“مديح الفن في تحريك ماء الحياة الآسن”

منذ بداية التاريخ الإنساني ، أي منذ أن خطى الإنسان أولى خطواته في مسار المعرفة و الحضارة الطويلين كان الفن ملازما لتلك البداية المجيدة ، و منذ ذلك الحين استطاع الفن أن يبرهن على كونه أنه أحد أقدر صنوف النشاط الإنساني تعبيرا عن التواصل بين الأفراد وبين الأجيال و الأمم و الحضارات ، لأن الوجدان الإستيطيقي الغريزي عند الإنسان لا يحده الزمان و لا ترده التخوم الجغرافية . بل إنه محرض على الإنعتاق من كل صنوف المركزية و النسقية و دعوة للإنطلاق من كهوف التحيز وظلمات التعصب و التحزب ، وأذان للأرواح بأن تأتلف و تتقاسم رحابة الوجود .

 

ففي كل مرة تفرق العقائد و الملل و النحل بين بني البشر ، ويشتد عود التناحر ، ويصطلي الإنسان بلهيب الحروب الماحقة تصفعه يد الفن الناعمة – مثل أم رؤوم حنون تعاتب شغب صغارها – لتجعله يستفيق من سباته و تبين له أن البشر مهما اختلفت و تعارضت أوهامهم ليسوا إلا أطفالا في عالم الأبدية يطلبون الحقيقة معا . ذلكم أننا ، كما يقول ع.الكبير الخطيبي ، ” أصحاب مذاهب و عقائد لأننا نسينا التفكير في الوجود ” . إننا نظل دائما نتعصب لمذاهبنا و عقائدنا ، نحارب تحت رايتها و نتقاتل بإسمها لأننا نعجز عن التعالي عن كل ما يحمله واقعنا المادي من منطق غائي بليد و انحصار للأفق التطلع و النظر ، بينما الفن يمد لنا يده لنرتفع عاليا ، كما يفتح لنا مجالا واسعا للقيام بقراءات لجدليات أحاطت بنا منذ بداية خلق الأرض و الخليقة فيقترب بنا من القناة التي تختزن المعنى الفلسفي و التاريخي لتجربة الإنسان الوجودية في علاقته  بذاته و العالم و الآخر . ولعل جملة مشيل فوكو بخصوص فن التشكيل كانت أحد أبرز الدلالات التي تؤكد كون الفن عامة دعوة للرقي و التسامح : ” إنه أحد المجالات النادرة التي أكتب فيها بشغف من دون أن أصارع أحدا . إنني لا أقيم علاقة تكتيكية أو استراتيجية بالتشكيل ” .

 

 

إن الفن ، دائما و أبداً ، ملازم للحياة وللحضارة و التمدن و العمران . فلا حياة ولا حضارة بدون فن ، به يضل الكيان مشعا بالحيوية ونابضا بإرادة الحياة ، هو الذي يشحن الوجود بالمعنى و الوجدان بالإلهام لكي نستطيع تحمل قساوة وعبثية العالم . إن الفن يخرجنا من المستقر من العادات و ينتفض على المرسوم و المسطر سلفا من الغايات ، لأن الفن من  طبيعته الجمالية أنه صادم يعاكس توقعاتنا ، فهو يزرع فينا الإحساس بالدهشة و يجرنا من أرض الألفة ليرمي بنا في بحار الغرابة . لذلك مع الفن تظل الحياة متدفقة و معشوقة دائما ، تحافظ على جدوة هذا العشق و تبقيها موقدة دائما دهشة خفيفة مستمرة كتلك الدهشة التي صاحبت الشاب ” كانديد ” في رائعة فولتير وهو يكتشف جنة الإلدورادو ، ودهشة “جان باتيست جرونوي” ، بطل رواية “عطر” ل”باتريك ساسكيند” ، و هو يكتشف إمبراطورية الروائح ، أي دهشة من يكتشف العالم كل يوم بنفس جديد . لذلك فالفن هو ترياق يحمي الذات و الروح من أي حالة فساد و تعفن قد تؤدي إلى التحلل . لكن حينما يقل آحتفاء الناس بالحياة و الجمال و الفنون ويتعاظم إقبالهم على عبادة الأصنام و تبجيل القبور و تقديس الموت و الموتى يتحنط الكيان و يكتسح الإنزلاق نحو الجحيم و الظلمات و الدياجير . ولكي نضع فكرتنا في موازاة مع حالة التخلف و التأخر الحضاري الكبير الذي يعيشه العرب و المسلمون اليوم ، كما في الأمس القريب و حتى البعيد ، نذكر شهادة سجلها الأديب الفرنسي الكبير “أندري جيد” أثناء قيامه بزيارة لشمال إفريقيا . فمن خلاله تجواله في الأسواق و الأزقة الشعبية لمدن المغرب الكبير و تردده على مجالس اللهو و الغناء و الطرب و آختلافه إلى الحفلات التقليدية و معاينته للطقوس المحلية آستطاع أن يلاحظ من خلال بصيرة الأديب الأريب النافذة أن :  “..عيب الخوف من الموت هو عيب الفن العربي . العرب لا يتراجعون أمام الموت . و إنه لمن الخوف من الموت يولد الفن . الشعب اليوناني ، و هو على عتبة القبر ، يلغي الموت ، فنه مدين لإحتجاجه ضده ..” (1) .

