محمد الزياني: في الذكرى الثامنة لرحيل المناضل مصطفى الخطابي ..رفيق في الذاكرة

 KHATTABI M3

تــقــديــم :

بين الساعة الرابعة والسادسة من صباح يوم الخميس 29/06/2006 توقف عن الخفقان قلب المناضل الودود والوديع : الخطابي مصطفى أحد ضحايا سنوات الجمر والرصاص.

 اعتقل سنة 1976  في إطار الحملة الشرسة التي شنها النظام المغربي ضد كوادر منظمة إلى الأمام التي كان مصطفى ضمن مسؤولي إحدى خلاياها بفاس . هو ممن شملتهم محاكمة 1977 الشهيرة ..التي اعقبتها اضرابات واحتجاجات داخل السجون وخارجها خصوصا الإضراب التاريخي عن الطعام للمعتقلين السياسيين الذي استشهدت خلاله رفيقة درب مصطفى : سعيدة المنبهي سنة 1979 . حوكم مصطفى الخطابي ب10 سنوات سجنا قضى منها 8 سنوات ونصف ليغادر السجن المركزي سنة 1984 مباشرة بعد الانتفاضة الشعبية المجيدة ضمن الدفعة الأولى  التي ستليها دفعات مماثلة بعد نضال مرير للشعب المغربي وفعالياته الحقوقية والسياسية والتضامن الرائع الذي أبدته كل المنظمات الحقوقية الدولية  والهيئات الديمقراطية عبر العالم   ..

                    واعتبارا  لحجم الخسارة التي مني بها الصف الديمقراطي  واليسار الجذري تحديدا برحيل مصطفى… واعترافا بعطائه النضالي الذي لازم مشوار حياته قبل وبعد التجربة السجنية القاسية .. أقدم هذه الشهادة المتواضعة كواحد ممن عاش بجنبه صغيرا ورافق جزءا من معاناته السجنية شابا  وظل مدينا له بالكثير حتى بعد رحيله الأبدي ….

مصطفى الخطابي بالسجن المركزي 

KHATTABI M3

                               ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لحظة منغرسة في ذاكرة أهل حي ” دهار نمسعوذ ” بالحسيمة ، فضاؤها زمن السبعينات من القرن الماضي… لحظة وشمت طفولتنا التائهة ونحن نشرئب بكياننا لفهم لغز الملابسات التي ميزت المرحلة بمستوياتها الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية العامة …حين فوجئ هذا الحي الشعبي البسيط  في ذاك الصباح وسكانه  يخرجون عن بكرة ابيهم مذهولين مذعورين أمام هجوم بوليسي وحشي استهدف  منزل عائلة هذا المناضل / الإنسان الذي ظل في أعين الجميع عبرة  في الأخلاق والسلوك وقدوة  يحتذى به في العلاقات الاجتماعية…هرع الكل نحو الجهة الخلفية لشارع بني مرين المطل على المنطقة الجبلية المقابلة ، حيث المشهد الملحمي : مصطفى الخطابي .. يتخلص من نعليه منطلقا كالسهم  حافي القدمين باتجاه الفيافي مخترقا ضفاف الوادي متسلقا صخور وهضاب دوار” بوجيبار” المقابل ، وخلفه يركض مجهولون  .. يقودهم أحد رموز بوليس المدينة وقتذاك  الذي ظل يراقب المشهد من بعيد… 

مصطفى وسط صديقيه

khattabi m1

(قبل بداية مشهد الفرار  ،  قيل : أن هؤلاء اقتادوا مصطفى  قبل حين لمنزله ، ليدلهم  على شيء ما بعد أن وقع في قبضتهم باكرا بنقطة من نقط المدينة وهو يهم بمغادرتها على عجل )  أشخاص غرباء يجهدون أنفسهم للحاق  بالخطابي الذي  أطلق ساقيه للريح  وهو شاب  ينضح  فتوة وقوة  وأمل في المستقبل …… وكل من تابع هذا المشهد الملحمي  سكنه السؤال عن مغزاه خصوصا حينما يكون الهدف هو القبض على شخص ذو مواصفات تلك و محط إعجاب واحترام وسط الساكنة … هو الطالب الجامعي الذي تخطى صعاب الثانويات  ومثبطات التعليم بامتياز إلى رحاب الجامعة البعيدة المنال ..ألخ وتتقاطر الأسئلة ، غير أن الجواب ظل مكتوما بدواخل العارفين ..إلا ما كان باديا  على محيا البعض عبر همسات عابرة  تفيد ” إن مصطفى   يتدخل في السًّياسة ” …. ولم يدم الأمر طويلا حتى سقط مصطفى  فريسة في يد الذئاب المسعورة  بمنطقةثرايذبارن ” عين الحَمَام ” بعد أن تهشمت قدماه  وتدمت وانسلخ جلدها بفعل الأشواك وحدة الصخور …..

