مدرسة تكوين الفلاح في أرياف الريف: صف المبتدئين

في نهاية المطاف لم أصر فلاحا. اكسب الآن قوتي اليومي كعامل مهاجر في إحدى مؤسسات دولة هولاندا وأمارس الكتابة كلما سنحت لي الفرصة لذلك، ليس هذا من باب الإمتهان، لكن من باب إمتحان الإلتزام والإنضباط لمزاولة الهواية كآخر انشغال لي في قائمة أولويات حياتي. قل في راحة، كتحدي لصقل وتقوية وتأديب خصائص من شخصيتي التي أجد فيها ضعفا ما وتحتاج مني لهذا السبب الى اهتمام وتأديب أكثر. إن الالتزام والانضباط خاصيتان تحتاج اليهما مزاولة الهواية أو الركض خلف تحقيق الحلم أو ممارسة المهنة، أكثر مما أحتاج اليها أنا ‘اللعوب’ الشخصية.
مهنة الفلاح كأهم مهنة تمارس في الريف تحتاج أيضا اليهما وربما أكثر من الكثير من المهن الأخرى. تماما كما حاجتها الى مدرسة لتكوين الفلاح الذي سيزاولها.
في الريف حيث ترعرعت وكبرت، كانت هناك مدرستان فقط، مدرسة ينظمها الأطفال فيما بينهم لتكوين الفلاح ومدرسة ينظمها الفقيه للإحتفاظ بمهنته ومكانته أولا، وليساعد الأطفال في حفظ بعض السور لاقامة بعض ركعات الصلاة ثانيا.
إنهما المدرستان الوحيدتان اللتان كانت قرى الريف تزخر بهما عشرات السنين بعد أن سحب المستعمر جنوده منها. وكما تتنافس المدارس فيما بينها، فمدرستا الريف العتيقتان كانتا في تنافس أشد مع بعضهما البعض ودائما في حالة مكهربة ومشحونة.
يختلف السن الذي يلتحق فيه الأطفال بمدرسة تكوين الفلاح. الأغلبية تلتحق ما إن تستطيع الركض خارج أبواب منازلها وتترك خلفها دار الحضانة حيث تكون تربة البهو مسرحا لللعب والتحضير للمدرسة الحقيقية، فتجد الاطفال يتمرغون في تربته ويتذوقون طعمها ويمضغونه. هناك من الأطفال حتى من يبتلعها ويصاب بعد ذلك بإدمان كبير عليها فتعاد تربيته من جديد. إعادة التربية بسبب الإدمان على أكل التربة يعد من الأسباب الرئيسة التي تسبب تأخرا في الالتحاق بالمدرسة عند البعض وقد يبلغ سنواتا عدة. حتى التربة التي تم بها بناء جدران المنزل تذاق لمعرفة كل أنواع الأتربة التي ستصادف طريق الأطفال الى الفلاح، لكن في أغلب الأحوال ومع السن الخامس، يكون الكل متواجدا ضمن الأفواج حيث يتم التدريس في اكتفاء ذاتي يميز الريفيين كلهم وفي استقلالية تامة.

تعليم الأطفال يتم أساسا على يد الأطفال أنفسهم، فترى فوج السن السادس يلقي دروس التعليم لفوج السن الخامس في نفس الوقت الذي يتحصلون هم فيه على دروسهم من فوج السن السابع. يحدث أن يظهر طفل ما عبقريته وإمكانياته الخارقة فيلتحق بصف أكبر من سنه.
الدروس كلها تعطى خارج الجدران، حيث يسهل أمر دمج النظري بالتطبيقي وأمر تبديل الحصص فيما بينهما، ما ان تملي الحاجة والشروط ومكان تواجد الأطفال ذالك.