 

إن الفن الذي يخلب اللب والحواس يخلخل داخلنا المقادير ، فتحدث في أجسادنا إفرازات كيميائية تثير فينا أحاسيس و إنفعالات خاصة هي إنفعالات جمالية ناتجة عن الشكل الدال للعمل الفني ، و هو الكيف و الصفة التي تميز العمل الفني عن العمل العادي ، من حيث نمط و طريقة و أسلوب تنظيم العناصر الحسية للعمل الفني التي تشكل تشكيلا فريدا. ففلسفة الفن كما يحددها هيجل هي علم الجميل الفني الذي يبدعه الإنسان شريطة إقصاء الجميل الطبيعي الذي ليس للإنسان يد في خلقه و إبداعه .

الفن إذن مقصوده تحصيل الجمال وكل ما هو جميل . وعلاوة على وظيفته الجمالية ، فإن الفن بوظيفته المعرفية يفتح لنا مغاليق العالم الوجداني ، فإلى جانب العلوم الحقة و العلوم الإنسانية التي تبحث في أسرار الكون و النفس البشرية و تدرس القوانين الخاصة بالسلوك البشري و القوانين الخفية المتحكمة في الظواهر الطبيعية فتزيد من إلمامنا الفكري و التصوري للعالم ، فإن الفن يزيد من تمكننا الإدراكي و الإنفعالي و يفتح كوى واسعة في جدار الخيال ، ويرفعنا – كما يرى أصحاب التصوف – إلى عالم أرقى من عالمي المحسوسات و المعقولات يتجاوز العلم بكل درجاته ، و يفتح أمامنا رحاب عالم الذوق حيث يتجند الوجدان ليتلقى المحدوسات و الحقائق العليا دفعة واحد من مصدر مطلق و متعالي . ولذلك يقول نيتشه عن الفن : ” الفن يعبر عن كل ما هو ميتافيزيقي في العالم المادي أي عن جوهر كل ظاهرة ” (2). أو بعبارة أخرى يمكننا اعتبار الفن بمثابة عملية إغواء للحقيقة من أجل استدراجها و الإمساك بجوهرها المكنون ، و حمله على التخفف من تمنعه و إيبائه لكي ينطق أخيرا و يفصح عما يخفيه من أسرار . و معنى هذا أن قيمة كل شيئ ، كل الصور الحسية و الصور العقلية قيمتها متضمنة فيما هو مثالي لا متناه ، وإن تجلى و تجسد فيما هو مادي متناه .