   ابتدأت  مأساة الاعتقال : بعد وصية أخيرة أطلقها مصطفى ـ لحظة فراره ـ  لوالدته لم تسمع منها سوى” إهتمي  بحقيبتي  ....والكتب ..” وأمام هول الصدمة شرعت الوالدة بإحراق ما امتلكت يديها من كتب غصت بها غرفة مصطفى في فرن تقليدي بجوار الدار وبعضها التقطها الإخوة في أكياس لتهريبها إلى كل الأمكنة وإلى  اللاّمكان ….(حكاية  المكتبة هذه ظلت الأم تحكيها في حلها وترحالها لاسيما لمن يرافقنا لزيارتها   ، في إطار بعض التكليفات النضالية الجامعية  فيما توالى من الأيام   ….) 

 بعد الاعتقال مباشرة تم  إبعاد مصطفى  عن أنظار أهله ومدينته المكلومة ، إلا ما بدأنا نسمعه بعد الحدث بشهور: من أنه نقل على وجه السرعة إلى (الداخلية) قبل حدث تفريق المعتقلين على سجون الوطن حيث كانت مدينة الشاون من نصيب رفيقنا/ فقيدنا.

ونحن في مشوارنا الدراسي /الثانوي بدأت تصلنا أخبار عن محاكمة 1977 التي رافقتها شعارات/كتابات حمراء كنا نصادفها على واجهات  المؤسسات كل صباح من صباحات تلك الفترة المتميزة بالغليان الشعبي الموازي لإضرابات  المعتقلين السياسيين التي عمت كافة سجون الوطن … 

مصطفى في شبابه

khattabi M 2

 استبطنا شيئا غامضا مذاك وظل يلتهم دواخلنا دون القدرة على البوح بمغزاه : إنه عشق الحياة في صفائها  والاستعداد للتمرد على مظاهر الفساد فيها  ، تماما كما حاول تعليمنا إياه  مصطفى الخطابي ..

فامتدت الاحتجاجات إلى  ثانوياتنا المحلية والريف عموما  بما يشي بانبثاق تنظيم تلاميذي محكم في صيغة وداديات ….إدارات المؤسسات التعليمية عندنا  تستنجد  بجمعيات آباء وأولياء التلاميذ دون جدوى للضغط على الأبناء وتخويفهم بمصير السابقين …قبضة حديدية تُدار بها الأمور …..يدنس البوليس ، بشكل متكرر ، رحاب المؤسسة التعليمية ويغيث فيها ضربا ورفسا إلا من رحم ربك ….. يتنامى فينا شيئا فشيئا  إيماننا بقضية المعتقلين السياسيين من رفاق مصطفى ويشتد الشوق لمعرفة أخبارهم… ولما لا الفوز بلقياهم ومعانقتهم

