fbpx

مذكرات تأبى الحفظ…في الذكرى 13 لرحيل المناضل مصطفى الخطابي

محمد الزياني

تقديم:

لم تكد تستقر عقارب الساعة على السادسة صباحا من يوم الخميس 29/06/2006 حتى كان قلب المناضل الودود والوديع : الخطابي مصطفى ـ أحد ضحايا سنوات الجمر والرصاص ـ  قد توقف وإلى الأبد عن الخفقان.

 اعتقل مصطفى سنة 1976  في إطار الحملة الشرسة التي شنها النظام المغربي ضد كوادر منظمة إلى الأمام التي كان مصطفى ضمن إحدى خلاياها التنظيمية بفاس . وواحد ممن شملتهم محاكمة 1977 الشهيرة لتي اعقبتها اضرابات واحتجاجات داخل السجون وخارجها خصوصا الإضراب التاريخي عن الطعام للمعتقلين السياسيين الذي استشهدت خلاله رفيقة درب مصطفى : سعيدة المنبهي سنة 1979 . حوكم مصطفى الخطابي ب10 سنوات قضى منها 8 سنوات ونصف ليغادر السجن المركزي سنة 1984 مباشرة بعد الانتفاضة الشعبية المجيدة ضمن الدفعة الأولى  التي ستليها دفعات مماثلة بعد نضال مرير للشعب المغربي وفعالياته الحقوقية والسياسية والتضامن الرائع الذي أبدته كل المنظمات الحقوقية الدولية  والهيئات الديمقراطية عبر العالم   ..

          واعتبارا  لحجم الخسارة التي مني بها الصف الديمقراطي  واليسار الجذري تحديدا برحيل مصطفى… واعترافا بعطائه النضالي الذي لازم مشوار حياته قبل وبعد التجربة السجنية القاسية .. أقدم هذه الشهادة المتواضعة كواحد ممن عاش بجنبه صغيرا ورافق جزءا من معاناته السجنية شابا / طالبا  وظل مدينا له بالكثير حتى بعد رحيله الأبدي ….

                                               ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لحظة منغرسة في ذاكرة أهل حي ” دهار نمسعوذ ” بالحسيمة ، زمنها آواسط سبعينايت القرن الماضي…

لحظة وشمت طفولتنا التائهة ونحن نشرئب بكياننا لفهم لغز الملابسات التي ميزت المرحلة بمستوياتها الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية العامة …حين فوجئ هذا الحي الشعبي البسيط  في ذاك الصباح وسكانه  يخرجون عن بكرة ابيهم مذهولين مذعورين أمام هجوم بوليسي وحشي استهدف  منزل عائلة هذا المناضل / الإنسان الذي ظل في أعين الجميع عبرة  في الأخلاق والسلوك وقدوة  يحتذى به في العلاقات الاجتماعية…

هرع الكل نحو الجهة الخلفية لشارع بني مرين المطل على المنطقة الجبلية المقابلة ، حيث المشهد الملحمي : مصطفى الخطابي يتخلص من نعليه منطلقا كالسهم  حافي القدمين باتجاه الفيافي مخترقا ضفاف الوادي متسلقا صخور وهضاب دوار” بوجيبار” المقابل ، وخلفه يركض مجهولون يقودهم أحد رموز بوليس المدينة وقتذاك الذي ظل يراقب ويتابع المشهد من بعيد… 

  أشخاص غرباء يجهدون أنفسهم للحاق  بالخطابي الذي  أطلق ساقيه للريح  وهو شاب  ينضح  فتوة وقوة  وأمل في المستقبل ….. (قبل بداية مشهد الفرار ، قيل : أن هؤلاء اقتادوا مصطفى  في تلك اللحظة لمنزله ، ليدلهم  على شيء ما! بعد أن وقع فريسة في قبضتهم باكرا بنقطة من نقط المدينة وهو يهم بمغادرتها على عجل ). وكل من تابع هذا المشهد الملحمي  سكنه السؤال عن مغزاه لاسيما حينما يكون الهدف هو القبض على شخص ذو مواصفات تلك و محط إعجاب واحترام وسط الساكنة … هو الطالب االمحنك الذي تخطى صعاب الثانويات  ومثبطات التعليم بامتياز إلى رحاب الجامعة البعيدة المنال ..إلخ وتتقاطر الأسئلة ، غير أن الجواب ظل مكتوما بدواخل العارفين إلا ما كان باديا  على محيا البعض عبر همسات عابرة  تفيد ” بأن مصطفى   يتدخل في السًّياسة ” …. ولم يدم الأمر طويلا حتى سقط مصطفى  فريسة في يد الذئاب المسعورة  بمنطقةثرايذبارن ” عين الحَمَام ” بعد أن تهشمت قدماه  وتدمت وانسلخ جلدها بفعل الأشواك وحدة الصخور …..

