محمد جلول يكتب من السجن: لا مصالحة مع الريف دون الإعتراف به ككيان سياسي قائم الذات

نسجل وجود و بشكل لافت لمساع حثيثة توظف أشكال القنوات و المنابر لمحاولة إقناع الرأي العام بوجود شيء إسمه سياسة رسمية جديدة إزاء الريف . بوجود شيء إسمه المصالحة مع المنطقة وإعادة الإعتبار لها ، سياسة جديدة تقطع مع عهد الحصار و التهميش و العقاب الجماعي ضد الريفيين منذ 1956 و لا سيما منذ ثورة الريف سنتي 1959/1958 و حجتها الوحيدة في ذلك التطبيل لبعض المشاريع التي تم إنجازها بالمنطقة خلال السنوات الأخيرة و الحديث عنها بالمبالغة حتى ليخيل لغير المطلع على الأوضاع و الواقع الحقيقي أن هناك تنمية دائبة بالمنطقة وأن الريف قد تعافى أو هو سائر نحو التعافي من الجمود الإقتصادي والتخلف التنموي الذي كان سببه بالأساس السياسات الرسمية العقابية الممنهجة ضده لعدة عقود متواصلة وحرمانه من مو ارده و من حقه في تقرير تنميته المحلية /الجهوية .

ال واقع الذي يعيشه أبناء المنطقة يقول أن الريف لا زال محاصرا و لازال التعاطي الرسمي التقليدي ازاءه قائما . نفس الأزمة الإجتماعية و نفس الأزمة الإقتصادية و نفس المقاربة الأمنية الإنتقامية /العقابية الجماعية إزاء أبناء الريف ، وهذا هو الواقع و الشعور الذي ينتاب الغالبية العظمى من الريفيين ، سواء الذين يتواجدون بالداخل أو في الشتات ، أما في ما يتعلق ببعض المشاريع الهيكلية التي تم إنجازها بالمنطقة خلال السنوات الأخيرة و التي كثيرا ما يتم التغني بها و الحديث عنها كما لو أنهامنحة يتصدقون بها على الريفيين و ليس بمثابة حقوق يستحقونها . إنها مشاريع بمقاربة عقلية المركز إضافة إلى التدبير المركزي لتلك المشاريع والتي لا تراعي حاجيات وأولويات السكان. فإنها من الناحية الكمية لا تمثل إلا الشيء الهزيل بالمقارنة مع الريف التاريخي الكبير. الذي يستحق المشاريع الحقيقية إزاء الدولة المغربي المركزية وهي هزيلة حتى بالمقارة مع الموارد المالية والطبيعية الحالية والموارد الخارجية التي يتم تحويلها إلى المركز سنويا من المنطقة ، ومن الناحية الكيفية فهي مشاريع تتسم بالهشاشة و الرداءة وكثيرا منها أصبحت معطوبة حتى قبل مرور بضعة شهور من إنشائها نتيجة ضعف الميزانيات المخصصة لها أو نتيجة سوء التسيير و التدبير و نتيجة لغياب المتابعة والصيانة الدائمة لتلك المشاريع كما أنه مما يلفت النظر و يطرح التساؤل هو تهميش القطاعات الإنتاجية التي بدونها لا يمكن حدوث إقلاع تنموي حقيقي بالريف كالفلاحة والصيد البحري والصناعة حيث أنه ليس فقط يسجل غياب أي مخطط استراتيجي موجه بشكل خاص لفائدة الريف لتأهيل هذه القطاعات لتنشيط الإقتصاد المحلي وتشغيل الساكنة و تدارك التأخر الحاصل في هذا المجال نتيجة الحصار التاريخي والتخريب الممنهج وغير الممنهج الذي طال هذه القطاعات ولكن للأسف و ما يثير امتعاض الريفيين أكثر من ذالك هو إقصاء المنطقة من الإستفادة حتى من المخططات الوطنية في هذا الإطار كالمخطط الأخضر على سبيل المثال وليس الحصر و استمرار سياسة إقبار ما تبقى من هذه القطاعات على المستوى المنطقة وكمال على ذلك الحالة التي وصل إليها سهل النكور و قطاع الصيد البحري من تدهور…

لذلك فإن معانات المنطقة و أهلها مازالت مستمرة رغم التضحيات التي قدمها الريف تاريخيا لفائدة حرية الوطن المراكشي ورغم الموارد التي يساهم بها لفائدة الإقتصاد الوطني ، فلازال الميآت الألاف من أهالي المنطقة يعانون من العزلة و التهميش و الخاص في الحاجات الأساسية و على رأسهم الألاف من مزارعي الكيف البسطاء الذين يعانون ، فضلا عن العزلة و التهميش و الإقصاء . اضافة إلى المتابعات و المداهمات لبيوتهم و الإعتقالات التعسفية بسبب وجود سياسة مركزية متلبسة إزاء هذه الزراعة تجعل هؤلاء المزارعين الذين ورثو هذه المهنة أبا عن جد تجعلهم اليوم ضحايا تحت رحمة الركب المفيوي السلطوية الذي يقوم بابتزازهم و التجارة سياسيا بآلام و همومهم .