تلك لحظة نقتطعها من حصة زمننا الشبابي  حين منينا بصدمة اعتقال مصطفى ورفاقه أجهضت كبرياءنا وتطلعنا المبكر لفهم لغز واقعنا ذاك بتناقضاته .. ليصدق علينا قول الشاعر ” في الليلة الظلماء يفتقد البدر ” ..غُيب مصطفى وبدأت  تتداعى للذاكرة  تلك الجلسات الحميمية الممتعة التي قاسمنا إياها  بمنطقة ثًازْرُُّروْط  /الحجرة ، تلك المعلمة االمجالية التي احتضنت  شباب المرحلة  من أبناء الدرب  كلما أحسوا الحاجة للتنفيس عن كربهم  ،إلا أنها كانت أولا وأخيرا فضاء لمناقشات حرة وطليقة(شبيبهة بمحاورات سقراط للسفسطائيين بساحات دولة المدينة / أثينا اليونانية )… حول مستجدات الحاضرنا المغربي الذي يمور غليانا  … وتكتمل الدائرة بحضور المرحوم كينتو ونده احميدوش … ومرارا يحضر الخطابي  مصطفى  الذي  كان عارفا بتقنية إقحام الجميع  في سجالات فلسفية ونقاشات سياسية نتلذذ بعمق التحليل المادي التاريخي لأهم قضايانا المجتمعية .. في وضع موسوم بإفرازات الظاهرة الهيبية والبوهيمية والفوضوية ..وانتشار المجموعات الغنائية الملتزمة والثورية في كل مكان من المعمور: فهذا الشيخ إمام وفؤاد نجم بمصر والغيوان وأوسمان وإزنزارن عندنا ..ومثيلاتها في الغرب  (BEATLES)  بوب دايلان  ولرولينك ستون  وجون بايس وغيرها …… ونحن في  وهج النقاش والانغماس في التعاطي لملذات المرحلة ، التي سرعان ما يقع بفعلها الكل تحت وطأة  عالم  الحال  السياسي والغيواني معا …..

على مدار  فترات العطل الدراسية الكثيرة  في بلادي،   يعزز مصطفى  هذه الجلسات ملاحظا وموجها لنقاشات أبناء الدرب الذين يجمعون على احترامه وتقدير مكانته كطالب جامعي يتباهي حينا الشعبي المتواضع بإنجابه  مع قلة من أترابه … .

أمام فاجعة رحيله اليوم ، أتذكر ، شخصيا ، تقاسيم تلك الجلسات التي يكون فيها مصطفى متأبطا لكتاب من الكتب المتباينة  عناوينها   من الكتاب الأحمر وفي التناقض لمتاو تسي تونغ ( الذي كان يدسه في غلاف راديو Transistor) ، إلى الإنسان ذو البعد الواحد لهربيرت ماركيوز  مرورا بالبيان الشيوعي  وكتيبات الجيب من طبعة دارالفارابي وابن خلدون   وغيرها كثير مما شاءت  الظروف بعد ذلك أن أطلع وسواي، عليها في تفاصيلها ، بعد أن وضع  الفقيد ، من قلب السجن ، ما تبقى بمكتبته رهن إشارتنا   ..

كنا وقتها في بداية مشوارنا الفني بمجموعة تواتون الغنائية  التي انبثقت ، في جزء كبير منها ،  من هذا الحي ذاته ، مستأنسين  بذات النقاشات ، مسترشدين بها في اختيار تيمات  أغانينا الملتهبة والمتفجرة انفجار الوضع العام بالبلاد .. …صادف ذلك بداية تلمسنا  الطريق نحو الغناء الأمازيغي  بأغنية :

              ربحار ما يتهاج ونتهيج أكيذس                        قنشين ذغزران ودنتيس أكيذاس  …

    (ترجمة) علينا آلا نبالي بهيجان البـحر …                    فنحن وديان لانجاريه ولا نلائمه

مسكونين كنا  بأغاني الغيوان الأولى في حضرة بوجميع لما وجدناه فيها من ملاذ آمن من حرقة هذا الواقع ، أوليست هي المجموعة التي صاحت صيحتها المدوية زمن ذاك :

مــــــــا همـــوني غير رجال إلى ضاعو                 لحيوط إلى رابــــــــــــــو كولها يبنـي دار

ما هولوني غير الصبيان مرضو و جاعو                والغرس الى اسقط نوضو نغرسو أشجار

……………………..

امصير وحدين عند اخرين ساهل تنزاعه         واشعاع الشمس ما اتخزنه لسوار

وكذلك أغنية :

سبحان الله صيفنا ولى شتوة                وارجع فصل اربيع ف البلدان خريف

وامضات ايامنا سرقاتنا سهوة               وتخلطت لديان شلى ليك انصيف

………………………………….                  …………………………………….