   ابتدأت  مأساة الاعتقال : بعد وصية أخيرة أطلقها مصطفى ـ لحظة فراره ـ  لوالدته التي لم تسمع منها سوى” إهتمي  بحقيبتي  ....والكتب .. !! ” وأمام هول الصدمة شرعت الوالدة بإحراق ما امتلكت أيديها من كتب ـ غصت بها غرفة مصطفى ـ في فرن تقليدي بجوار الدار وبعضها التقطها الإخوة في أكياس لتهريبها إلى كل الأمكنة المحتملة ..قل إلى  اللاّمكان ….(حكاية  المكتبة هذه ظلت الوالدة تحكيها في حلها وترحالها ،لاسيما لمن يتفقد زيارة هذه العائلة ، في إطار بعض التكليفات الطلابية التطوعية فيما توالى من الأيام) 

 بعد الاعتقال مباشرة تم  إبعاد مصطفى  عن أنظار أهله ومدينته المكلومة ، إلا ما بدأنا نسمعه بعد الحدث بشهور: من أنه نُقل على وجه السرعة إلى الداخلية (العبارة التي تفيد عندنا مدن الداخل/ المركز) قبل سابقة تشتيت المعتقلين على سجون الوطن حيث كانت مدينة الشاون من نصيب فقيدنا  مصطفى وقتذاك.

ونحن في مشوارنا الدراسي /الثانوي بدأت تصلنا أخبار عن محاكمة 1977 المشهورة كنموذج صارخ  للمحاكمة الغير العادلة التي انبرى لها المعتقلون بصوت واحد ـ وسط زغاريد الأمهات ـ عبر أنشودة التحدي :

لنا يا رفاق لقاء غدا                           سنأتي ولن نخلف الموعد

فهاذي الجماهير في صفنا                    ودرب النضال يمد اليدا

سنشعلها ثورة في الجبـال                    سنشعلها ثورة في التلال

                     وفي كل شبر سنبعثــــــها                    نشيدايجدد روح النضال

                    ولا السجن يوقفنا والخطوب                 وليس يهزم عزم الشعوب

                              طغات النظام مضى عهدهم                    وشمسهم أذنت بالغروب

 وكان من أصدائها شعارات حمراء كنا نصادفها مكتوبة على واجهات المؤسسات كل صباح من صباحيات تلك الفترة التي ميزها الغليان الشعبي الموازي لإضرابات  هؤلاء المعتقلين التي عمت سجون الوطن … 

 استبطنا شيئا غامضا مذاك وظل يلتهم دواخلنا دون القدرة على البوح بمغزاه : إنه عشق الحياة في صفائها  والاستعداد الدائم للتمرد والانتفاض ضد مظاهر الحيف والفساد فيها  ، تماما كما حاول تلقيننا إياه  مصطفى الخطابي ..

فامتدت الاحتجاجات إلى  ثانوياتنا المحلية والريف عموما  بما يشي بانبثاق تنظيم تلاميذي محكم في صيغة وداديات ….إدارات المؤسسات التعليمية عندنا  تستنجد ـ دون جدوى ـ بجمعيات آباء وأولياء التلاميذ للضغط على الأبناء وتخويفهم بمصير السابقين …قبضة حديدية تُدار بها الأمور ، أحذية البوليس تدنس ، بشكل متكرر ، رحاب هذه المؤسسات التعليمية وتعيث فيها ضربا ورفسا إلا من رحم ربك ….. يتنامى فينا شيئا فشيئا  إيماننا بقضية المعتقلين السياسيين من رفاق مصطفى ويشتد الشوق لمعرفة أخبارهم… ولما لا  ؟ حتى الفوز يوما ما  بلقياهم ومعانقتهم

تلك لحظة نقتطعها من حصة زمننا الشبابي ، حين منينا بصدمة اعتقال مصطفى ورفاقه ؛ صدمة أجهضت كبرياءنا وتطلعنا المبكر لفهم لغز وتناقضات واقعنا المعاش .. ليصدق علينا بعدئذ  قول الشاعر ” في الليلة الظلماء يفتقد البدر ” ..