لا زال حلم معظم شباب المنطقة هو الهجرة نحو الضفة الأخرى لإيجادمتنفس في ظل انسداد الآفاق في وطنهم أمام غياب فرص الشغل و تزايد أفواج المعطلين خاصة منهم الحاملين للشواهد حيث و في سياق الحديث عن إعادة الإعتبار للمنطقة فبدلا أن يتم التعاطي مع ملف التشغيل بالمنطقة بمقاربة انصافية لتعويض أبناء الريف عن سنوات الإقصاء و التهميش فإنه عكس ذلك يتم مواجهة مطالب المعطلين بالقمع و الحصار _ رغم بساطة هذه المطالب _ و في ظل المقاربة الأمنية الخانقة و المحضة ضد أبناء المنطقة عموما و بدون تقديم أية بدائل توفر لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة و تحقق لهم الإستقرار ، و في ظل غياب أو الخصاص إلى البنيات و المرافق التعليمية و الإستشفائية و الثقافية و الرياضية ، و على سبيل المثال نذكر غياب مؤسسة جامعية بإقليم الحسيمة رغم المطالب و الحاجة الملحة التي يعبر عنها أبناء المنطقة منذ عقود ، غياب على مستوى الريف الكبير بأكمله وبشكل كبير استمرار الإقصاء و التهميش حياله لمستشفى جامعي إس بالجهات الأخرى و لمركز انكولوجي يستحق الذكر في مستوى حجم متطلبات وحاجيات المنطقة التي تعاني من أكبر نسب إصابات بالسرطان كنتيجة للحرب الكيماوية إبان الفترة الإستعمارية التي تعرضت لها بسبب دفاعها عن حرية الوطن ورفض خضوعها للهيمنة . كما نسجل غياب خط سككي حديدي يربط شرق الريف بغربه هذا في الو قت الذي تنفق فيه الدولة المركزية الملايير من أجل انشاء خط تي جي بي الفائق السرعة على الساحل الغربي و الذي يعد من الكماليات حتى في الدول الغربية وما بالك بدولة متخلفة على كل المستويات مثل المغرب تعاني فيها الغالبية العظمى من الشعب من الحاجة. إذا كانت هذه لمحة موجزة للواقع الإقتصادي و الإجتماعي المزري بالريف و الذي يدحض مزاعم الذين يتحدثون عن وجود واقع تنموي بالمنطقة يختلف عن الماضي فإنه زيادة على ذلك لا ينحصر واقع الظلم المسلط على الريفيين في الجانب الإقتصادي/ التنموي فقط و لكن في مجالات عدة و أكثر خطورة يتم التعامي عنها مثلالتعاطي الأمني الإستثنائي تجاه أبناء المنطقة حيث تتعامل أجهزتها (أتحدث عنها كأجهزة وليس كأفراد) تتعامل كما لو أنها قوات احتلال بالمنطقة وليس كوت لحفظ الأمن وسلامة وطمأنينة المواطنين و هذا ما يشعر به الريفيون من خلال طريقة الإستنطاق و التعامل اليومي مع شؤونهم و المداهمات التي تتعرض له المقاهي و التفتيش الجماعي المهين الذي يخضع له الرواد و المارة و التفتيش المهين الذي يتعرض له المواطنون في الشوارع… ومن خلال الحواجز الأمنية المكثفة الموجودة على الطرقات حيث تجد أعداد مثيرة وتدعوا إلى الإستغراب والتساءل من و على نقاط التفتيش تخنق عملية.