على غرار اكثر المدارس الحديثة، تكون السنة الأولى من التعليم هي المهمة أكثر في مدرسة تكوين الفلاح وتحدد مصير الكثيرين من الأطفال الصغار. فبعد دروس لأجل معرفة أنواع النبت والعصافير والزهور والاشجار، ومعرفة شجرة كل عائلات القرية وأراضيها والحدود بينها، وبعد أن يظهر كل طفل حلى حدة، من مهاراته ما تعلم، يأتي الإمتحان. أقلية قليلة ترسب فيه لصعوبة مواد مثل شجرة العائلات والحدود بين البقع الأرضية، فيتم طردهم من مدرسة تكوين الفلاح وتنقيلهم الى شق آخر من المدرسة والتي تهتم بتكوين الراعي، حيث سيتعلمون المواد التي رسبوا فيها، مع ماشيتهم، سقوطا ونهوضا، أي بطريقة تستعمل فيها طرقا أعنف ويتم التعليم فيها عبر وخز الألم والتجربة وتكرارها. لهذه المدرسة أيضا فوائدها ومنها الإعفاء من مدرسة الفقيه.

في مدرسة تكوين الفلاح هاته تعطى نفس المواد في مستويات عدة، للمبتدئين (هذا الجزء) والمتقدمين. فتبتدأ مثلا في مادة فنون الرماية برمي الأحجار دون تسديد الى أبعد حد، بعدها يأتي التسديد وتمكين الضربة من الهدف الذي سطر لها من البداية. تنظم لهذه المادة عدة مسابقات وتنافس وتصنع لها حتى جبهات حية للرشق بين أطفال المداشر المختلفة تترك على رؤوس الكثيرين من الأطفال أثرها الذي يحملونهم طول الحياة. في وقت لاحق يتم الاستعانة ب’النشاب’ وللمتقدمين ‘أرماذواز’ مثلا. هذا التعليم التطبيقي يمضي متزامنا مع تعلم أنواع الصخر الجيدة، أي صخيرة تؤذي، أيها تصلح للقذف البعيد، أيها تستعمل ضد لترهيب الكلاب وأيها للعصافير..الخ. في مادة الحدود بين الأراضي التي ترتبط كثيرا بمادة شجرة العائلة تبتدأ بمعرفة المنازل والأفراد الذين يسكنونها وتعمم نفس العملية على أكبر عدد ممكن من المداشر، وبعدها ستتعقد المعادلات حيث يأتي دور الارتباطات، من تزوج من وكيف هي علاقة هذا بذاك، من يرث من، أي أرض لا تزال متنازع عليها والأشجار التي نمت فيها، لمن هي وكلما مر الوقت في التعليم كلما تعلمت أكثر فتعرف أي من الكلاب عليك أن تتجنبها وإن كانت عدوانية، أي كلاب يسمح الهش عليها، أي الكلاب يمكن لك رشقها أو ضربها، من أي شجرة تقطف ثمرة، أيها محرمة، مع أي فتاة تنوي الكلام، أي طفل تشاجره وأي تصاحبه. أي خطإ في هذا قد ينتشر عدواه فينتقل للكبار وتحضر الاسلحة والرغبة في إسالة الدم. بالنسبة لمادة معرفة الأشجار فتبدأ بشكل الشجرة وشكل أوراقها، بفاكهتها، بأغصانها. فيتم في الامتحان استحضار كومة كبيرة من الأغصان دون أوراقها (للمتقدمين تعطى أغصان جافة أو خشيبة من جوفها ). ويتم امتحانك في كيف تميز بينها عن طريق خصائصها الخارجية باستعمال (النظر)، كيف تميز بينها معصوم العين عبر العض فيها (الذوق)، عبر رائحتها (الشم) عبر استعمال كلا اليدين واختبار ليونتها أو صلابتها، تصنف الأشجار على بسماع ورؤية انكسارها، كيف تتم، أي صدى تحدث.