غُيب مصطفى وبدأت  تتداعى للذاكرة  تلك الجلسات الحميمية الممتعة التي قاسمنا إياها  بمنطقة ” ثًازْرُوط ” : المعلمة االمجالية (شبيهة بساحات دولة المدينة بأثينا اليونانية التي احتضنت محاورات سقراط للسفسطائيين) التي آوت  شباب المرحلة  من أبناء الدرب  كلما أحسوا الحاجة للتنفيس عن كربهم عبر الموسيقى والأغنية وشتى ضروب الترفيه الشعبي ،إلا أنها كانت أولا وأخيرا فضاء لمناقشات حرة وطليقة لمستجدات حاضرنا المغربي الذي يمور غليانا  … وتكتمل الدائرة بحضور المرحوم أحمد كينتو ونده أملاح احميدوش وبويزيضن كريم وجمال حميد… في حضرة صاحبنا  مصطفى  الذي اختبر تقنية إقحام الجميع  في سجالات فلسفية ونقاشات سياسية نتلذذ وننتشي بعمق ذاك التحليل المادي التاريخي وجدليته لأهم قضايانا المجتمعية .. في وضع موسوم بإفرازات الظاهرة الهيبية والبوهيمية والفوضوية ..وانتشار المجموعات الغنائية الملتزمة والثورية في كل مكان من المعمور: فهذا الشيخ إمام وفؤاد نجم بمصر و الخنافس BEATLES THE والصخور المتدحرجة THE ROLING STONES  بالغرب الأوروبي و JOAN BAEZ معBOB DYLAN  ل بالغرب الأمريكي وصوت شهيد الأغنية التحررية : فيكتور خارا يصدح سماء الشيلي ككابوس مزعج على الدوام لديكتاتورية بينوشي وأمثاله… والغيوان وأوسمان وإزنزارن عندنا وغيرها……  ونحن في  وهج النقاش والانغماس في التعاطي لملذات المرحلة ، التي سرعان ما يقع  الكل بفعلها تحت وطأة  عالم  الحال   الغيواني والسياسي  معا …

على مدار  فترات العطل الدراسية الكثيرة  في بلادي،   ظل مصطفى  يعزز هذه الجلسات ملاحظا وموجها لنقاشات أبناء الدرب الذين يجمعون على احترامه وتقدير مكانته كطالب جامعي يتباهي حيّنا الشعبي المتواضع بإنجابه  مع قلة من أترابه … .

وأمام فاجعة رحيله اليوم ، أتذكر ، شخصيا ، تقاسيم تلك الجلسات التي يكون فيها مصطفى متأبطا لكتاب من الكتب المتباينة  عناوينها : من “الكتاب الأحمر” و” في التناقض”  لماو تسي تونغ ” (المدسوس دوما عنده في غشاء راديو Transistor) ، إلى” الإنسان ذو البعد الواحد” ل هربيرت ماركيوز  HERBERT MARCUSE مرورا ب”البيان الشيوعي”  وكتيبات الجيب من طبعة دارالفارابي وابن خلدون وغيرها كثير مما شاءت  الظروف بعد ذلك أن أطلع وسواي، عليها في تفاصيلها ، بعد أن أوصى  الفقيد ، من قلب السجن ، بوضع ما تبقى بمكتبته من تحف نادرة رهن إشارتنا   ..

كنا وقتها في بداية مشوارنا الفني بمجموعة تواتون الغنائية التي انبثقت ، في جزء كبير منها ،  من هذا الحي ذاته (دهار نمسعوذ)، مستأنسين  بذات النقاشات ، مسترشدين بها في اختيار تيمات أغانينا الملتهبة والمتفجرة انفجار الوضع العام بالبلاد .. صادف ذلك بداية تلمسنا  الطريق نحو الغناء الأمازيغي  بأغنية :

ربحار مارا يتهاج ونتهيج أكيذس                        قنشين ذغزران ودنتيس أكيذاس  …

………………….

