مخطئ من ظن يوما أن للثعلب دينا .. !!

اتضح بما لا يدع مجالا للشك أن الفساد قد استشرى في هذه الأرض الطيبة سريان النار في الهشيم، حتى أصبح مجرد ذكره يزكم الأنوف ويثير التقزز والاشمئزاز إلى حد الغثيان، صرنا معه من أكثر البلدان فسادا وإفسادا في البر كما في البحر، فالتقارير العالمية تبرز حقائق كثيرة صادمة ومروعة، غالبا ما يتم التستر عليها بمؤشرات وتقارير مضادة من هنا وهناك، فهل سنحجب الشمس بغربال الأكاذيب و الأباطيل .؟
استُنزِفت العقول والأدمغة الكفوءة وأقصيت الاختصاصات المفيدة، واختفت الأموال و الثروات ليبحثوا عنها بعد ذلك في شرايين الفقراء المتصلبة وفي جيوب أسمالهم البالية المرقعة لحل الأزمة وكشف الغمة، فيما هي مستقرة آمنة في أيدي فئة قليلة لا عقيدة لها ولا مبدأ، حفنة من القتلة يعرفها القاصي والداني، استفادت من الامتيازات والمكافآت والتعويضات.. على حساب الشعب والوطن ودون خدمات تذكر مهما حقرت أوقل شأنها، والأبشع من ذلك كله هو ادعاؤها الوطنية، وتسبيحها وتحميدها بالديموقراطية حينا، وبالإسلام أحيانا أخر !!!
تبين بالملموس مكرهم وكذبهم فيما وعدوا به سابقا، من شعارات براقة ووعود زائفة، سوقوها بحرفية عالية وهي متعفنة في المدن كما في القرى والأسواق. حتى خدعوا الكثيرين ليخرج الشعب كله في الأخير – وبعد سنوات من التسويف واختلاق الأعذار- صفر اليدين، فلا مقتضيات « الدستور الجديد ” أنزلت، ولا فساد حورب…بل نال الشعب – وكفاءاته العالية المخلصة – المزيد من القمع و الإقصاء والتهميش .
ها هم المخادعون وأقاربهم وأبناء عمومتهم وحاشيتهم وحاشية حاشيتهم…عادوا من جديد يسوقون بضاعتهم الجديدة / القديمة، يجوبون بها الشوارع والأزقة والأسواق والحدائق ويطاردون الجميع، ناصبين حتى الخيام التواصلية !! ( لأننا في هذا البلد نحيا بالخيام وعليها نموت، فبها نواجه أزمة السكن والفيضانات ولسعات البرد …) بعد أن تناسوا المضحكات المبكيات، مزينين المشهد الرتيب بوعود وأوهام جديدة تتناسب وخصوصية بلد الاستثناء، مع شعارات منتقاة و محبوكة بشكل يشي بسوء خلق وفساد ذوق من انتقاها، فجميع الوسائل والسبل هي صالحة للاستعمال، ما دامت توصلهم إلى مآربهم الشخصية الخبيثة ولو على حساب مستقبل البلاد وأحلام العباد .
إلى وقت قريب كان الماكرون ساهري الليل نيام النهار، فلأنهم بلداء وكسالى لا يمكنهم أن يثقبوا حتى إبرة ولو اجتمعوا!! هم اعتادوا على الراحة والخمول ، فاكتفوا بالفتات وصدقات الدول وأرباح اقتصاد الريع والفساد …تراهم يلبسون لباس الوقار والحشمة ويعبثون بالسبحات بين أصابعهم كما يعبثون بأقوات الناس ومصائرهم، فيما الأرقام والصفقات ترقص في رؤوسهم، فتنخدع في مظهرهم الخارجي وتبصم بالعشرة بأنهم أقرب إلى زمن العشرة المبشرين بالجنة من هذا الزمن الرديء!!! لكن وبعد إحكام الطوق وفوات الأوان تدرك بأنهم ذئاب ووحوش بشرية، ينهشون اللحوم ويهشمون العظام حسب توقيت الرباط وسلا وما جاورهما !!!!!
الفاسد في بلادنا مهووس ببعض الكلمات مثل ” الصناديق ” و ” التنمية ” “المساعدات ” “تشييد ” …فما أن يسمع بها حتى يسيل لعابه كرد فعل طبيعي، وكأنه كلب من كلاب “بافلوف ” وقد أصيب بالسعار، ولكي يخفف من وطأة هوسه وسعاره تضطره دناءته ووضاعته إلى ادعاء الترمل واليتم، بل وانه متخلى عنه، مثلما يمكنه ادعاء الإعاقة الحركية والفقر والحاجة له ولأبنائه … بهدف الحصول على شهادة طبية مزورة أو” شهادة الاحتياج “، تمكنه ودونما توقف في طوابير من منافسة الفقراء على بطاقة راميد (ذر الرماد) ومنافسة المعاقين الذين ابتلاهم الله في إعاقتهم، ثم يطل عليك في النشرة المسائية قائلا :إن التجربة المغربية هي تجربة رائدة و غير مسبوقة !!!