السير بين مختلف الروابط الحضرية و القروية للمنطقة هذا في الوقت الذي لا يمكن لك مثلا أن تسافر من أقصى جنوب اسبانيا إلى أقصى شمال هولندا بدون أن تصادف في الغالب من الأحيان ولو حاجزا أمنيا واحدا و لكم التعليق !!! و دائما في إطار طبيعة التعاطي الأمني مع الريف يتم التعامل مع أبناء المنطقة بأحكام قضائية استثنائية قاسية تفوح منها رائحة الإنتقام و العقاب الجماعي بشكل تجده كقناعة لدى معظم الريفيين حيث أنه من الأساليب الممنهجة لإرادة الوصاية بالمنطقة لمواصلة العقاب الجماعي التاريخي ضد أبنائها هو الزج بهم في غياهب السجون و بأحكام خيالية و لأبسط الأسباب و في ظل نظام للسجون لا يمت بأية صلة إلى إعادة الإدماج و في سياق الحديث عن الظلم المسلط على الريفيين فإن أكبر اجحاف يتعرض له الريف منذ 1956 هو حرمانه من ممارسة ثقافته و خصوصياته على المستوى المؤسساتي لحساب فرض المرجعية الثقافية المركزية خاصة في مجال التعليم و التدريس هذا بالموازنة مع تقسيم الريف الكبير وفصل اجزائه عن بعضها و طمس تاريخه و اهمال تراثه … و لا زالت السياسات الرسمية تكرس هذا الواقع في أكبر انتهاك يتعرض له الرفيون ضدا عن المواثيق الدولية لحقوق الإنسان هذا فضلا عن استمرار استبعاد ملف ماضي الإنتهاكلت الجسيمة لحقوق الإنسان بالريف الفردية منها والجماعية من أي طرح للكشف عن حقيقة و انصاف الضحايا و عائلاتهم بدء بضحايا تصفية أعضاء جيش التحرير الريفي و ضحايا قمع ثورة الريف سنتي 59/58 وصولا إلى ضحايا قمع حركة 20 فبراير بالمنطقة . فأي اعادة للإعتبار للريف يتم التطبيل في ظل الواقع ؟ أليس هؤلاء الذين يدعوننا إلى التصفيق و القول بأن الأمور على ما يرام وقد تحسنت إلى الأفضل يريدون منا أن نقبل بالفتاة ونتخلى عن حقوقنا المشروعة ؟ إذا كان في ظل الواقع المزري بالريف الكبير و السياسات الرسمية المركزية التي مازالت تكره لا يمكن الحديث عن وجود ارادة حقيقية لإعادة الإعتبار للمنطقة و لأهلها و للقطع مع طبيعة التعاطي الرسمي التقليدي معها و الموشوم تاريخيا بالحصار و التهميش و الإقصاء و التهجير و الأحكام الإستثنائية … منذ 1956 فكيف يمكن الحديث عن المصلحة و التي تعتبر موضوع يتجاوز مسألة إعادة الإعتبار ومسألة الإنصاف بإعتبار أنه لا يمكن الحديث عن مصالحة مع الريف إلا في إطار حل وطني يرضي الريفيين و ينصف الجميع يكون فيه الريف كطرف في عقد هذه المصالحة على أساس إجلاء الحقيقة حول الماضي الأليم و فتح صفحة جديدة على أسس وضمانات متواضع عليها. أما المصالحة من جانب واحد فليس له أي معنى، و هكذا فإن أي مدخل للمصالحة مع الريف الكبير يمر بالضرورة بالإعتراف به ككيان قائم بذاته و بحقوقه الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية التاريخية و حق الريفيين في تسيير شؤونهم وتقرير مصيرهم في إطار الوطن المراكشي متعدد متضامن أما من دون ذلكفلا يمكن الحديث عن أية مصالحة و ستبقى كل المحاولات لتجاوز هذه الحقيقة مستحيلة مهما كانت المحاولات .