ولا تلقى اعديل كايقبل شكوى                 ويبلغ ما يخون ما يرضى تكليف

جور الحكام زادنا تعب وقسوة                     لا راحة ولعباد ف نكد و تعسيف

والحاكم كايصول كايقبض الرشوة            والشاهد كيدير ف الشهادة تحريف

افهم المعنـى  وعيق واستافد وروى                 هذا سر لكنان ما رامه تصحيف

 

        كبرنا وكبرت معنا ذات الأسئلة  ، التحقت بعدئذ بالجامعة  مسكونا  بشوق الأمس القريب : لقاء ومعانقة مصطفى في وضعه المفروض …  اندمجنا بمن سبقنا إلى هذا الموقع الجامعي بفاس والذي كان يطفو غليانا  بعد أن تبوأ  مقدمة النضال الوطني … سرت علينا قاعدة : تحصيل الحاصل : أن تكون من الحسيمة فأنت قاعدي مهيأ الحماسة لدخول غمار النضال الأوطيمي UNEM…تنفسنا الصعداء  ضمن جموع المتظاهرين برحاب  كلية الآداب والعلوم الإنسانية التي كانت  تصدح بشعارات نارية تعكس مبدأ “لكل معركة جماهيرية صداها في الجامعة ” … عايشنا غمار الصراع الانتخابي التعاضدي  ….وانخرطنا ، بشكل مباشر و غير مباشر في لجن متفرعة إحداها خاصة بدعم المعتقلين السياسيين وعائلاتهم ، والتي حرصت على تفعيل أجندة الزيارات عبر المواقع السجنية ..على مدار السنوات اللاحقة..

            لا أجد  صيغة تعبيرية تسعفني على وصف  مشاعري وأنا أدشن لقائي الأول بمصطفى/ المعتقل وأنا بإحدى ردهات السجن المركزي بالقنيطرة  في  زيارة لي صحبة رفيق لي موسم 81/82 ..بعد أن قضينا ليلة بيضاء بإحدى فنادق القنيطرة ..هذه المدينة  التي ارتبطت لدي دائما بما دققت  في وصفه  أغنية حسين السلاوي عن قواعد المريكان   حيث ” تسمع غير OK ..OK   هذا ماكان  ”  .. لنكون في الصباح  ضمن هذا الطابور من الزوار الذين أمضوا نفس الليلة بجوار ” قلعة المنفى” هذه، بتعبير اللعبي ، الممتد ة على ضفة نهر سبو ..فزنا بمراسيم الزيارة بعد اجتياز محنة الكشف عن الهوية وسر القرابة  وإيداع ما احتواه (Panier)  من مواد لدى إدارة السجن (وقتها كان المعتقلون قد خرجوا  للتو من معركة  حول تحسين ظروف الزيارة ).. خطونا خطواتنا الأولى داخل باحة السجن الفسيح في اتجاه المجهول ونحن دون سابقة لهذا المكان الموحش ..تهنا بين دهاليز مظلمة(قيل لنا بعد ذلك إنها للحق العام )  وبمجرد وقوفنا أمام وضعيات مؤلمة ، تبادرت إلى الذهن قصيدة  اللعبي ” اليوم تكتمل عوام أربع  ” التي تستحضر هندسة هذا المكان بشاعرية نادرة  أتقن نشدانها بعد ذلك الفنان سعيد المغربي …

اليوم تكتمل عوام أربع   منذ انتزعوني منك من رفاقي ومن شعبي

                                            قيدوني أخرصوا صوتي عصبوا عيني منعوا أشعاري ….

 غيرنا وجهتنا ذات اليمين..باحثين عن الجناح السياسي داخل هذا العالم المحجوز وراء هذا الصرح الإسمنتي العتيق ! وما هي إلا هنيهة ، حتى انتصب أمامنا شخص ” مرفوع الهمة ، ممتلئ الوجه والبنية …إنه  مصطفى الخطابي  عينه  ..  انحبس  الدمع في عيني و  لم أنبس لحظتها  ببنت شفة ..لشدة  تاثري الممزوج بتداعي الذكريات دفعة واحدة .. عكس زميلي الذي فاتحه التحية وحديث تعارفه الأول .