مسكونين كنا  بأغاني الغيوان الأولى في حضرة بوجميع ، لِما عثرنا فيها من ملاذ آمن من حرقة هذا الواقع وأسئلته !  أوليست هي المجموعة التي صاحت صيحتها المدوية:

مــــــــا همـــوني غير رجال إلى ضاعو                 لحيوط إلى رابــــــــــــــو كولها يبنـي دارْ

ما هولوني غير الصبيان مرضو وُ جاعو                والغرس الى اسقط نوضو نغرسو أشجارْ(…)

امصير وحدين عند اخرين ساهل تنزاعه         واشعاع الشمس ما اتخزنه لسوارْ

زاد ســــــــبوعا تابــــــعاه لتمنــــــــــاعه          من حرك عينه ف راسو مدوه للْجزارْ

وكذلك أغنية :

سبحان الله صيفنا ولى شتـــــــــــوة                وارجع فصل اربيع ف البلدان خريف

وامـــــضات ايامنا سرقاتنا سهـــــوة                وتخلطت لديان شلى ليك انصيف

ولا تلقى اعديل كايقبل شكوى                 ويبلغ ما يخون ما يرضى تكليف

جور الحكام زادنا تعب وقسوة               لا راحة ولعباد ف نكد و تعسيف

والحاكم كايصول كايقبض الرشوة               والشاهد كيدير ف الشهادة تحريف

افهم المعنـى  وعيق واستافد وروى               هذا سر لكنان ما رامه تصحيف

        كبرنا وكبرت معنا ذات الأسئلة  ، التحقت بعدئذ بجامعة محمد بن عبدالله بفاس  مسكونا  بشوق ” الأمس القريب ” : لقاء ومعانقة مصطفى في وضعه المفروض …  اندمجنا بمن سبقنا إلى هذا الموقع الجامعي الذي كان يمور غليانا متبوئا بذلك مقدمة النضال الوطني … سَرَتْ علينا القاعدة المنطقية “تحصيل حاصل” : فيكفي ان تكون من الحسيمة ، فأنت قاعدي مهيأ الحماسة لدخول غمار النضال الأوطيمي UNEM…حيث تنفسنا الصعداء  ضمن جموع المتظاهرين برحاب  كليتنا الآداب والعلوم الإنسانية التي كانت  تصدح بشعارات نارية تعكس مبدأ “لكل معركة جماهيرية صداها في الجامعة ” وصادفنا تزامن  إحدى أضخم هذه التظاهرات مع انعقاد ” مؤتمر القمة العربية 12 بفاس : 25 نونبر 1981″ كما عايشنا غمار الصراع الانتخابي التعاضدي وانخرطنا ، بشكل مباشر و غير مباشر في لجن متفرعة كانت إحداها خاصة بدعم المعتقلين السياسيين وعائلاتهم ، والتي حرصت على تفعيل أجندة الزيارات عبر المواقع السجنية على مدار السنوات اللاحقة..

            لا أجد  صيغة تعبيرية تسعفني على وصف  مشاعري وأنا أدشن لقائي الأول بمصطفى/ المعتقل وأنا بإحدى ردهات السجن المركزي بالقنيطرة في زيارة لي صحبة رفيقي وزميلي مصطفى أعراب موسم 81/82 ..بعد أن قضينا ليلة بيضاء بإحدى فنادق القنيطرة (السعادة !) بمحاذاة سكة القطار ..هذه المدينة  التي ارتبطت لدي دائما بما دققتْ  في وصفه  أغنية حسين السلاوي عن قواعد الأمريكان و ما نتج عنها من ظواهر اهتزاز وتضعضع لبنية القيم المجتمعية التقليدية  حيث تقول : 

            ” دخلت المريكان الناس تقوات والنسا علينا جارو ****** لمزوجات دارو اسباب على رجالاتهم غابو

             شحال من هي معشوقة داروليها الشان المريكان******* تسمع غير.أوكي أوكـــي هذا ماكـــــــــــان

  فالكوشي مع الطوبــــــــــــــــيس مالقيت نوبتــــي *******ليمان وشمال ما تســـــــــــــواشي كليمتي

  حتا من الفيلو ـ طاكسي دارو لها الشان المريكان*******تسمع غير OK ..OK   هذا مـــــــــــاكان