فتعرف أن غصنا من شجرة الرمان مرنة أكثر من الكثير من الاشجار وتستعصي على الانكسار، تتعلم أن غصنا من شجر الزيتون المذكر المشهور بعقمه (أزمور) يكون أصلب وأقوى ولين أكثر من زيتونة، تتعلم أن غصن شجرة البرقوق أقوى من المشمش، تعرف أن غصنا من شجرة التين هي الأضعف والأسهل للتكسير والإنكسار. كل هذه ستحتاج اليها وأنت تقدم عل الذهاب الى المدرسة الوحيدة التي تنافس تكوين الفلاح. تعرف إن أرسلك الفقيه لتأتي له ببعض أغصان بيداغوجية السحر، بأي ستعود. بأغصان الرمان والزيتون المذكر أم بأغصان المشمش والبرقوق؟ عليك أن تعرف أيضا الرهان وما هو شكل العقاب، كيف سيتم؟ بعدد الضربات أو بانكسار الغصن، على اليد أو تحميلة الرجل. وإياك أن يراهن الفقيه على انكسار الغصن وتأتي به من شجر الرمان.. إن فعلت ستتمنى أن تكون راع للغنم وتكون في السنة الأولى من الراسبين.في السنوات الأولى، في منظومة هذا التعليم، وأنت تتلقى كتلميذ دروسك النظرية والتطبيقة من تلاميذ الافواج المتقدمة عنك، يسمح لك بالانخراط في دورات تدريبية مع ممتهني الفلاحة لهدف رؤية المهنة عن قرب، كي تشم عبقها تدريجيا وعلى مهل. لا عجلة في التعليم، الوقت في حد ذاته معلم، يسايرك عن بطء، فأمامك متسع منه كي تصير ما تريد، كي تعجن وتصقل. في هذه الدورات التدريبية الاجبارية ترافق جدك أو أباك أو أحدا آخر من عائلتك الى السوق مثلا فتركن فيه أمام بغلك الموتد لحراسة مشددة، تقطع مسافات، حين يتعب جدك من المشي يركب وحين تتعب أنت يسمح لك بقبض ذيل البغل فتحس وكأنك تجر جرا الى أعلى الجبل. في الحصاد ممنوع عنك المنجل، هناك أكوام مربوطة تجمعها، هناك ما تبقى من سيقان نبتة الشعير تقلعها، هناك حصاد أخذ به الضمأ فتجلب له الماء، تتكلف بالدواب بخدمات صغيرة تحتاج كل الوقت ومع كل طلب سفرا طويلا الى المنزل، ذهابا وأياب، لن تقطف الزيتون ولن تحرك الأغصان كي يسقط، تكتفي بوضع الحصيرة التي سيسقط عليها وتقدم يد العون في جمعه، لن تشارك في بناء أكواخ افريقية من أكوام تبن يابس تبقّى بعد أن دُرس واستخلص منه قمحه أو شعيره، لكنك ستتواجد، ستحوم حول البيدر وتسجل ملاحظاتك، تحفظها، أي خطوات يبتدئ بها البناء، أيها ستتلو؟ من هو المهندس، من هو الآمر، من هو المنسق؟ من هو حصان الجر والحمل والعمل ومن هو حصان الهوى الفاخر..تمثل أمامك الأدوار وتحاول أن تكَون فكرة عن أي دور يليق بك ويناسبك أي مهارات يستوجب.
الطريق أمامك طويل وأنت الصغير، لا تزال صغيرا. دورات تدريبية، ترى ما ينتظرك، المهنة عن قرب، وتكون فكرة عن المستقبل بكل ما تملك من تفكير طفولي خارق.

.******

ترعرعت أنا في تلك القرية فوق قدم الجبل.
