مذكرات: ما معنى أن تكون يسارياً في زمانٍ كزماني ومكانٍ كمكاني….؟؟؟ (1)

سعيد تيركيت

الحلقة الأولى:
هي محاولة كتابة سيرة ذاتية غير مكتملة : لا مكان فيها للندم على شيء أو للتباهي بأي شيء، إنّما تسعى للبحث في العلاقة بين الحدث والنظرية والممارسة، والتأثيرات المتبادلة بينها جميعاً. لعلّني أساهم في توثيق تجربة، إذا ما اكتملت، و عساها تفيد الساعين لبناء  نخبة يسارٍ ية مغربية، اخترقها “المخزن”، تارة بالعصا و تارة بفتات موائده….

أصبحتُ يسارياً في زمن هزيمة اليسار، هزيمته المغربية وهزيمته العالمية. كان يتملّكني شعورٌ هو مزيجٌ من الحنين إلى شيء لا أعرفه وزمن لم أعشه، ومن الرغبة في الثأر لجيلٍ مهزوم. رغبة كانت دائماً ممزوجةً بالخوف من التحوّل إلى كاريكاتير، من أن أصبح المثال الحيّ لمقولة التاريخ الذي يعيد نفسه، في المرّة الأولى كمأساة، وفي المرّة الثانية كمهزلة.

لم أشارك في حراك الشارع أيام 20 فبراير، ولم أمجّد الثورة الثقافية الصينية، ولم أكتشف فظائع الهوتو و التوتسي. لكنّي رأيتُ وشهدتُ كيف تحوّلت المقاومة إلى احتلال، وكيف تحوّلت العلمانية إلى قناعٍ طائفي، وكيف تحوّلت الإسلاموفوبيا من خطاب المحافظين الجُدد إلى خطاب اليسار، وكيف تحوّلت الحركات المناهضة للحروب إلى حركات مؤيّدة لحروب تنصر الديكتاتوريات، وكيف تحوّل العداء للإمبريالية عداءاً للشعوب، وكيف تحوّلت البوستكولونيالية أداةً للتعمية على كلّ قمع ليست الكولونيالية مصدره.

لكني كنت شاهدا عن حرب الصحراء، عن صراع الكتلة،  عن تناطح حقوقي زائد، عن رشاوي المصالحة، و عن عهد جديد، تفنن الاعلام بتجادباته، باعطاء صورة وردية له، عن صراع الحداثة و الرجعية في المساواة حول حقوق المرأة،  كنت شاهدا على خذلان حكومة التوافقات و الشبهات، و كيف نفضت يدها من الوزير سعيد السعدي وخطته، و كيف اغتنى “الرفاق” و نهب الإشتراكيون الجدد.. كيف طبقوا خيانة شعب تحت شعار حقوق الانسان و المصالحة مع سنوات الجمر و الرصاص…وووووو…

أين تكمنُ بذور تلك التحوّلات ولماذا تمكّنت من صدمي؟ هل هي تناقضات تلك المصطلحات نفسها، أم تناقضات اليساريّ الذي كنتُه في كلّ مرحلة من حياتي، وقد انفجرت دفعةً واحدة في وجهي؟ كيف لم أنتبه من قبل أنّ ما دافعتُ عنه يوماً باسم يساريّتي التحديثية، عدتُ وهاجمتُه بعد عشر سنوات باسم يساريّتي أيضاً، وقد باتت بوستكولونيالية؟ هل جازفتُ حين صدّقتُ ذاك الأستاذ الذي أقنعني أنّه يمكنني أن أضعَ جدّتي وغرامشي في سرير واحد؟ هل الثورة السورية، او الاطاحة بملك الملوك، و بطريقة مهينة، أو الثورة المضادة في مصر… ؟؟؟  من ساهموا في قلب الأولويات عندي؟ هل هو الدم المسفوك في الهوامش التي لا يريد أحدٌ أن يراها أو أن يسمع صوتها؟

أعرفُ أنّ هذه التساؤلات سترافقني طويلاً، ما دمتُ لا أجدُ معنىً لحياتي إن لم أكنْ «رفيقاً». لكنّي أعرف أيضاً أنّي، تماماً انني اشبه محمد شكري، وأصبتُ بعدوى الأدب قبل السياسة. فمنذ أن كنتُ أهرب من صفوف القسم لأقرأ للمهدي عامر، ومنذ أن كنت أهرب من ميعاد مراهقة  لأقرأ  جان جاك روسو، بات الحلم بـ«المسيرة الكبرى» يختلط في ذهني بمزيجٌ من «وداعاً لينين»، ومن محمود درويش يلقي قصيدة «مديح الظلّ العالي» بعد اجتياح بيروت، ومن تشي غيفارا يخطب و يتوعد الامبريالية من كوبا و من خاصرتها، قبل أن يغنّي سعيد المغربي على عبد الكريم الخطابي أغنيته الشهيرة:

تحت نير الاستعمار
وفي نير القهر والعار
صرخ عبد الكريم
نهض جيش الثوار
كان جيش الشعب الأول
ألهب الريف الأحمر….