  فرقــــــو الفانيد والسيكّار زادو الـــــــــــــــــدولار********حتى من العجايزكبار شــــــــــــراو الفولار  

  حتى منهم صغيورات إعقدو اللسان المريكــــان ********تسمع غير OK ..OK   كامون الباي باي …”

             هكذا وجدنا أنفسنا مع مطلع الصبح  ضمن هذا الطابور من الزوار الذين منهم من أمضى الليلة في العراء بجوار ” قلعة المنفى” هذه، الممتد ة على ضفاف نهر سبو ..هناك فزنا أول الأمر ، بمراسيم الزيارة بعد اجتياز محنة الكشف عن الهوية وسر القرابة  وإيداع محتويات (Panier)  لدى إدارة السجن (وقتها كان المعتقلون قد خرجوا  للتو من معركة  “تحسين ظروف الزيارة” ).. خطونا خطواتنا الأولى داخل باحة السجن الفسيح في اتجاه المجهول ونحن دون سابقة لهذا المكان الموحش ..تِهنا بين دهاليز مظلمة (قيل لنا بعد ذلك إنها للحق العام )  حيث وقفنا على مساهد ووضعيات مؤلمة ، سرعان ما أحالتني  على إحدى  قصائد عبد اللطيف اللعبي:

 التي تستحضر بشاعة هذا المكان وهندسته بشاعرية نادرة أتقن نشدانها بعد ذلك الفنان سعيد المغربي …

اليوم تكتمل عوام أربع  ، منذ انتزعوني منك من رفاقي ومن شعبي

قيدوني أخرصوا صوتي عصبوا عيني منعوا أشعاري ….

نفوني إلى جزيرة صغيرة  من الإسفلت والصدإ  ، ألصقوا رقما على ظهر غيابي

حرموني من الكتب التي احب ..من الأخبار والموسيقى

ربع ساعة كل أسبوع لرؤيتك ،عبر أسلاك يفصل بينها ممر

كانوا هناك بيننا ، يمتصون دم حديثنا

واضعين مقياس الوقت موضع الدماغ …

لا لا لا لا لا لا لا لا لالالالالالالالالا

            غيّرنا وجهتنا ذات اليمين..باحثين عن الجناح السياسي داخل هذا العالم المحجوز وراء هذا الصرح الإسمنتي العتيق ! وما هي إلا هنيهة ، حتى انتصبت أمامنا قامة شخص “مرفوع الهامة “، ممتلئ الوجه والبنية …إنه  مصطفى الخطابي  عينه  ..  انحبس  الدمع في عيني و لم أنبس لحظتها  ببنت شفة ..لشدة  تاثري الممزوج باندفاع الذكريات وتداعيها دفعة واحدة .. عكس زميلي أعراب الذي فاتحه التحية وحديث تعارفهما الأول .

 استسلمت لإحساس خاص ، وكأني بك أحقق حلما قديما راودني وأنا قابع في دواخلي بذلك الحي الشعبي المتواضع هناك بالريف ….قبل أن أعانقه  عناق بطل  خرج للتو من غمار المعركة  منتصرا … نعم ،  وما أكثر هذه المعارك التي  حكى لنا مصطفى عن تفاصيلها كما عن ملابسات  استشهاد عبد اللطيف زروال و سعيدة لمنبهي … اجبيهة  رحال … ورفاق آخرين ..وعن تفاصيل التعذيب في أقبية ” الدرب “ وتشتيتهم على سجون الوطن قبل معركة التجميع التاريخية …