حينما التحقت في صغري بمدرسة تكوين الفلاح مباشرة بعد صيف حار، أعلن فيه انتهاء الموسم الفلاحي الذي لا ينتهي، حيث تم درس المحصول وجمعه وها هم رجال القرية الآن يذهبون في جماعات على ظهر شاحنات الى البحر، تلك الشاحنات التي عادة ما تأتي مرتين في الأسبوع الى أقرب نقطة من قدم الجبل مباشرة تحت قريتنا وتنقل على ظهرها رجال القرى ببضائعهم وأكباشهم وأبقارهم الى الأسواق القريبة، غير البعيدة منا وهي سوق السبث في يوم السبت بإمزورن ، وسوق الاثنبن في يوم الاثنين ب’ رثْناين نبني بوعياش’. قبل أن التحق بالمدرسة كنت قد شكلت ملامحا لحلمي. كنت أريد أن أصير كما عمي. عمي الأوسط بين أعمامي الذي كان يلقب بالكسول وبالذي لا نفع فيه، أظهر بغتة أن له من المواهب السحرية أكثر من أي رجل آخل من كل القرى التي نعرفها. فمباشرة بعد أن اختفى بعض سكان القرى من الحرفيين اليهود أصاب السكان ذعرا كبيرا لما فقدوه. الإختفاء المباغت والغير المعلن عليه للبهود جعل رجال القرية يفكرون في مصائرهم، كيف سيستطيعون انطلاقا من الأن أن يستمروا في مزاولة مهنتهم؟ من سيصنع لهم برادعا لدوابهم وأقوابا وشواري، من سيصنع لهم المحاريث وموسم الحرث آت ويقترب؟
بينما الكل كان يستفسر ويأخذ بهم اليأس شيئا فشيئا كان عمي يشتري كل يوم سوق أشياءا وأدوات حدبدية لم نكن نعرفها من قبل. كان عمي يستيقظ باكرا ويعود في الليل الى المنزل دون أن يعرف أحد أين كان وماذا كان يفعل، مرة خرج قبل الفجر ولم يعد إلا بعد شهرين. كنا خائفين وانتشرت بين الأطفال إشاعة مفادها أن عمي يهودي وكان يذهب الى المسجد خوفا وليس عن قناعة. لكن هذه الاشاعة اختفت سريعا كالثلج تحت الشمس ما إن عاد الى القرية ليفاجأ ويبهر كل سكان القرية بمهاراته الجديدة وصار يشكل مركزا للقرية. صنع لنا محراثا خشبيا جديدا وأصلح المحراث الفديم وخيط برادعا جديدة لبغالنا الثلاثة. كان لا يتعب، لكن لما اكتظت عليه الطلبات حتى من سكان قرى بعيدة لم نسمع عنها من قبل أعلن جدي أن إبنه لن يصنح من الآن الى بداية موسم الحرث في منتصف أكتوبر الجاري أي شيء آخر سوى المحاريث. جدي كان يريد أن ينقذ الموسم ويتقذ الفلاحون. كم كان جدي فخور به بغتة.

عمي هذا كان يدرس الشعير والقمح باستعمال أربعة بغال أو ستة في دفعة واحدة، وكلها مختلفة في الشخصية. في بعض المرات يقويها بحمار بينها. أكثر رجال القرية حنكة ومهارة في الفلاحة يستعصي عليهم جمع كل الدواب على هدف واحد وجعلها تتعاون فيما بينها وبالاحرى جمع الحمير والبغال في آن واحد. أعرف فلاحين بقوا يومين أوثلاثة وهم يجربون دوابهم ولا درسا واحدا قضي. يقول جدي الذي يقدر هو أيضا على انجاز مثل هذه المهمة أن ذكاءا خارقا يجب أن يصحب الحنكة والمهارة الخارقة للفلاح كي يتم الدرس بستة دواب مختلفة، عليك أن تمتلك بصرا خارقا فتعرف وتميز في الوهلة الاولى، القوية من الضعيفة، الَشِّمالية من اليمينية، التابعة من المتبوعة وأشياءا أخرى، كي تعرف في أي تركيبة ستكون الدواب فعالة ولن تعوج أوتحرن. حين التحقت بالمدرسة كان حلمي قد تكون: أن أصير كما عمي أو أكثر…..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.