محمد السقفاتي يكتب من هولندا عن : فيلدرز والانتخابات البلدية الهولندية، الدولة المغربية ووضعية المغاربة في هولندا…

قصص فيلدرز وأدب الإنتخابات الهولندية:
لولا فيلدرز لما انتشرت أخبار الانتخابات البلدية الهولندية في العالم بهذا الشكل الهائل. لقد صار الكثيرون الآن يعرفون من هو فيلدرز. لكن ما لا يعرفونه هو أن لفيلدرز أخ أكبر يحمل نفس الإسم العائلي وقد سبق له أن قام بشطحات إعلامية ليقاوم فكر وجنون أخيه الأصغر ‘خيرت’.
تتم مقارنات كثيرة، ويغلب الحديث عن فيلدرز على الحديث عن  الانتخابات في المحادثات بين المواطنين. أنا وزميلتي لم نكن استثناء حين سألتها:
– هل أدليت بصوتك البارحة في الانتخابات؟
– لا، لم أصوت، قالت بلا مبالاة
– ولماذا لم تفعلي؟
– لماذا أفعل ونحن نعرف مسبقا من سيربح ومن سيخسر في هذه الانتخابات.
– ربما لو صوتت لما كان لفيلدرز أن يفوز
– ومن قال لك أنني إن شاركت فلن أصوت له؟ لم أصوت لأني غاضبة. غاضبة على كل الساسة في هذه الدولة والأزمة التي تسببوا فيها. لا أحتاج الى صداع رأس بالانتخابات ونحن نعرف أن كل شيء بيد الله.
– تقصدين حتى نتائج الانتخابات الهولندية يتحكم فيها الله؟
*****
يوم فقط بعد يوم الإنتخابات أجريت هذا الحديث القصير مع زميلة العمل الغاضبة واللامبالية وتساءلت ما إن انتهى الحديث بيننا: كيف لشخص لا مبال أن يعتريه الغضب؟ كيف لدولة أن تغضب مواطنا وتجعله يسخط عليها وفي آن واحد تفلح في جعل هذا الشخص الغاضب لا مبال وغير مهتم؟ تساءلت فقط، ليس لأستطيع الحكم على الناس، لكن لأتمكن من المعرفة وأطرد عنها شبح الغرابة. هذا الشبح، هذا الطيف الذي زارني يوما قبل حدوث الانتخابات، حينما كنت في المساء أتابع برنامجا على التلفزة الهولندية حول الانتخابات التي ستجرى مباشرة غد ذاك المساء حين سأل الصحفي مجموعة من الشباب المغربي إن كانوا سيصوتون وعن أي حزب سيصوتون. الجواب كان غريبا:
– لفيلدرز
والسبب؟
– إن فيلدرز هو الشخص الوحيد المؤهل والقادر على توقيف زحف المهاجرين من بلغاريا ورومانيا ودول أخرى من أوروبا الشرقية، والمقيمين غير القانونيين من الدول الإسلامية. ويستطيع أيضا أن يطرد المجرمين من المغاربة الى موطنهم الاصلي: المغرب.
حينما سألهم الصحفي إن كانوا قد فكروا في إمكانية أن يتعرضوا هم أنفسهم مستقبلا لنفس المصير، أخرجوا من جيوب معاطفهم جواز سفرهم الأحمر وقالوا مبتسمين: نحن مواطنون هولنديون.
لم يباغتني ، تلك اللحظة، أي سؤال، لكني أدركت أنهم لا يعرفون تلك المقولة الشهيرة: لقد أكلت يوم أكل الثور الابيض.
تعجبت وقمت بجهد مضن كي أبعد عني الصورة وأنسى أولئك الشباب وذلك البرنامج.
لكن البارحة مع إعلان النتائج الانتخابية وسماع خطاب فيلدرز التحريضي والمشبع بنشوة الانتصار في جبهة حرب مفتوحة على المغاربة بشكل عام دون تحديد الجزء المستهدف منهم، حين سمعته وهو يصيح أمام القاعة الممتلئة:
-… إذن سأسألكم، أتريدون في هذه المدينة وفي هولاندا مزيدا من المغاربة أو تريدون التقليل من أعدادهم ؟
بصوت واحد تتعالى الشعارات:
– التقليل التقليل التقليل.
فقال:
– سنتولى ذلك.
حينها أدركت أن كل جهدي الذي بذلته لأنسى أولئك الشباب في التلفاز قد ذهب هباء منثورا وكان دون أي نتيجة تذكر.