كان اللقاء مختزلا  لشتى معاني الوفاء والإخلاص لذات القيم التي وُجد من أجلها مصطفى في هذا النفق المظلم …تبادلنا الحديث عن أحوال الجيران  ورفاق الدرب ومجموعة” تواتون” الغنائية  واستمرارها الفني وأحوال المدينة الجميلة بأحلام  وطموح أهلها …يسأل عن تفاصيل ودقة الأشياء التي قد لا نعيرها اهتماما و لا نلتفت لها في زحمة انشغالات حياتنا اليومية …قبل الخوض في تفاصيل الحكاية ومنعرجات زمن الاعتقال والمقام وما ميزه من نقاشات ساخنة فترة 1979  مع إبداعهم لتقنية حضارية وناجعة لتدبير الاختلاف بين الرفاق إزاء تقلبات الأمور الداخلية والخارجية ..أطلعنا على مجهوداته الإبداعية وكتابات سياسية  منها بحثه المشترك مع رفيقه امغاغة  حول “بروز وتطور الفكر الاشتراكي بالمغرب “….وكذلك التفاتاته الخاطفة للإبداع الأمازيغي في مجال الشعر والغناء ..حيث أقر لنا في الزيارة الأولى بأنه ” مدمن على سماع الأغاني الريفية عبر الإذاعة، غير انها مستفزة في غالب الأحيان لما تجسده من إسفاف على مستوى اللحن الذي غالبا ما يكون مستعارا من إسطوانات الشرق عند فريد الأطرش وأم كلثوم وعبد الوهاب ..” ويعترف بأن الأجهزة الإعلامية الرسمية تفضل الإتيان بهذه النماذج لتلطيخ حقيقة الفن الأمازيغي في تمظهره المتخلف  ، بدل أن تعمل على إظهار هذا الفن عند الجيل الحديث و الجديد الملتزم في تناوله  لقضايا الواقع الاجتماعي والسياسي  …في ذات المرحلة  ناولنا  بعض القصائد التي كتبها بالأمازيغية  ومنها بالخصوص ” ثزروط ننكور” التي ستشتغل عليها  مجموعة تواتون بعد ذلك مباشرة  بمقدمتها :

رُو أيُورْ إنُو رُو أيورينو  روثَــــــن ذِذَامّـــنْ ******أزايْسَنْ  سَسْوَغْ ثموث إنو ذِمَضْرَانْ نْرَجْذُوذْ إينُو

ثَزْرُوطْ نَنْكُورْ أَوَشْمَا أَقَاشَمْ جَا نْتِطّاوِينْ إِينُو ******إِفَاسّنْ إِنَــــمْ غَارُوجَنّا تَرْاَغيِــذْ أَرَحْبَابْ إِينُــــــــــو

 و قصيدة ثانية جاد بها مخياله وهو يتأمل صورة شقيقته الصغيرة ميمونت التي كانت قد زارته حديثا رفقة والدتهما في هذا المكان وظل مذاك مسكونا بسحنات وجهها الملائكي البريء كما بحركاتها وحديثها المنساب كماء الزلال !! مطلعها” مَشْحَارْ إِنَضْحَخْ مَشْحَارْ إَنَعْيَارْ مَشْحَارْ إِنْغَنّاجْ ذْرَلّا ُبوَيا ….” وقصائد أخرى ك : ” شك ذوما ” و ” بيروت إذامن ”  وغيرها مما أغنى رصيد مجموعة تواتون بشكل جلي .

كنا كلما استحال  تعميق النقاش إزاء قضية من القضايا الفكرية أو السياسية أوالثقافية ، لضيق الحيز الزمني المخصص للزيارة ، نضطر لإدراج ذات الموضوع ضمن أولويات مراسلاتنا التي لاتزال شاهدة على  هذا الجانب الملهم للاجتهاد السياسي والفكري العام المعزز بالتحليل العلمي والتاريخي الذي يظل المبضع الأنجع  لتشريح مفاصل  واقعنا الاجتماعي والثقافي والسياسي  

