في ترسيخ إحترام حقوق الإنسان بالمغرب ودعم الديموقراطية فيه.
2- المساهمة في إعطاء المزيد من الأهمية لمنطقة الريف، عبر إحداث تنمية مستدامة حقيقية بالمنطقة تضمن إستقرار أبناءها فيها، وهو ما من شأنه أن يثنيهم عن الهجرة إلى أوروبا والإنخراط في موجات التطرف والإرهاب التي تجتاح العالم.
وأخـتــم الـحـديــث بـمــا تـنـاقـلـتــه وسـائــل الـتـواصــل الإجـتـمـاعــي عـبــر الـعـالــم من كـلـمــات بـعــث بـهــا “نـاصــر الـزفـزافــي” مــن الـمـعـتـقــل: “أحـلــم أن أسـتـيـقــظ يـومــا مــن الـنــوم، لأجــد كــل الأوطــان قــد أصـبـحــت وطـنــا واحــدا بــلا حــدود، يـتـعـايــش فـيــه الـنــاس جـمـيـعــا بـمـخـتـلــف أعـراقـهــم وألـوانـهــم وألـسـنـتـهــم، وأن تـتـمـتــع الـبـشـريــة جـمـعــاء بـكـافــة الـحـقــوق الإنـسـانـيــة، وتـنـتـهــي الـحــروب لـتـصـبــح مـجــرد ذكــرى عـابــرة” نـاصــر الـزفـزافــي وشـكــرا.

التوقيع السيد أحمد الزفزافي رئيس جمعية ثافرا للوفاء والتضامن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.