إننا و نحن نتناول هذا الموضوع فإننا لا نتحدث من خلفية الإنحياز ألى المنطقة حيث لا يجب أن ننسى أن الريفيين تاريخيا لم يعرف عليهم أنهم كانو يدافعون حصرا من أجل حريتهم و كرامتهم و إنما يدافعون عن حرية و كرامة كل الوطن المراكشي و من أجل ذلك تعرضوا للمعاناة و مازال يتعرضون لها – بل نتناول الموضوع من خلفية الرد على أولائك الذين يريدون تجميل الواقع بالريف وهو غير جميل ويريدون من الريفيين التخلي عن المطالبة بحقوقهم المشروعة والتطبيع مع واقع الوصاية المركزية التي تسلب إرادتهم وتقرر مستقبلهم و لكن ليس كما يريدونه و لكن كما يريده المركز و وفق خلفيات و حساباته و هذا الواقع ينطبق أو هو أسوأ في الجهات و المناطق الأخرى المحسوبة على المغرب الغير النافع بفعل منطق الوصاية المركزية و من حق آهل هذه الجهات و المناطق القيام بالدفاع عن حقوقهم الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية ، كما أن مطلب الريف من أجل الإعتراف به كجهة سياسية تتمتع بحقوقها في تسيير شؤونها الذاتية و ممارسة ثقافتها وخصوصياتها ليس مطلبا فيه مزايدة أو مبالغة و ليس مطلبا نابعا من رغبة في محاكاة نموذج ديموقراطي غربي معين حبا في المحاكاة و لكن هذا المطلب أصيل و مشروع ، فبلادنا معروفة تاريخيا كونها كونها بلد متعدد الخصوصيات السوسيوثقافية ثقافية الجهوية تمتعت الجهات في إطاره بالإستغلال الذاتي في تسيير شؤونها في ظل حفاظا على علاقتها الوطيدة فيما بينها وم الريف الكبير شكل على مر الزمان كيانا ثقافيا وسياسيا كطرف مشكل للكيان الوطني وهذا الوضع السوسيوسياسي بقي سائدا إلى غاية التدخل الإستعمارية ببلادنا الذي عمل على فرض الوصاية المركزية عل الشعب المراكشي ثم تسليمه إرادة الحكم سنة 1956 لنسبة مركزية في ظل غياب الإجماع الوطني للشعب المراكشي الذي رفض استمرار نهج الوصاية المركزية الذي يلغي تعدد الجهوي الأصيل لذلك فإن المطلب الذي يرفعه الريف اليوم هو من أجل استعادة الشرعية التاريخية و في نفس الوقت من أجل حل معضلة الديموقراطية و التنمية وتحقيق الإنتقال الأمن من دولة مخزية مركزية حيث الدولة ملكية خاصة تمثل فقط إرادة نخبة مركزية محدودة إلى دولة ديموقراطية عصرية قائمة على السعادة الشعبية الحقيقية تضمن الحق في الوجود شكل الوجود لجميع مكوناته الثقافية الجهوية . و أخيرا ندعو إلى الحذر من بعض الكتابات حول تاريخ الريف والعائلة الخطابية التي تنشرها بعض المنابر الإعلامية المكتوبة التي لاتكن الود للريف وأبنائها وتسعى إلى التلاعب بالحقائق لغرض في يعقوب .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.