من منا لا يتذكر حادث استقالة وزيرة التعليم العالي الألمانية “انيتا شافا”، بعدما جردت من درجة الدوكتوراه بسبب اتهامها بالسرقة الأدبية، لتصرح في الأخير ومن دون تعليق على الحكم، بأنها ” تضع المصلحة العامة للبلاد فوق مصلحتها ” مع العلم أنها تحملها منذ 30سنة !!!
في النسخة المغربية وسواء تعلق الأمر بدكتوراه فلان، أو بشواهد علان، أو بشهادة باكالوريا ستزور مستقبلا وبدون أدنى شك إن تم اشتراطها للترشح في الانتخابات المقبلة ، ما ذا نفعل إزاء هذه الحالات أو غيرها ؟
كما عودتنا حليمة المغربية، فبعدما تتجاوز الرائحة الحد المسموح به والمتعاقد عليه اجتماعيا (مادام الفساد قد تحول عندنا إلى نوع من الأعراف الاجتماعية حسب الباحث الأنثروبولوجي بنكيران !!!! )، وتكثر صحافة الفضائح من عمليات النفخ والتطبيل والحك على الدبر، يتناصر الوزراء ويتعاضدون كالبنيان، فتعقد الاجتماعات وتشكل اللجان وتعد التقارير.. و بعد طول انتظار يحصل المواطن على نتيجة واحدة مما يلي : إما أن يكون ما أثير من ضجيج وعجيج وقلاقل، سببه ” دعاية مغرضة ” و” الآخرون هم الجحيم ” هدفهم هو ” التشويش على عمل الحكومة” و” مسيرة الإصلاحات ببلادنا “، وإما أن يكون ذلك ليس أكثر من ” سوء فهم بسيط ” و” الحمد لله لقد تمت السيطرة على الأوضاع ” وكأنهم لم يكونوا مسيطرين من قبل !!! وإما أن يضطر الملك للتدخل فيحسم الموقف ويعيد الأمور إلى نصابها مثلما وقع مع وزير فضيحة “الكراطة “.
الفاسد في بلدنا بإمكانه أن” يتأبلس” ويتلاعب بإبليس شيخ الشياطين !!و هو حتى وإن كان لا يعرف شيئا عن ” الأمير “، ولا عن” ميكيافيلي “، فإنه لا يجد صعوبة ولا غضاضة في الحصول على شهادة دكتوراه أو أي شهادة تمنحها كبريات الجامعات العالمية، مادامت تمكنه من إضافة نعت جديد لسلسلة نعوته الموروثة والمكتسبة، ثم صعود درجة أو أكثر في سلم الفساد والإفساد. وهنا أستطيع الجزم بالقول بأنه لو قدر لميكيافيلي أن يكون بيننا لأعاد النظر في ميكيافيلياته وأحابيل أميره !!!
إن التساؤل المؤرق وكما كان دائما هو: كم من الشواهد العليا أعطيت ولازالت تعطى ولا نعرف شيئا عنها ؟
ولأن الدستور في بلد الاستثناء هذا صنع في معامل خاصة لتصوت عليه العامة ( لا يهم إن بقي كسابقه محافظا على نفس آليات إنتاج الفساد والاستبداد ما دمنا ولله الحمد آمنين سالمين ومحسودين …)، فلا غرو في إنزال أقسى العقوبات والغرامات المالية على امرأة جلبت الحطب لتدفئة أبنائها الصغار وصد البرد القارس الذي ينخر عظمهم وما تبقى من الجوع و العطش والمرض، بل والزج بها في السجن إن هي تلكأت عن دفع ما بذمتها لمصلحة المياه والغابات !!( باش تتربا )، ومن جهة أخرى نرفع القبعة ونعلن بصوت مسموع وبدون إزعاج “عفا الله عما سلف ” في وجه النَّهَّابين الكبار الذين ينهبون أموال الفقراء والمحرومين ويبعثرونها نهارا جهارا!

هذا مجرد غيض من فيض لا ينضب معينه، فخدمة المواطن والوطن هي قبل كل شيء مسؤولية في عنق كل مسؤول مهما قل شأنه أو عظم، والمواطن يحتاج إلى الشخص الذي يبرهن بالأفعال على إخلاصه ونزاهته ووطنيته، وهو تواق إلى الشخص الذي يربط بين السياسة والأخلاق حتى ولو كان يعبد جاموسا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.