في رحاب تلك ” القلعة الإسمنتية”  تعرفنا على رفاق آخرين واندمجنا معهم  ، ولو للحظات خاطفة،  في حميمية  لا نظير لها ، فبمجرد جلوسنا القرفصاء لتبادل أطراف الحديث مع مصطفى ، يهم أحدهم لتهيئ نوع فريد من الشاي (أتاي) الذي تظل نكهته ترافقنا حتى ونحن عائدون إلى الديار …ويبدأ الرفاق بالانضمام إلى حلقتنا المصغرة التي سرعان ما تتسع دائرتها لكل الأفئدة التي تشتم فينا  وعبرنا نحن الزوار عبير الواقع الخارجي بأخباره ومستجداته وحركاته …. فهذا مصطفى التمسماني يلج الحديث معلنا انتماءه الريفي الأمازيغي  الذي ورثه  عن جدته رغم استقرار العائلة بطنجة لزمن بعيد  ، وهذا شيشاح ميمون يستعرض ذكرياته عن ثانوية البادسي وداخليتها ، وهذا المناضل قادة يقترب  بلطفه وعطفه  ليبتسم للجميع ، وأثار الآسيد الحارق بادي على وجهه،  وهذا عبد الله الحريف يمرأمامنا بقميصه المخطط لا يفارقه في ذلك تواضعه وبشاشته  ، وهذا زعزاع عايناه في إحدى زياراتنا، عن بعد ، وهو  يعاني ما يعانيه وأثر سائل أزرق اللون يملأ فمه  وهو لا يزال  يجهد نفسه للمشي على قدمين اختبر فيهما الجلاد ساديته ووحشيته الوضيعة والحقيرة … وهذا أبراهام السرفاتي الذي صادفناه مرة محاطا بالورود منتصبا على عكازيه وهو في حداد على  وفاة والدته … فكانت مناسبة لنا لتقديم العزاء له والتسرب إلى عالمه الذي ، كم خلنا واهمين ،  استحالة  اختراقه  ومعايشته  .. .. مناضل بسيط يلح على الابتسامة ونبذ الاكتئاب بقوله: ” مهما كانت الفواجع والصعاب ، فالحياة تُواجه بالأمل وليس باليأس والاستسلام والخنوع …  وهذا أمين عبد الحميد منهمك  في تعليم ولده الصغير في زاوية من زوايا المكان …   والأم/ الزوجة  تتابع المشهد  الذي أضحى قاعدة كل الزيارات …هذه الأم /الزوجة لتي ظلت شاهدة على كل هذا الذي شكل سر نجاحات الأبن المتتالية …وكيف لا وهي التي انخرطت في معمعان  نضال عائلات  المعتقلين اللواتي  وشمن كفاحهن بالدموع والصبر والمثابرة والتحدي (ضمنهن والدة مصطفى) …إلى أن تحقق النصر بخروخ الأفواج المتتالية  من هؤلاء  الأبناء والأزواج لتعود البسمة تكسو  وجوههن ويعود التفاؤل لهؤلاء المعتقلين الناجين من جحيم العدم المطلق لنعانقهم هذه المرة عن قرب  بعدما انهارت سجون النظام أمام صمودهم وعجزت عن تحويل تفاؤلهم وأملهم إلى مجرد سراب وذكرى ….

لازلنا نتذكر إحدى زياراتنا لمصطفى بُعيد انتفاضة 1984 وما تلاها من مستجدات الساحة السياسية عندنا ، انفعاله وغيضه الشديدين  لما اعتبره طعنة  نفسية بليغة مضافة تلقاها سكان الريف والشمال عموما المنعوتين ب”الأوباش” ، ذاك النعت التحقيري الذي لم يستصغه مصطفى في حق أبناء جلدته ، مما زاد من قناعته  بطبيعة نظام عرف جيدا هو ورفاقه كيف يختارون خندق مواجهته المستمرة….

وبعد هذه الانتفاضة بشهور تتكسر أغلال بوابة السجن المركزي بالقنيطرة لتنطلق منها بسمة هذا الفوج الأول المغادر لجدرانه النتنة الذي كان ضمنه مصطفى ..وتعلو الفرحة  مؤقتا وجوه الأمهات والزوجات والرفاق ..   

 دوت في فضاء حينا الشعبي زغرودة  العودة  التي أطلقتها  : والدة مصطفى الخطابي التي نالت ـ  مع المرحوم زوجها ـ حظها من معاناة عائلات المعتقلين  وجابت معهن ربوع الوطن بحثا عن الإبن المفقود والمغيّب بصيغة الجمع في سجن من سجون هذا الوطن الفسيح…توافد الأهل والجيران والرفاق والزملاء والأصدقاء على منزل مصطفى الخطابي بمجرد ذيوع الخبر الممزوج بالدهشة : 8 سنوات ونيف !!  لم تغير من الصنديد مصطفى شيئا  :ذات الثبات على المبدإ  والعزيمة  لشق عباب البحر رغم عنف الهيجان  وزمهرير الرياح …ذات الملامح  وتقاسيم الوجه التي أضاف إليها الزمن الخائب تجاعيدا كتب عليها تفاصيل الحكاية منذ بداية المعاناة والتحدي.

