مذكرات البدوي عن “سنوات الرمل”

في جولة قبل أسبوعين الى فاس عرجت على حفرة الكتب بالليدو ( الحفرة اسم يطلق على مكان معروف لبيع الكتب المستعملة و المنسوخة ) ، و فجأة وقعت عيناي على كتاب ” سنوات الرمل ” لحماد البدوي في حالة جيدة جدا ، و بعد اقتائه دون تردد بثمن 25 درهم بدا لي من خلال الصفحة الأولى أنه بيع بطنجة بتاريخ 1مارس 2015 ، لكن الأقدار طوحت به إلى هذه الحفرة في شبه حنين الى فاس التي تشكل منطلق هذه المذكرات .
في هذه ” المذكرات ” يحكي البدوي عن مرحلة وشمت حياته ربما إلى الأبد ، عندما “كتب” عليه هذا ” العبور للصحراء ” حقيقة و مجازا ، هربا من الإعتقال بعد صدور مذكرة بهذا الشأن و مطاردة الأجهزة القمعية له بسبب نشاطه الطلابي في صفوف الطلبة القاعديين.
لكن مهما يكن من أمر ، فإقدام الرفيق البدوي على نشر هذه المذكرات يحسب له – للأسف كثيرون لم يجرؤوا على القيام بذلك رغم أنهم كانوا في موقع الفعل ، خوفا ربما من عدم امتلاك الشجاعة للذهاب في قول الحقيقة الى نهايتها – لأنه مكن من استعادة مرحلة مفصلية طبعتنا جميعا بطابعها ، و التي كانت ذا حدين : فمن جهة عايشنا انهيار الحلم الاشتراكي في عقر داره و ارتداداته محليا ، و من جهة أخرى كان السلطة في المغرب قد بدأت تعد لمرحلة انتقال الملك من الحسن الثاني لابنه مما سمح بحصول بعض انفراج لم يدم طويلا .
لكن أهم ما استوقفني و انا أنصت لحديث ذاكرة الرفيق البدوي و هو يحكي هذه ” الملحمة بدون لحم ” ( سيفهم من قرأ هذه المذكرات ما أقصده في الإشارة الى شظف العيش داخل المخيمات الصحراوية ) و هو يتنقل متسللا عبر الحدود المغربية-الجزائرية في رحلة سيزيفية بكل معنى الكلمة ، لكي ينتهي به المقام في عمق الصحراء في وضعية احتجاز ، او على الأدق في حالة اعتقال غير معلن ؛ هو هذا التواطؤ الفاضح بين الزمان و المكان لسحق الإنسان ( إينشتاين كان محقا في القول باستحالة الفصل بين هذين البعدين ! ) حيث النتيجة هو إحساس السارد أن الزمن قد توقف عن الانسياب و يكرر ذاته باستمرار ، فلا فرق بين الأمس و اليوم و الغد . و هذا الروتين القاتل تنضاف اليه قساوة الطبيعة الصحراوية من جهة ، ثم تعامل قادة البوليزاريو المسؤولين عن وضعية البدوي و الذي في احسن الحالات هو اللامبالاة ، حيث الوعود بالإفراج عنه تصبح عرقوبية الى ما لا نهاية تقريبا و هو في وضعية البين-بين . و هذا جعلني أخال أن وضعيته في تلك المرحلة مشابهة لوضعية قضية الصحراء حيث تسود هذا الملف انتظارية قاتلة .
و على مدار هذه السنوات ( بين 1992 و 1996 )، و قبل أن ينجح في عبور الصحراء بعد السماح له بذلك و الالتحاق بجزر “لاس بالماس” ثم باسبانيا كلاجئ سياسي ، يحكي بدقة كيف وجد نفسه مجبرا على التكيف مع الطبيعة و المجتمع الصحراويين مكتسبا شبه هوية جديدة لأنه كان يستحضر إمكانية أن يدوم هذا الإحتجاز الى الأبد ، خاصة و قد كان منقطعا تماما عن أهله و اصدقائه ، أما نافذته الوحيدة على العالم الخارجي فهي المذياع رفيقه الحميمي الذي آنسه في هذه الرحلة المريرة ، لذلك كان يعتني به أيما اعتناء خوفا من أن يتخطفه ملك الموت فيتوقف عن إصدار الصوت فتمحقه العزلة القاتلة التي يتذرر المرء بسببها كما رمال الصحراء التي تتلاعب بها الرياح . و تصل عبثية الوجود في هذا المكان إلى درجة يحس فيها المرء أن حتى قضيبه لم يعد ينفعه في شيء ! ( ص 107).
إن البطل الأساسي في هذه المذكرات هو الزمن ، و السلاح الأساسي الذي يعتمده البدوي لمواجهته هو الذاكرة – و التي بفضلها استطعنا معايشته هذه التجربة – و ذلك في اتجاهين : اتجاه الحاضر حيث يبذل صاحبنا مجهودا لتدوين كل ما يحصل له او من حوله ، و اتجاه الماضي حيث يشكل تذكر تجربته الحياتية بدءا من دواره في منطقة ” جرسيف ” مرورا بالساحة الجامعية في فاس و وجدة ، و كذا استحضار وجوه أهله و رفاقه ؛ متنفسا حقيقيا للانفلات من قبضة هذا الحاضر العبثي الذي لا يريد أن يمضي . و خلال ذلك لا يفوت فرصة تقييم انخراطه السياسي بموضوعية أكبر و على مسافة زمكانية كافية تسمح برصد عناصر القوة و الضعف في هذه التجربة الجماعية . و هذا المقطع من المذكرات بدا لي هاما و مفيدا في بعده البيداغوجي ، خاصة بالنسبة للأجيال اللاحقة . يقول في ص 150 : ” أنا أعتبر أن القمع قد ساهم فعلا في شل عمل القوى الثورية ، و في حل تنظيماتها ، لكن هناك أسباب أخرى تتصل بعجز هذه القوى نفسها عن استيعاب الواقع في تعقيداته ، و عن تكييف برامجها بما يتناسب و حاجات الواقع ، ثم بعجزها عن وقاية نفسها من حملات القمع عبر توسيع نطاق التفاف الجماهير من حولها، و من الاستفادة من تضحياتها الجسام …”.
خلاصة القول أن اطلاعي على هذه التجربة من خلال هذه المذكرات ، بعث في شحنة أمل في قدرة الإنسان على الخروج من أصعب الوضعيات الحدية إذا امتلك المناعة الثقافية اللازمة التي تجعله لا يستسلم للظروف مهما كانت قاسية ، و ظل يرنو إلى شعاع اي نور يتراءى له في الأفق مهما كان بعيدا ، بأنه ليس ضوء قطار سريع آت لسحق حقه في عيش الحياة.

رشيد الموساوي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.