محمد شاشا فنان الجزر الجعفرية

 احمد الدغرني

لاشك ان عودة الامازيغ  نساء ورجالاالى كتابة لغتهم وتدوين كتبهم  بها،وتسمية مواليدهم بأسماء مقتبسة منها، والعودة الى حضارتهم القديمة ستكون أسبابا طبيعية للرجوعالى  التذكير بمراسيم الدفن  (les rites funéraires )المعروفة ببلادهم منذ ماقبل التاريخ، ولعل هذا هو ما ارادالكاتب والفنان الامازيغي محمد شاشا  ان يترك  به وصيةلشعبه بان يدفنوه بدون غسل ولا صلاة على مذهب الامام مالك العربي من قبيلة  قريش ، والذي هو نفسه يفتي ببطلان تلك الصلاة اذا أداها المنافقون

كانت جنازة هذا الأديب  تصنفه ضمن ابطال شعبه حيث دفن وهو يتقدم قافلة هامة  ترفرف على روحه وجسده رايات الامازيغ،من مطار سلوان الى راس الماء،كما ترفرفعليه راية البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي  ويعتبر بذلك اول شخصية تاريخية بالمغرب  الحديث ترفض مراسيم الدفن التي يخضع لها كل الذين يدعون الإلحاد والماركسية والتقدمية….

شاءت الاقدار ان تجمعني لفترة من الزمن مع محمد شاشا، وتعرفت عليه عندما عاد من المنفى بعد أسابيع من وفاة الحسن الثاني   صيف عام1999وقدم عندي بمكتب جريدة”تامازيغت” التي كنّا نصدرها بالر  باط في تلك الفترة، وكان من بين المشتغلين بالجريدة الصحافيان الريفيات احمد زاهد ، وجمال الدين العارف، (شاب ريفي هاجر بدورهالى هولاندا وعمل لبعض الوقت مراسلا من هناك لبعض الصحف المغربية)وقدما لي هذه الشخصية المتواضعة، واجرى معه احمد زاهد استجوابين نشرا بالجريدة شرحفيهما بعض تفاصيل هروبه الى الخارج ولجوءه السياسي الى هولاندا  عندما كان قبل فراره ينتمي الى المنظمة السرية الى “الامام”  التي أفلت من السجن والتعذيب بسببها

كان يعيش بمرض مزمن في رئتيه  يتنفس  هواء بلاده بصعوبة ويتناول يوميا الأدوية التي لاتفارقه،لكنه تنفس هواء الحرية والفرح وراحة تخلصه من مرارة المنفى بعدعودته ، وازداد حيوية وصحة مكنته من ان يعيش حياة اخرى من سنة1999الى يوم دفنه  بشاطيء راس الماء Campo de agua الذي ينطقه الريفيون  “بصيغةشعبية”. قابو ياوا” يوم3يوليوز2016   والاسبانيونCabo de agua

ميناء راس الماء هو اقرب نقطة جغرافية من الجزر الجعفرية(وهي في الأصل  لدى  القبيلة تايزيرت اشفارن  بالامازيغية   Tayzirt lchffarnاي جزر اللصوص وقعتحريفهاممن كتبوها بالعربية الى جعفريةعلى شواطيء قبيلة  كبدانة(ايشبدان)   بعد ان احتلها الإسبان سنة1849الريفية التي تسكن  ما بين قرية اركمان ومصب نهر ملويةبالريف  وتنسب  القبيلة الى جبل كبدانة الذي توجد به،وفي بعض الروايات ان الجزر كانت تسمىtazrut  …كانت فرحة محمد شاشا ترتكز عَل شوقه الى روية أمه واخيهوأخته ،  وتحقق له هذا الهدف،وكان ينوي العودة الى كبدانة ليقضي بها بقية حياته، وينوي ان يستعيد املاك والده الذي كان من قياد قبيلة كبدانة، وكان يشيد بالانفتاح الذيعرفه اليساريون الجذريون في عهد الملك الشاب محمد السادس،  الذي يشيد به كثيرا ،الا انه اصطدم بواقع مرير مع مشروع انتزاع ملكية ارض والده من عائلته ، وضمهاالى الملك المخزني في فترة  نفيه، بعد ان ارتفعت قيمة املاك شواطيء  كبدانة وتوسع العمران في مدينة راس الماء،وحاول استرجاع أملاك  عائلته ، وعانى من مرارةصعوبة ذلك،وواجه اقسى الصعوبات ،حتى فقد من جديد الأمل في الاستقرار ببلده،ولم يجد وظيفة ولا مصالحة ولا انصافا من النوع الذي تمتع به بعض اليساريين من قدماءمنظمة الى الامام رغم مكاتباته وشكاياته لأنواع سلطات بلاده،ربما بسبب كونه كرس حياته في المنفى الى التأليف والنشر باللغة الامازيغية، رغم كونه من المغنيينبالامازيغيةوالعربية، وكان عازفا لآلة العود، ويخلط في نصوصه الادبية بين العربية والامازيغية الريفية والدارجة المغربية ولم  يكن أبدا  يحمل في قلبه أية نزعة عنصرية