ومن أجل إبراز الترابط المثنوي بين الوظيفة الجمالية للفن و وظيفته المعرفية ، و لكي ننفي عن الفن كونه مجرد ترف ذهني و عملية إلهاء للحواس ، نقول مع الناقد المغربي موليم العروسي إننا : “عندما ننظر إلى عمل فني معين فنحن لا نستمتع فقط بل نحن نقرأ كذلك وعينا بذلك أم لا. فالمتعة التي نحسها ليست متعة مجانية فقط ؛ بل غالبا ما تكون متعة التعرف. غالبا ما يظن المرء وهو يستلذ منظرا معينا أو عملا فنيا أنه يكتشف شيئا جديدا ” (3) .

لهذا نحن عندما نطرح سؤال الفن نكون نرمي إلى الخاصية الأزلية التي يتميز بها الفن ، من حيث مقدرته الدلالية على الكيفية التي يعبر بها الإنسان عن طاقاته الدفينة و الغامضة ، و من حيث أنه يجعلنا نتعرف أكثر على نوعية المعاني التي يهبها الإنسان لجسده و لأحلامه ، لعلاقته بالمرئي و اللامرئي ، لعلاقته بالفضاء الزماني و الفضاء المكاني …فإذا كان العالم يخاطب الإنسان عبر النجوم و الأجرام السماوية و الأنهار و النبات و الحيوان … فإن الإنسان يجيب العالم بالحلم و التخيل و الأسطورة و الإبداع الفني .. و نعود مرة آخرى لنؤكد مع الأستاذ موليم العروسي بخصوص أنه : ” ما لا يقال ، وما يبقى علينا قوله في مصير حضارة ما ، يعهد به للأثر ، للإيقاع ، لثنايا الجسد الراقص ، للفضاءات البيضاء في الموسيقى ؛ أي الفن . إن الرسم يقول ما لسنا بعد . يقول ما يجب تهييئه و تشييده أولا في الكلم ، وفي مستقبل بعيد في صرامة التخطيط ” (4) . بهذه الطريقة يصبح الفن ، و عملية قراءة العمل الفني صيرور ينكشف و ينجلي من خلالها الوجود الحقيقي للموجود . هذا مع تنزيه الفن عن أي محاولة لجعله حكائيا معبرا عن حقيقة زمنية محددة ، لأن الفن تكملة ميتافيزيقية للواقع توضع جانبه لتتجاوزه .

و هكذا فإن آلتماس أي منفعة للفن من طريق آخر غير طريق الدلالة الإستيطيقية هو إبطال للفن و نفي لماهيته. و الإصرار على توظيف الفن لخدمة أغراض مباشرة ، و تحويله لأبواق دعائية مؤدلجة تعزف على الأوتار الحساسة للوطنية و الدين و عصبية الإنتماء، و تدور في الحلقة المفرغة للنزعات القومية و الحزبية ، لهو خسران لوظيفة الفن الحقيقية التي لا يقدر على الإطلاع بها أي نشاط آخر . ذلك أن الفن إذا انحصرت وظيفته في التعبير عن هموم و قضايا المجتمع اللَّحْظية ، من زاوية نظر معينة و قصدية إديولوجية محددة ، سرعان ما يصيبه الخَوْرُ و الهزال ويأخذه الضعف و العياء بزوال المرحلة الزمنية التي يفترض أنه جاء ليقوم بمحاكاتها و بتبدل أحوال الناس و مصالحهم .

يميز هيجل بين ثلاث أشكال فنية رئيسية (5) تتمايز و تتفارق من حيث طبيعة الترابط بين الشكل الخارجي  للعمل الفني و بين المدلول الداخلي ، أي الفكرة التي يحملها العمل الفني . أولا نجد كمرحلة أولى “الفن الرمزي” الذي يسعى إلى تحقيق الإتحاد بين المدلول الداخلي و الشكل الخارجي ، ففي هذا الطور الفكرة ما تزال تبحث عن تعبيرها الفني الحقيقي ، لكنها بدلا من تطابق أمثل لا تفلح في الحصول إلا على صدى ، أو على توافق تقاربي بسيط بين المعنى و الشكل .

