محطة الطاكسيات أم “محطة الكيران”

في حمأة النقاش والصراع الذي واكب الكشف عن مشروع الجهوية المقدم من طرف لجنة عزيمان، وتبين أنها تم الحاق الحسيمة والناظور بجهة الشرق، والتي سميت جهة الريف والشرق، بادر حزب الأصالة والمعاصرة في جهة طنجة-تطوان باصدار بلاغ يطالب فيه باعادة النظر في هذا التقسيم، مطالبا يالحاق الحسيمة بجهة طنجة تطوان لا جهة الريف -الشرق، ومن جهة أخرى بادر برلمانيون من منطقة الحسيمة ينتمون لأحزاب (الاستقلال، البيجيدي، الحركة الشعبية) لتوقيع عريضة يطالبون فيها وزارة الداخلية بابقاء الحسيمة ضمن جهة الريف-الشرق.

في هذا الصراع عمد كل طرف الى تجييش الجمعيات القريبة منه فتوالت البلاغات والبيانات المطالبة بالحاق الحسيمة بطنجة وأخرى تطالب بابقائها الى جانب الناظور في جهة الشرق، وواكب هذه التجييش نقاشات وردود الافعال عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية، كل يحاجج ويدافع بكون خياره هو الأسلم، ويحاول أن يلبس حججه عمقا تاريخيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا..

حينها كتبتُ تدوينة على حسابي الفايسبوكي سخرية من هذا الصراع الأجوف، الذي هو في قرارته صراعا انتخابويا بئيساً، ينظر الى الواقع في حدود ما ترسمه أرنبة الأنف من مصالح ومغانم ليس إلاّ، حينها كتبت قائلاً أن الذي حسم في الحاق الحسيمة بطنجة أو وجدة هو محطة الطاكسيات، وقلت أن في الحسيمة لا توجد بها محطة للطاكسيات تقل الناس الى وجدة، بينما توجد بها محطة تقل الناس الى طنجة، لذلك فوزارة الداخلية اعتمدت هذا المعيار لحسم الصراع بين هذا الطرف وذاك.

طبعا، عندما تحدثتُ عن هذا المعيار بهذه السخرية كنتُ أروم أن أوصل رسالة مفادها أن مثل هذه المشاريع، هي مشاريع أمنية، يكون المتحكم فيها أولا وأخيرا هو الهاجس الأمني كما يراه المخزن أو الدولة العميقة أو إن شئتم من يحكمون المغرب فعلا لا عبر يافطات الواجهة فقط، أما ما يعبّر عنه السكان أو من يمثلونهم فهو لا يعدو أن يكون للاستئناس والمساهمة في صبغ الواجه بألوان التعدد والديموقراطية والحكامة و..، لذلك بالنسبة إلي فإنه إلحاق الحسيمة بطنجة تحكّم فيه هاجسان؛ هاجس أمني رام تفتيت المناطق التي لها حمولة تاريخية، وهاجس سياسي مرتبط بالرهانات الانتخابية لحزب الاصالة والمعاصرة، كما وضحتُ ذلك في مقال “ماذا وراء فصل الحسيمة عن الناظور في التقسيم الجهوي الجديد

الجديد في الموضوع هو أن عمدة مدينة طنجة فؤاد العماري الذي حل ضيفا على ملتقى وكالة المغرب العربي للأنباء، وفي حديثه عن موضوع الحاق الحسيمة بطنجة، جوابا على احدى الأسئلة، قال:” احد الباحثين سولتو، قلت لو فنظرك واش الحسيمة تمشي لوجدة ولا تجي لطنجة، قال لي : السي فؤاد مشي للمحطة د الكيران، وشوف شحال من كار فنهار كيمشي لوجدة، وشوف شحال كيمشيو لطنجة. كار واحد كيمشي فالنهار من الحسيمة لوجدة و20 كار كيمشيو من الحسيمة لطنجة، وقال لي : تبعو الكيران.” ثم أضاف العماري أن المصالح الاقتصادية والاجتماعية والأسرية والعائلية تجعل من الحسيمة مرتبطة تاريخيا بمدينة طنجة، وخيار الحاق الحسيمة بطنجة كان خيارا صائباً.