استأنس مصطفى لأيام معدودة بدفء عشيرته وأهله وسط حيه الشعبي” دهار نمسعوذ”   ، قبل أن يستأنف الرحيل لمدينة تبادل وإياها تحايا الحب ومشاعر العشق منذ مرحلة دراسته الثانوية حبث استقبلته ـ مغضوبا عليه من قبل إدارة البادسي  بالحسيمة ـ إنها مدينة تطوان التي اختارها مقرا أبديا احتضنته حيا و ميتا  … ففي هذه المدينة ذات السحنة الأندلسية شرع  ورفيقة حياته  فاطمة (التي تعرفنا عنها أول الأمر بالمركزي خلال إحدى زياراتنا المذكورة…)  شرعا معا في تنفيذ ما تبقى من مشروع المسار الذي ااستأنفاه بحذر وسط ألغام معلومة وأخرى مجهولة …قبل أن يندمج مصطفى رويدا رويدا في دواليب الحياة العامة التي تتبّع دقائق أمورها  من موقعه النقابي بالاتحاد المغربي للشغل بعد أن نال حقه من إحباطات تجميع اليسار الجديد بداية التسعينات ..وكان في استئناف مساره هذا عالي الطلعة وساطع المواقف .. وليس بغريب وهو نموذج المناضلين الذين لم تسحقهم آلة الإغراء والرغبة الجامحة في تسلق المناصب الرسمية عبر جثث  الشهداء…  و ظل طبعه الريفي مختزلا لمعاني الإخلاص والوفاء  والتشبث بالمبدأ:  طبع بمثابة درعه الواقي  وصمام امان ضد كل اهتزاز وتذبذب وتيهان ..  

كان استاذا للآخرين في المروءة والتواضع المفرط  وفي التوجيه والذود عن الحقيقة أينما ولت وجهها …. يصغي كثيرا  ولا يتدخل إلا في الجديات من الأمور ….ونادرا ما كان يوفر للسانه  فسحة التعبير الحر والطليق مع  رفاق معدودين ممن تجمعه وإياهم  صداقة بطعم إنساني فريد  ك : ذ . بغداد وذ . أزرياح وذ. بوسراو إضافة لأبناء الحي : احميدوش والعاقل وجمال وكريم وآخرين ..

يجمع عارفوه بأنه من القلة الذين يستبطنون قيم الشهامة وكتمان السر ، حتى في أحلك لحظات وقوعه بين مخالب الجلاد .. مخلصا للرفقة لا يتسرع في إصدار الأحكام إلا على مهل وترو وتحليل  ….. هي خصال لازمته مذ كنا برفقته بحينا الشعبي  وهو يجادلنا بالطريقة السقراطية في تسآله عن ماهية الأشياء  التي كنا نستخف من بساطتها وتفاهتها حتى نجد أنفسنا في صلب الإشكالية وشرك الأسئلة المتتالية ….فهيهات ، فتلك هي منهجية الحكماء !!

 والآن ماذا تبقي لنا من مصطفى لنقدمه عزاء  لكل  من فوجع برحيله المبكر خصوصا زوجته  المكلومة:  فاطمة ونجليه  : ريم وزياد  ووالدته للا ميمونت وأخواته فاطمة والزهرة ثاميمونت ((التي ظلت صورتها تلازم الفقيد  وتقاسمه  معايشة  وحشية زنزانته زمن الاعتقال  ))  ثم محمد وعبد السلام وسعيد   …..ولكل من سار يوم وفاته في موكب جنازته التي فازت بجمع شمل اليسار الجذري ما فشلت في جمعه ملتقيات ومنتديات سياسية بعناوينها العريضة والمتباينة …..

  كم تمنينا أن تكون لحظة وداع مصطفى الأخير ، قد شكلت فرصة ثمينة ليلتفت كل منا لمن تبقى حوله من رفاق وهم يتساقطون تباعا من دون أن ننعم بخبرتهم وتجاربهم في النضال والحياة ، فلنغادر ابراجنا العاجية ووهم الانفراد بالحقيقة  …ونتخلص من هذا العبث الذي يأسر كبرياءنا وعنادنا وأنانيتنا في زمن الألفية الثالثة التي يحز في النفس أن نتباها فيها بنضاليتنا الموؤودة…. فلنقترب  متواضعين شيئا فشيئا من منطقة الحياة التي أضحت مساحة الأمل فيها تنكمش وتضيق تدريجيا حد الامحاء والانطفاء..

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.