أما الشكل الفني الثاني فهو “الفن الكلاسيكي” ، الذي استطاع أن يمثل الفكرة أكمل تمثيل و جعلها متوافقة مع واقعها المادي . فالفكرة هنا لا يمكن أن تكتفي بتجريدها و إبهامها ، فهي بحد ذاتها ذاتية حرة و لا متناهية . و الحال أن الفكرة من حيث أنها ذاتية حرة تعين نفسها بنفسها ، و بفضل هذا التعيين الذاتي تجد الشكل الخارجي الذي يناسبها .

و ثالثا ، حيث تتصور فكرة الجمال نفسها بنفسها على أنها هي الروح المطلقة ، و بالتالي الحر في ذاته و لذاته ، لا يعود في مستطاعها تحقيق ذاتيتها تحقيقا كاملا بوسائل خارجية ، على اعتبار أن لا وجود لها إلا من حيث هي روح . لذا تفصم الإتحاد الذي حققه الفن الكلاسيكي بين المحتوى الداخلي و الشكل الخارجي و تتجاوزه . على هذا النحو يرى النور ” الفن الرومانسي ” .

إن العمل الفني ، كما تبلور في الفن الرومانسي ، شيئ في ذاته أي أنه وجود مستقل عن باقي الموجودات الأخرى يحمل جوهره معه ، ولا يراد به شيئ أخر غير ما هو عليه و عناصره متكاملة و دلالته الشكلية تنجم عن هذا التكامل . إذ أن الرسم والنحت و الموسيقى لا يحال بالضرورة برسومها و أشكالها و ألحانها على مدلول محدد كما هو حال الكتابة التقريرية و النثرية ، فالمعاني لا ترسم و لا توضع في ألحان ، ذلك أن الفنان أبعد ما يكون عن عد الألوان و الأصوات لغة من اللغات أو رموز ذات دلالات قابلة للتأويل بل إن الفنان يعد اللون و اللحن أشياء في ذاتها و في أعلى درجات وجودها و لا حاجة لها في وجودها إلى ما سواها .

هكذا إذن تصبح عملية قراءة العمل الفني نوع من الإستغراق الذي يورط المشاهد في إطار علاقات جديدة لتوليد دلالات دون البحث عن منفعة أنية أو عملية . لكونه آنخراط لازمني خالص ، لا ينتمي للماضي أو للمستقبل أي أنه مرتبط بزمن مقطوع الطرفين ، زمن بلا ضفاف .

و إذا تحدثنا بلهجة فلاسفة الإسلام المشائيين فإن عملية قراءة العمل الفني عليها أن تنطلق من ملاحظة و تأمل هذا العمل و شكله الدال ، و من ثم محاولة إدراك الصور المعقولة للعمل الفني من خلال تجريدها من المادة لتصبح ” مدركة ” ، و هي ما يطلق عليها ، حسب الإصطلاح الفلسفي القديم ، بـ”المعقولات الهيولانية” . فهي ليست في عقل الإنسان الهيولاني إلا بالقوة ، و العقل الفعال هو الذي ينقلها إلى الفعل . لكن الهدف النهائي المرجو من عملية قراءة العمل الفني لا يستند إلى الهيولى و لا يتعلق بها . ولذلك وجب أن تضمحل هذه العلاقة في نهاية الأمر ، و أن يدرك المشاهد الصور في ذاتها دون الحاجة إلى حلولها في مادة ، أو تجريدها منها .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش :

1 – (رحلة إلى شمال إفريقيا ، أندري جيد ، ترجمة محمود عبد الغني ، دار توبقال للنشر ، 2012، ص 51) .

2- (ميلاد التراجيديا ، نيتشه ، إفريقيا الشرق ، ترجمة د.محمد الناجي ،2011 ، ص82) .

3 – (الفضاء و الجسد ، موليم العروسي ، منشورات الرابطة ، 1996 ، ص54 ) .

4 – (الفضاء و الجسد ، موليم العروسي ، منشورات الرابطة ، 1996 ، ص67 ) .

5 – (الفن الرمزي ، هيجل ، ترجمة جورج طرابيشي ، دار الطليعة بيروت 1979).

 
ajahaimad@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.