محمد يونس ينقذ الفقراء من براثين المرابين

أثارت ظاهرة الفقر واستفحالها انشغال عدد من علماء الاقتصاد ومن المهتمين بهذا المجال الذين انكبوا على دراستها بهدف إيجاد حلول مواتية لفئة من السكان يعانون الويلات والمشاكل المترتبة عن وضعيتهم هذه التي تنعكس آثارها على أفراد عائلات المزارعين الصغار لتعم كافة أفراد المجتمع. وترجع نسبة كبيرة من هذه المشاكل إلى صعوبات تعترض طريقهم للحصول على رؤوس الأموال نظراً لعدم توفرهم على ضمانات كافية باعتبار أن الأراضي التي توجد في حوزتهم صغيرة على العموم ولا يمكنها أن تشكل الضمانة الكافية والمطلوبة من طرف البنوك. وهكذا، يبقى الفلاح الصغير عبارة عن لقمة صائغة بالنسبة للمرابين المحليين الذين يقرضونهم الأموال بشروط صعبة التحقيق وبنسبة فائدة جد مرتفعة تفوق ال 20% والتي تؤدي لا محالة بالمزارعين إلى هاوية الفقر المدقع وبالتالي توسيع قاعدة المشردين وسكان مدن الصفيح على هامش المدن الكبرى.

لقد عرفت سنة 1974 مجاعة ببنغلاديش اهتزت لها جميع الضمائر الحية عبر العالم وحاول المثقفون والفنانون تنظيم العديد من الأنشطة لمساعدة العائلات الفقيرة التي تفاقمت معاناتهم بعد مجاعة قُتل على إثرها ما يقارب مليون ونصف المليون من الساكنة البنغالية.

وعندما كان الأستاذ الجامعي يقف أمام طلبته يلقي على أسماعهم دروس في الاقتصاد، كان الناس يموتون من الجوع خارج أسوار جامعة شيتاجونج (Chittagong) حيث كان رئيسًا لقسم الاقتصاد. و كان يدرك مدى الفرق بين ما يلقيه أمام طلبته وما يحدث في الشارع. وفي سنة 1976، توجه محمد يونس صحبة طلبته خارج أسوار الجامعة في رحلات ميدانية وقاموا بزيارات للأسر الأكثر فقراً في قرية جوبرا قرب الجامعة ولاحظ أن مجموعة من النساء يعتمدن على القروض الربوية لشراء الخيزران لصناعة الأثاث، وأرباحهن تذهب للمقرضين في وقت كانت البنوك التقليدية تمتنع عن تقديم قروض صغيرة بفائدة معقولة للفقراء بسبب ارتفاع المخاطر الافتراضية عليها كما أن المزارعين الفقراء مطالبون بتسديد القروض في آجال لا تراعي العديد من خصوصيات مجال اشتغالهم.

وفي ظل هذه الأوضاع المزرية، حاول محمد يونس دون جدوى إقناع البنك المركزي أو البنوك التجارية لوضع نظام لإقراض الفقراء يراعي خصوصية هذه الشريحة من الساكنة البنغالية. وهكذا لم ير محمد يونس بداً من تطبيق قناعاته بالاعتماد على نفسه نظراً لغياب آذان صاغية للمساهمة في حل معضلة الفقر وأقرض 27 دولار من أمواله الخاصة إلى 42 عائلة في القرية وتمكنت من إنتاج بضائع وسوقتها وعادت عليها بمردودية جيدة. واستناداً على هذه التجربة، رأى محمد يونس أن تمتيع العالم القروي بقروض صغرى قد يحسن أوضاع الفقراء. ومن هذه التجربة نشأت فكرة بنك القرية أو بنك للريفيين (Banque Grameen). ابتدأت البنك كمشروع للبحث الذي أشرف عليه محمد يونس في إطار المشاريع الاقتصادية والقروية لجامعة Chittagong من أجل اختبار طريقته في القروض والخدمات المصرفية المقترحة للمناطق الريفية الفقيرة. وفي سنة 1976، استفادت قرية جوبرا والقرى المجاورة للجامعة من خدمات بنك جرامين (Grameen Bank). وبعد النجاح الباهر الذي عرفته هذه البنك تحولت إلى بنك مستقلة سنة 1983 وأصبحت في ملك المقترضين الفقراء ومعظمهم من النساء وتعمل خصيصاً لمصلحتهم. وهكذا تمكن محمد يونس من إنقاذ الفقراء من براثين المرابين كما توسع مجال عمل بنك الريفيين لتقدم خدماتها في 22 بلاد عبر العالم وتقدم خدماتها ل 37 مؤسسة للقروض الصغرى ويقدر ب2,3 مليون عدد المستفيدين من خدماتها وتمثل النساء 84 في المائة و 83 في المائة ينتمون إلى المناطق القروية و 24 من إفريقيا جنوب الصحراء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.