اذن، السيد العمدة يقرّ بعظمة لسانه أن المعيار الذي دفع حزبه الاصالة والمعاصرة ليطالب وزارة الداخلية بالحاق الحسيمة بطنجة -وليس وجدة- هو هذا المعيار الذي فتح عينيه عليه أحد الباحثين حينما سأه السيد العمدة وأقنعه بجواب جامع مانع حاسم، بأن طلب منه أن يقصد محطة الحافلات، ويراقب كم من حافلة تقصد مدينة وجدة، وكم منها يقصد مدينة طنجة، وعندما وجد النتيجة أن حافلة واحدة تخرج من الحسيمة نحو وجدة مقابل 20 حافلة تخرج يوميا من الحسيمة إلى طنجة، كان الجواب وكان الخيار واضحاً، بأن قال له :” تبعو الكيران”، وعمل العمدة وحزبه بنصيحة الباحث، ومالا حيث مالت الحافلات القادمة من محطة الحسيمة.

لا ندري هل كان السيد العمدة هو الآخر يسخر من التقسيم الجهوي الجديد والمعايير المعتمدة فيه، وإن كان الامر كذلك فكيف يسخر ولماذا يفعل ذلك؟ ما دام أن مطلب الحاق الحسيمة بطنجة أول من رفعه كان هو بلاغ الامانة الجهوية لحزب الاصالة والمعاصرة بجهة طنجة- تطوان وقبلته وزارة الداخلية بينما رفضت طلب البرلمانين الذين وقعوا عريضة ينادون بابقاء الحسيمة في جهة الريف- الشرق؟ أم أن الامر وما فيه هو أن قرار التقسيم الجهوي في صيغته الاخيرة تحكمت فيه “مصالح البلد العليا” وسهرت على اخراجه الايادي التي تُؤتمر بأوامر الماسكين بالملف الامني في هذا البلد، أما الباقي من منتخبين وأحزاب وفاعلين وغير فاعلين فكان دورهم البحث عن تبرير تنزيل هذه القرارت لا غير، ولذلك ربما صادف السيد العمدة فكرة اعتماد المحطات الطرقية معيارا للتقسيم الجهوي على مواقع التواصل الاجتماعي، فراقته ووجدها فكرة لطيفة وراح يبرّر بها القرارات الامنية للتقسيم الجهوي الجديد، وهو ما يؤشر على أن حزب الاصالة والمعاصرة كان بوقاً للخيارات الأمنية للتقسيم الجهوي الجديد، فلذلك كثيرا ما انخرط  بعض منتخبيه في الدفاع عن خيارات هي اصلا ليست خياراتهم، كما حدث ل”محمد بودرا” رئيس جهة الحسيمة تازة تاونات، الذي سبق له أن هدّد بأن انتفاضة ستشعل منطقة الريف اذا ما تم فصل الحسيمة عن الدرويش والناظور، لكن بعد أن كشف “العقل الامني للدولة” عن رهاناته، وصارَ فصلُ الحسيمة عن الناظور ضرورة تقتضيها “المصالح العليا للبلد”، بلعَ “بودرا” لسانه وراه يعدد محاسن الحاق الحسيمة بطنجة، ناسيا ومتناسيا انتفاضاته التي هدّد بها.

إضافة الى هذا، فإن النقطة الاساس والجوهرية في الموضوع، ليس كما يردد هؤلاء السياسين، سواء المدافعين عن الحاق الحسيمة بطنجة او من يطالبون بالحاقها بوجدة، بل السؤال الاساس، وهو السؤال الذي لم يجب عليه العمدة، كما أنه نفس السؤال الذي جعل رئيس جهة الحسيمة تازة تاونات يخبط خبط عشواء مرة يهدد ومرة يسبح بحمد القرار الحكيم للتقسيم الجهوي الجديد، السؤال هو : لماذا فصل الحسيمة عن الدرويش والناظور؟ هذا هو السؤال الأهم الذي يحاولون طمسه مداراة للهاجس الامني. ليس السؤال : هل يجب الحاق الحسيمة بطنجة أم وجدة؟ وكأن الحسيمة لقيطة لا عمق تاريخي وحضاري وجغرافي لها، بل السؤال المهم والجوهري لماذا انتزاع الحسيمة من حضنها التاريخي: الناظور والدرويش، ولماذا تفتيت هذا الحضن؟ اتركوا الحسيمة في حضنها التاريخي ومن بعد ذلك لا يهم أن يلحق الحضن بجهة الشرق أو جهة الشمال، او ان تكون له جهة خاصة، هذا هو السؤال، وهذا هو المعيار الذي اشتغل عليه “العقل الامني”، تفكيك المكونات التاريخية التي شكل حضنها مشتلاً لفضيلة تمرّد الهامش على سلطة المركز.

“المخزن” لا يلعب إنه يصفي حسابه مع التاريخ، لكن هيهات…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.