 استسلمت لإحساس خاص ، وكأني بك  أحقق حلما قديما راودني وأنا قابع في دواخلي بذلك الحي الشعبي المتواضع هناك بالريف ….قبل أن أعانقه  عناق بطل  خرج للتو من غمار المعركة  منتصرا … نعم ،  وما أكثر هذه المعارك التي  حكى لنا مصطفى عن تفاصيلها كما عن ملابسات  استشهاد عبد اللطيف زروال و سعيدة لمنبهي … اجبيهة  رحال … ورفاق آخرين ..وعن تفاصيل التعذيب في أقبية ” الدرب “ وتشتيتهم على سجون الوطن قبل معركة التجميع التاريخية …

كان اللقاء مختزلا  لشتى معاني الوفاء والإخلاص لذات القيم التي وجد من أجلها مصطفى في هذا النفق المظلم …تبادلنا الحديث عن أحوال الجيران  ورفاق الدرب ومجموعة تواتون الغنائية  واستمرارها الفني وأحوال المدينة الجميلة بأحلام  وطموح أهلها …يسأل عن تفاصيل ودقة الأشياء التي قد لا نعيرها اهتماما و لا نلتفت لها في زحمة انشغالات حياتها اليومية …قبل الخوض في تفاصيل الحكاية منذ البداية ومنعرجات زمن المعتقلين من نقاشات ساخنة فترة 1979 وتقنية تدبير الاختلاف بين الرفاق إزاء تقلبات الأمور الداخلية والخارجية ..اطلعنا على مجهوداته الإبداعية وكتابات سياسية  منها بحثه المشترك مع رفيقه امغاغة  حول بروز وتطور الفكر الاشتراكي بالمغرب   ….وكذلك التفاتاته الخاطفة للإبداع الأمازيغي في مجال الشعر والغناء ..حيث أقر لنا في الزيارة الأولى بأنه ” مدمن على سماع الأغاني الريفية عبر الإذاعة، لكنها مستفزة في غالب الأحيان لما تجسده من إسفاف على مستوى اللحن الذي غالبا ما يكون مستعارا من إسطوانات الشرق عند فريد الأطرش وأم كلثوم وعبد الوهاب ..” ويعترف بأن الأجهزة الرسمية القائمة تفضل الإتيان بهذه النماذج لتلطخ حقيقة الفن الأمازيغي في تمظهراته المتخلفة دون أن تعمل نفس الأجهزة على إظهار هذا الفن عند الجيل الحديث و الجديد الملتزم في تناوله  لقضايا الواقع الاجتماعي والسياسي  …في ذات المرحلة  ناولنا  بعض القصائد التي كتبها بالأمازيغية  ومنها بالخصوص  ثزروط ننكور المغناة بعد ذلك من  قبل مجموعة تواتون  . التي تقول مقدمتها :

رو أيورينو رو أيورينو  روثــــــن ثذامن                              أزايسن سسوغ ثموث إنو ذمضران انرجذوذ إيتو

ثزروط ننكور أوشما أقاشم جا نتطاوين إينو                     إفاسن انم أروجنا اتراغيذ أرحبابينـــــــــو

*ادمع ياقلبي أدمع وانهمر دمـــــــــــــا                                أروي به بلادي  وقبور أجدادي

حجرة انكور أختي  أنت دوما بين أعيني                               يداك إلى السماء تستنجدي بأحبتك

 و قصيدة أخرى استهلها باسم شقيقته الصغيرة ميمونت التي كانت قد زارته رفقة والدته في هذا المكان وظل من حينها مسكونا  بصورة وجهها البريء  وبحركاتها وحديثها المنساب كماء الزلال  ….

كنا كلما استحال  تعميق النقاش إزاء قضية من القضايا الفكرية أو السياسية أوالثقافية ، لضيق الحيز الزمني المخصص للزيارة ، نضطر لإدراج ذات الموضوع ضمن أولويات مراسلاتنا التي لاتزال شاهدة على  هذا الجانب الملهم من الاجتهاد السياسي والفكري العام المعزز بالتحليل العلمي والتاريخي الذي يظل المبضع الأنجع  لتشريح مفاصل  واقعنا الاجتماعي والسياسي  

