محمد شكري عنوان الرفض الأدبي لكل القيم السائدة

téléchargement
محمد الريفي التمسماني، كان هذا هو اسمه عندما كان لصا وسكيرا وعاشق ليل. غرف من معين التشرد واليتم الوجودي والألم النفسي. عايش الفراغ والتأم مع اليأس، وصاحب العاهرات وعاش في المبغى. هو الطفل الذي رأى أخاه يموت بيدي أبيه. هو الذي لم ينل حظه من العطف الأبوي، وظل يحس بمقت منقطع النظير تجاه أبيه إلى أن مات، حتى أنه فكر في قتله غير ما مرة.
لقد كان شكري بحق، الابن الشرعي للهامش، وسيد الأزقة والشوارع بدون منازع يرتدي دائما سترة الجوع والفقر، ويعتاش من نفايات البورجوازية المتعفنة.
في السجن كان اندهاشه الأول بالحرف؛ خرج من المبغى واقتيد إلى السجن، فغادره ملفوفا بدهشة الكلمات: «إذا الشعب يوما أراد الحياة، فلابد أن يستجيب القدر». تلك هي أولى الكلمات الأدبية التي طرقت آذان شكري، فجعلته يحس بالنقص وبالرغبة في التعلم، فكان أن خرج من السجن وقد أتقن الحروف كلها، الواحد تلو الآخر.

«كل عظيم وراءه صدفة»، هذا ما ينطبق على شكري، إنه ليس عظيما، فقط لأنه كان كاتبا دوليا، بل لأنه، وبعكس كل الكتاب العظماء، لم ينل من التعليم نصيبا إلا في الواحد والعشرين من عمره، ولابد من مقارنته ب»مارسيل بانيول» الذي أتقن القراءة في الثالثة من عمره، إنه فرق عظيم حقا.
إنه الكاتب الذي خلقته الصدفة، أو الذي خلق نفسه من خلال الصدفة. حمل أمتعته ومضى، تاركا وحل الجهل يأخذ بتلابيب أمثاله من المشردين. وعد نفسه أن ينتصر عليهم بإرسال نظره بعيدا، ولما وصل إلى مبتغاه، كان يلتفت دائما إليهم، بل عاد إليهم كلية ليستجيب لنداء الاستغاثة الذي يصدرونه في كل حين.
يذكر حسن العشاب، صديق شكري الحميم، أن شكري أتقن قراءة الكلمات في الحادي عشرة سنة من عمره (ذكر هذا في كتابة «شكري كما عرفته»)، وأنه هو الذي كان يعلمه في مقهى موح الريفي» الذي يطل على بحر طنجة . كان شكري آنذاك قد ترك منزل الأسرة كليا نتيجة السلطة الأبوية العنيفة. حمته  طنجة لأنها أمدته باللقمة، ولم يحمه الأب الذي لم يكن يمده بشيء !
لقد كانت الجرائد الممزقة وعارضات المقاهي والمحلات التجارية المعين الأول لشكري. يلتهم كل شيء كمن حرم من الخبز الحافي مدة طويلة. هذا كله قبل أن يقرأ أولى النصوص الأدبية لأحمد عبد السلام البقالي «قصص من المغرب».
لقد كان مدركا لأهمية أن يصبح كاتبا، لِما رآه من الاحتفاء والاحترام اللذين يحاط بهما الكاتب المغربي محمد الصباغ. سأل شكري عن الرجل الذي يجلس في المقهى الذي يتردد عليه، فسخروا منه قائلين: «ألا تعرفه؟ إنه الكاتب المغربي الكبير محمد الصباغ».
«الكتاب ينالون التقدير والاحترام، فلماذا لا أصبح كاتبا؟». هذا ما قاله الشاب في نفسه. تعرف على محمد الصباغ، وقدم له الأخير بعض الكتب ليقرأها، وكان يصحح له بعض كتاباته أيضا. ولا نملك هنا إلا أن نقول إن إرادة الشاب كانت من حديد.

 


يذكر محمد شكري في حوار أجراه معه «جون ستيبيت» أنه كان يقتني المجلات ليستمتع بصور المغنيات والفنانات المصريات، وكان يجد دائما من يقرأها له. وذات يوم انخرط زبناء المقهى في نقاش عن عبد الناصر، وعندما أراد أن يتدخل، نهره أحدهم قائلا: كيف تجرؤ على المشاركة في هذا النقاش المهم وأنت لا تعرف حتى كتابة اسمك؟ هذا الكلام الجارح جعله يتوجه إلى أقرب مكتبة، فاشترى كتابا في الصرف والنحو، ليتقن الأبجديات كلها بعد يومين.
هذا ما كانه شكري، وهو الآن مثل العمالقة؛ هو شخص فان، غير موجود، لكنه حاضر لأنه مازال يمارس عنفه علينا؛ من يستطع أن يجوب مسالك النقد دون أن يلتقي بأرسطو، ومن يستطع أن يكتب عن البوح دون أن يحضره شبح شكري؟
الذين قرأوه بوعي الأطفال أحبوه بشدة، كما انصرف عنه بعضهم بشدة أيضا. قرأوه بوعي حسي بالغ الشهوة، بالغ اللذة. وقليل جدا من القراء من قرأ نصوصه بوصفها وثيقة اجتماعية عن الرذيلة والتهميش والتشرد، باعتبار أن الجوهر الأدبي في «خبزه» يكاد يغيب كما صرح هو نفسه.
والحقيقة أن الأدبية في نص «الخبز الحافي» لم يحسم فيها شكري نفسه؛ لقد قال بخلو نصه من التقنية الأدبية، وأحيانا أخرى، ولكي لا يبخس قيمة عمله، يقول إنه لا يخلو منها.

 


ومهما يكن من أمر، فإن شكري هو، وفي جملة واحدة، عنوان الرفض الأدبي لكل القيم السائدة، أدبية? شكلية كانت أم أدبية- مضمونية، فالنص الجميل في آخر الأمر، هو الذي يجد قارئه أينما كان، والأدب الحقيقي هو الذي يسهل عليه العثور على قارئه، بغض النظر عن قيمته.
ومحمد شكري، فوق ذلك كله، هو ذلك الكاتب الذي أخذته أزمنة الرذيلة، وتواطأت عليه القذارة، فعانى منذ طفولته من قهر المؤسسة والسلطة والناس؛ ففي طفولته لم يصاحب غير الغجر والأندلسيين، لأن أطفال العرب كانوا يرفضونه : «اذهب أيها الريفي، أولد الجوع». وقال حسن بحراوي إن محمد شكري «عانى من التهميش اللغوي في طفولته عندما كانت لهجته الريفية قدرا يطارده على الدوام، حتى راح يسعى إلى مصاحبة المنبوذين لغويا، ليتلافى تلك النظرة الانتقاصية».

 


وفي نصوصه السيرية والروائية أشار في غير ما مكان إلى ذلك الحنين الجارف الذي يشده إلى لغته الأمازيغية، وقد وافق هو نفسه على ترجمة «الخبز الحافي» إلى الأمازيغية قبل وفاته.
غاب محمد شكري قبل إحدى عشر سنة،  وها نحن نحس الآن أن غيابه ما زال يوجعنا، ما زال يفعل أثره فينا، لأن حضوره كان بهيا وجميلا وباذخا.

مبارك أباعزي

 

 

صور محمد شكري:

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.