وتطلقَ ليلى المغربي ابتسامتها الواثقة من بعيد، و هي تخطف الطائرات، و الغرب راكع يرتعد من نتائج عمليات المقاومة،  على الطريقة “التروتسكية”….
كلّما عادت، تلك الصور و الاحدات، وتكثّفت في رأسي، عدتُ إلى اليوتيوب لأشاهد للمرّة الألف فيديو ذاك الرجل المتسكّع في أحد شوارع تونس يهتف وحيداً: «هرمنا من أجل هاته اللحظة … هرمنا.. هرمنا..».

غنيت مع سعيد المغربي كأقراني.. سعيد الذي حمل  مشعل الثورة على الزمن الهارب إلا من الرداءة والقيم الفاسدة التي تمجد الخنوع والوعي المستلب ،و هو الذي كان مطاردا،ممنوعا ، ورغم ذلك بقي حاضرا ،لم يكل ولم يمل ، وكان دائما يصرخ ضد الوضع وضد الموت بأغانيه وبالأغنية التي كتبها الشاعر الفلسطيني معين بسيسو
نعم لن نموت …….ولكننا سنقتلع الموت من أرضنا
نعم لن نموت ……ولكننا سنقتلع القمع من أرضنا
نعم لن نموت
نعم سوف نحيا
ولو أكل القيد من عرضنا

لا أذكرُ كيف أصبحتُ يسارياً. أفكّرُ أحياناً أنّي لم أصبح. وجدتُ نفسي منتمياً إلى هذا العالم بشكلٍ تلقائي، كمن يحقّق نبوءات العرّافين. كانت هناك في  البيت مجموعة كتب لماركس، انجلز، لينين.. لكنّي لم ألمسها يوماً. وهي لم تدخل بيتنا إلا لأنّ أغلفتها الحمراء تُلائم ألوان ألوان موضة العصر التي ابتلي بها أخي الأكبر ، أولا،..  على الأقلّ هذا ما تدّعيه أمّي التي لا توقظ فيها كلمة «شيوعية» إلا واحدةً من  الكفر و الإلحاد، و وجع الفراق و الاعتقال و التنكيل.. حين كان رجال الأمن، بمختلف ألوانهم و مراكزهم، يطرقون الأبواب، بمساعدة جيش من المخبرين يتقدمهم المقدمين والشيوخ، على امتداد رقعة الوطن، بحثاً عن شيوعيّين، متهمون بالزندقة و الكفر، و عدم اطاعة ولي الامر، و التشكيك في “مغربية الصحراء” وأنهم عملاء للجزائر و مرتزقتها.. كان الحكم على من اعتقل معروفا لدى العامة، لمزيد من الخوف و التبليغ عن كل مشتبه..  يُقال لاحقاً  ان الاعدام،  مصير كل متعاون..

لم أقرأ لينين، لكنّي قرأت محمود درويش، واستمعتُ كثيراً لقصص المناضلين الثورين عبر بقاع العالم من طرف اناس كثر، وعلى رأسهم بعض اساتذتي في الإعدادي… و الذين شكلوا  و زرعوا أولى لبنات بدرة السؤال و هوس النضال…

شكل محمود درويش «سجِّل أنا عربي» نافذتي الأولى إلى فلسطين… عندما كتب القصيدة، ذات مساء ثلاتاء، استاذي في الرياضيات على السبورة، بدل المعادلات و المسائل.. كان الاستاذ نور الدين -اللاجئ الآن في بريطانيا، و الذي سأعود لحكايته لاحقا، و موقفي منه-  مبتسما و هو يقول لنا: اليوم سنكتفي من الارقام، و نبدلها بالحروف… اليوم سيكون مغايرا لكم لتستريحوا قليلا، و نتعلم أشياء جديدة تكون لكم سندا في أوقات فراغكم، حتى لا تنهككم العمليات الرياضية… و طرح سؤالا عاما.. ما هي هوايتكم.. كل واحد منا اخذ يدلي بهوايته.. و كان القاسم المشترك هو الرياضة و المطالعة…
استغل الاستاذ ذكر المطالعة ، على ألسن التلاميذ وشرع في حثهم على ذكر عناوين الكتب و أسماء كتابها…  فما كان الا أسماء الادباء الكلاسيكين، تؤثت فضاء القسم.. طه حسين، العقاد، قاسم امين، المتنبي، ابو نواس،  المعري… و هي بالمناسبة كانت عندنا في المقرر الدراسي…

ما زلت اتذكر، ذلك اليوم التاريخي، و كأنه أمس،  اخد الاستاذ الطبشور و كتب مطلع قصيدة محمود درويش: سجل أنا عربي… رقم بطاقتي..
كان وقع الالقاء  و بساطة الكلمات، تعبر الروح و تقشعر لها الابدان. ساد صمت رهيب، و نحن نتعرف على درويش و تاريخ مقتطب لفلسطين المحتلة… شرح لنا كيفية البحت عن كتاب و عن روايات في المكتبات و نوادي الثقافة بدور الشباب، ضاربا لنا موعدا يوم الاحد صباحا في مقر جمعية “الهدف” الحديثة النشأة في دار الشباب القامرة.. و هي الوحيدة بحي يعقوب المنصور  في مدينة الرباط، مسقط رأسي، المترامي الاطرف و المنعزلة تماما عن الساكنة، و السهلة التطويق من البوليس…
يتبع…
يونيو 2016..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.