في رحاب تلك ” القلعة الإسمنتية”  تعرفنا على رفاق آخرين واندمجنا معهم  ، ولو للحظات خاطفة،  في حميمية  لا نظير لها ، فبمجر جلوسنا القرفصاء لتبادل الحديث مع مصطفى ، يهم أحدهم لتهيئ  نوع فريد  من الشاي الذي ترافقنا نكهته  حتى ونحن عائدون إلى الديار …ويبدأ الرفاق بالانضمام إلى حلقتنا المصغرة التي سرعان ما تتسع دائرتها لكل الأفئدة التي تلمس فينا نحن الزوار نكهة الواقع الخارجي بأخباره ومستجداته وحركاته ….  فهذا مصطفى التمسماني يلج الحديث معلنا انتمائه الريفي والأمازيغي  الذي ورثه  عن جدته رغم استقرار العائلة بطنجة لزمن بعيد  ، وهذا المناضل قادة يقترب  بلطفه وعطفه  ليبتسم للجميع ،  وهذا الحريف يمر أمامنا بقميصه المخطط لا يفارقه  تواضعه.. وبشاشته  ، وهذا زعزاع عايناه عن بعد  في إحدى زياراتنا وهو  يعاني ما يعانيه وأثر الدواء باديا على فمه  ولا زال  يجهد نفسه للمشي على قدمين اختبر فيهما الجلاد ساديته ووحشيته  الوضيعة والحقيرة … وهذا أبراهام السرفاتي الذي صادفناه مرة  محاطا بالورود منتصبا على عكازيه وهو في حداد على  وفاة والدته فكانت مناسبة لنا لعزائه والتسرب إلى عالمه الذي كم خلنا، واهمين ،  استحالة  اختراقه  ومعايشته  .. .. مناضل بسيط يلح على الابتسامة ونبذ الاكتئاب بقوله: ” مهما كانت الفواجع والصعاب ، فالحياة تُواجه بالأمل وليس بالاستسلام واليأس والخنوع …  وهذا أمين عبد الحميد منهمكا في تعليم ولده الصغير في زاوية من زوايا المكان …   والأم/ الزوجة  تتابع المشهد  الذي أضحى قاعدة كل الزيارات  …هذه الأم /الزوجة لتي ظلت شاهدة على كل هذا الذي شكل سر نجاحات الأبن المتتالية …وكيف لا وهي التي انخرطت في معمعان  نضال عائلات  المعتقلين اللواتي  وشمن كفاحهن بالدموع والصبر والمثابرة والتحدي  …إلى أن تحقق النصر بخروخ الأفواج المتتالية  من هؤلاء  الأبناء والأزواج لتعود البسمة تكسو  وجوههن ويعود التفاؤل لهؤلاء المعتقلين الذين عانقناهم  عن قرب بعدما كاد ت سجون النظام أن تحول هذا التفاؤل  إلى سراب وذكرى …  

لازلنا نتذكر خلال إحدى زياراتنا لمصطفى بُعيد انتفاضة 1984 وما تلاها من مستجدات الساحة السياسية عندنا ، انفعاله وغيضه الشديدين  لما اعتبره طعنة  نفسية بليغة مضافة تلقاها سكان الريف والشمال عموما المنعوتين ب”الأوباش” ، ذاك النعت التحقيري الذي لم يستصغه مصطفى في حق أبناء جلدته  ..مما زاد من قناعته  بطبيعة نظام عرف جيدا هو ورفاقه كيف يختارون خندق مواجهته المستمرة….

وبعد هذه الانتفاضة بشهور تتكسر أغلال بوابة السجن المركزي بالقنيطرة لتنطلق منها بسمة هذا الفوج الأول المغادر لجدرانه النتنة الذي كان ضمنه مصطفى ..وتعلو الفرحة  مؤقتا وجوه الأمهات والزوجات والرفاق ..   

 دوت في فضاء حينا الشعبي زغرودة  العودة  التي أطلقتها  : والدة مصطفى الخطابي التي نالت ـ  مع زوجها ـ حظها من معاناة عائلات المعتقلين  وجابت معهن ربوع الوطن بحثا عن الإبن المفقود والمغيب بصيغة الجمع في سجن من سجون هذا الوطن الفسيح دون عنوان …توافد الأهل والجيران والرفاق والزملاء والأصدقاء على منزل الخطابي بسماع الخبر الممزوج بالدهشة : 8 سنوات ونيف لم تغير من مصطفى الصنديد شيئا  ..ذات الثبات على المبدإ  والعزيمة  في شق عباب البحر باستمرار رغم عنف الهيجان  وزمهرير الرياح …ذات ملامح  وتقاسيم الوجه التي أضاف إليها الزمن الخائب تجاعيدا كُتبت عليها تفاصيل المعاناة والتحدي