زرت محمد شاشا في بيت والدته بقابوياوا،ووجدته قد تحسنت حالته الصحية جيدافي سنة 2006وهويسير المخيم الذي اقامه على الشاطيء الذي تملك منه عائلته  بقعةارضية تمتد على مياه الشاطيء،ومكثت معه بعض ايام عطلتي، وحكى لي قصص طفولته بهذا الشاطيء والميناء،وحكى لي ان قبيلة كبدانة كانوا يزورون الجزر الجعفرية بواسطة قواربهم، وانه زارها في طفولته كغيره من شباب وصيادي السمك بالقبيلة بدون منع ولا جواز سفر ، وكانوا يتجولون في اسواقها بكامل الحرية، الى ان منعتهمالسلطات الاسبانية من الدخول نهائيا بعد سلوكها سياسة محاربة الهجرة السرية وتهريب المخدرات ،لانها جعلت الجزر سجونا عسكرية ومقابر لموتى لايعلم شاشا من هم؟،وموقعا لرمي النفايات المتنوعة التي تلوث شواطيء كبدانة وتطلق الروائح الكريهة ولا من يحمي البيئة  ولا من يبحث….

، كان لمحمد شاشاحنين وشعور عميق بالحزن، وعلاقة روحية خيالية بهذه الجزر الثلا ثة  التي يقف لحظات طويلة بالليل والنهار وهو ينظر اليها من بعيد،وهو يعرف خباياانفصالها الطبيعي عن المغرب، بكون صخور  ذلك الشاطيء  مكونة من الرمال الهشة التي تذوب مع قوة الامواج ولا ادري هل كتب شيئا عن هذه الجزر التي اوحت اليهبكثير من إبداعاته ،حتى كنت اسميه مع نفسي” فنان الجزر الجعفرية” وهي  مادة غائبة عن الأدباء المغاربة، وكان هو يتابع حتى الأدب الإسباني الذي الفه  كتاب إسبان، اماسجنوا بهذه الجزر او قضوا فيها الخدمة العسكريةويحكي قصص الصيادين والمهربين الذين يعيشون في ظلام   وضباب شواطيء قابوياوا، وهي  التي تعلم فيها التمردوالصبر على مواجهة القمع،ومنها الفرار الى المنفى الذي يحلم به شباب الريف٠وحكى انه تعرض للقمع منذ ان كان تلميذا في بلدته لانه كان يشارك في إضراباتواحتجاجات التلاميذ التي تقع بالريف منذ أوائل شبابه

كانت  هناك في كبدانة سنة1976  جمعية امازيغية تحمل اسم “يوغرطة”بقرية اركمان تهتم بالامازيغية والبيئة الطبيعية،أسسها علماء ومثقفون من هذه القبيلة المجيدة، كانمنهم الدكتور محمد عصام، والدكتور محمد قروع،  والدكتور موسىى اغربي وغيرهم وهم اساتذة في جامعة وجدة،لكني لم  اعد اسم

  شيئا  عن هذه  الجمعية؟!

وشاءت الاقدارايضا ان أزور شاشا بعدان شارك معنا في تأسيس الحزب الديموقراطي  الامازيغي المغربي  في 30ييوليوز 2005 في بيته البسيط بامستردام،وهناك شاهدتآلة العود التي يعزف عليها  ومجموعة مؤلفاته ، وكذلك وثائقه  وأرشيفه  الخاص إذكان لا يتوفر على بيت ولا وثائق بالمغرب،

مما جعلني اشعر الان بهم يتعلق بمصير مسودات كتبه ومآثر حياته التي كانت توجد معه في شقة يقطنها بالكراء وعاش طول حياته مهددا بالافراغ منها اذا لم يود الكراءالشهري، وهو لم يكن مهاجرا يجمع المال بل غارقا في المنفى القسري والاشتغال بالأدب والفنون والكتابة….

كانت حياته الخاصة قاسية بعد فراقه لزوجته الهولندية التي قضى معهاجزءا مهما من مدة منفاه،وفارقته بدون اولاد، وكانا معا يشتغلان في متجر خصوصي وبقي وحده اعزبا مع المرض والكتابة وأحيانا مع البطالة وهموم السياسة،وهناك التقينا  وعرفني وحكى لي عن قطع صلته مع اليساريين الذين كان معهم في شبابه،ويخامرني الان هميتعلق بمصيرارشيفه بهولاندا  ووثائقه التي هي  مهمة على عاتق المثقفين المقيمين بامستردام ووزارة الثقافة المغربية  والسفارة المغربية، وخاصة الذين واللواتي يقدرونقيمته الأدبية مثل الشاعرة فاضمة الورياشي وغيرها.

الرباط في4يوليوز2016

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.