تساءلت مع نفسي: كيف سيشعر الشباب في هذه اللحظة وهم يستمعون إلى خطابه الذي لم يستثن فيه جوازات سفرهم الحمراء التي يحملونها دوما في جيوب معاطفهم؟
*****
تذكرت مقابلة صحفية للسياسي الهولندي اليميني ‘بيم فورتاون’ حين سأله صحفي إن كان هو مع فكرة فيلدرز الذي كان آنذاك متحزبا برلمانيا من   حزب الشعب لأجل الحرية والديموقراطية الذي يحكم حاليا في هولاندا. كان فيلدرز قد طرح فكرة طرد المجرمين المغاربة إلى وطنهم الأصلي.
كان جوابه على الشكل التالي: إن مشكلة الشباب المجرم المغربي، ليست بمشكلة مغربية ولن نعتدي بهذه المشاكل على الحسن الثاني. إنها مشكلة هولندية لشباب ولدوا وكبروا في هذا البلد ونحن من سنتولى بمهمة حلها.
‘بيم فورتاون’ اغتيل في شهر ماي من سنة 2002 وحزبه اليميني فاز بأصوات كثيرة في الانتخابات الي نظمت مباشرة بعد اغتياله وشارك في الحكم على مستوى البلديات. الحزب تلقى في النهاية مصير الحل  بعدما نفر منه الناخبون عليه.
فيلدرز تعلم كثيرا من  ‘بيم فورتاون’ حيث أنه لا يعطي للناخبين عليه فرصة اختباره على أرض الواقع وإمكانية عقابه في دورات انتخابية قادمة إن رسب في امتحان الاختبار، حيث أن حزبه يشارك لحد الآن  فقط في انتخابات مدينتين (لاهاي و ألمير)، أما على المستوى الوطني فلا يوجد حزب يهلل لإشراكة في التحالف الحاكم. هكذا يبقى فيلدرز دائما خارج اللعبة السياسية وتكون المقارنات مع نازية ألمانيا ليست في محلها تماما.
*****
خلفت الانتخابات يوما فقط بعد إجرائها صداعا يشبه صداع الثمالة المفرط فيها. الديبلوماسيون الهولنديون حين ارتادوا مقرات عملهم وجدوا أنفسهم مجبرون أن يدافعوا عن صورة بلدهم ويوضحوا لزملائهم عبر العالم كله الحالة التي غدت عليها القيم الهولندية كالتسامح مثلا.
لي صديق مغربي الأصل، حين وصل الى مقر عمله جاءه زملائه الهولنديون واعتذروا له عن التصريحات المستفزة. في مقر عملي أنا،  تأخرت الزميلة السورينامية كثيرا عن الالتحاق بعملها. حين وصلت قالت:
– اعتذر على هذا التأخر، كنت في مكتب الشرطة لادلي بشكايتي ضد فيلدرز.
زميلة أخرى اقتنعت بضرورة الشكاية، لكنها حين اتصلت بالشرطة اعتذروا لها وقالوا:
– طابور المشتكين والذين يحسون بأنهم ضحايا لتصريحاته، لا نقدر عليه سنسجل رقم هاتفك،  وغدا أو بعده سنتصل بك لنرتب موعدا لتحرير محضر.
الكل يتحدث أو يقدم تصريحات أو يرتب إجراءات أخرى. فقط المغرب الرسمي و’ممثلي’ ‘الجالية المغربية’ منهم من غابوا.  فلا صوت للوزارة المغربية الخارجية، لا صوت لمجلس الجالية المغربية، لا صوت للسفارات المغربية ولا صوت للقنصلية وكأن العملة الصعبة هو الارتباط الوحيد الذي يجمعهم برعاياهم هنا في هولاندا. وفي هولاندا  بالضبط أجريت قبل انهاء كتابة هذا النص حديثا مع زميل مولوكي (اندونيسيا) قال لي فيه:
– نحن المولوكيون نعرف جيدا التجربة التي يمر بها المغاربة الآن. في سبعينات القرن الماضي كنا نحن هي الفئة الغير مرغوب فيها هنا، لكن استطعنا أن نخرج منها معافين وسالمين عبر تتبع استراتيجيتين في نفس الوقت. حان الوقت الآن للمغاربة أن يفعلوا نفس الشيء، أن يكَونوا جبهة قوية ضد مثل هذه التصريحات وفي نفس الوقت عليهم أن يتفهموها وبعتبروها كصدقة من فيلدرز، كإشارة بأنه هناك في وسط المغاربة من سلوكات ما يسبب في أن تكون هذه التصريحات مقبولة عند فئة معينة ولها أساس حين تقال. كونوا أيضا جبهة تهتم بنقد الذات وتصحيح ما هو معوج. هذا واجبكم أنتم وواجب دولتكم.
حينما أردت الانصراف سألني:
– على ذكر الدولة، أين هي دولتكم، أين بقيت؟.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.