استأنس مصطفى لأيام معدودة بدفء  عشيرته وأهله وسط حيه الشعبي” دهار انمسعوذ”   ، قبل أن يستأنف الرحيل لمدينة تبادل وإياها تحايا الحب  ومشاعر العشق منذ مرحلة دراسته الثانوية  ، إنها تطوان التي اختارها مقرا احتضنته حيا وبعد ذلك ميتا  … في هذه المدينة ذات السحنة الأندلسية شرع  ورفيقة حياته  فاطمة (التي تعرفنا عنها أول الأمر بالمركزي خلال إحدى زياراتنا للرفيق المشترك …)  قلت ، شرعا معا في تنفيذ مشروع الحياة وتفاصيل استئنافها  بحذر وسط ألغام معلومة وأخرى مجهولة …قبل أن يندمج مصطفى رويدا رويدا في دواليب الحياة العامة  التي تتبّع دقائق أمورها  من موقعه النقابي بالاتحاد المغربي للشغل بعد أن نال حقه من إحباطات تجميع اليسار الجديد بداية التسعينات ..وكان في استئناف مساره هذا عالي الرأس ساطع المواقف .. وليس بغريب وهو نموذج المناضلين الذين لم تسحقهم آلة الإغراء  والرغبة الجامحة في تسلق المناصب الرسمية  على جثث  الشهداء…  و ظل طبعه الريفي مختزلا لمعاني الإخلاص والوفاء  والتشبث بالمبدأ:  درعه الواقي  من كل اهتزاز وتذبذب وتيهان وسط الألغام..  

كان استاذا للآخرين في المروءة والتواضع المفرط  وفي التوجيه والذود عن الحقيقة أينما وجدت …. يصغي كثيرا  ولا يتدخل إلا في الجديات من الأمور ….ونادرا ما يوفر للسانه  فسحة للتعبير الحر والطليق  مع  رفاق معدودين عندنا ممن تجمعه وإياهم علاقات إنسانية سابقة   ك : أزرياح وبغداد وبوسراو وأخرين ..

يجمع عارفوه بأنه من القلة الذين يستبطنون قيم الشهامة وكتمان السر ، حتى في أحلك لحظات وقوعه بين مخالب الجلاد .. مخلصا للرفقة لا يتسرع في إصدار الأحكام إلا على مهل وترو وتحليل  ….. خاصية لازمته مذ كنا برفقته بحينا الشعبي  وهو يجادلنا بالطريقة السقراطية في تسآله عن ماهية الأشياء  التي كنا نستخف من بساطتها وتفاهتها حتى نجد أنفسنا في صلب الإشكالية وشرك الأسئلة المتتالية ….فهيهات,,,, فتلك هي منهجية الحكماء …

 والآن ماذا بقي لنا أن نقدمه في صيغة عزاء مكرر لكل  من فوجع في  رحيل مصطفى الخطابي خصوصا زوجته  الغالية  فاطمة وإبناؤه  : ريم وزياد  ووالدته للا ميمونت وأوالده محمد (قبل رحيله البعدي )  وأخواته فاطمة والزوهرة وميمونت/ ثاميمونت ((التي ظلت ببراءة وسحنة وجهها اللطيف  وحركاتها وحديثها تلازم الفقيد  وتقاسمه  معايشة  وحشية سجنه الطويل  ، هي التي رافقت والدتها في أكثر من زيارة إلى ذاك المكان الموحش))    …وإخوته : محمد وعبد السلام وسعيد   …..ولكل من سار يوم وفاته في موكب جنازته التي فازت بجمع شمل ما فشلت في جمعه ملتقيات ومنتديات  بعناوينها العريضة المتباينة …..

  تمنينا أن تشكل وقتذاك لحظة وداع مصطفى ، فرصة  ليلتفت كل منا لمن تبقى حوله  من رفاق وهم يسقطون تباعا ، دون أن ننعم بخبرتهم وتجربتهم في النضال والحياة …نحن من لا نبالي بقيمة الإنسان / المناضل…معتكفين في أبراجنا العاجية واهمين /متوهمين بامتلاك الحقيقة… كل الحقيقة ……ويا للعبث هذا الذي يأسر كبرياءنا وعنادنا وأنانيتنا في زمن الألفية الثالثة التي يحز في النفس أن نتباها فيه  ونتزايد  بنضاليتنا الموؤودة…. فلنقترب  متواضعين شيئا فشيئا من منطقة الحياة التي أضحت مساحة الأمل فيها تنكمش وتضيق ….  

محمد الزياني :الحسيمة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.