محضر 20 يوليوز: من تحريم التوظيف المباشر إلى التخلي عن السياسات الاجتماعية.

من العار والجبن أن تتجند الحكومة، من وزارات وبرلمان وأحزاب ومؤسسات وطنية بكل ما تملك من سلطات وإمكانيات إلى محاربة أو مواجهة فئة من هذا الشعب وحرمانها من حقها في الشغل، مواجهة وظفت فيها كل أساليب المزايدات والنفاق السياسي، والغدر الاجتماعي والخبث الأخلاقي، من تنامي لحس العنصرية، وتزايد للجرعات الانتقامية وقيم المؤامرة والتحكم والتسلط، وتسويق لقيم الشر مقابل قيم الخير التي غابت عن قاموس ساسة هذه المرحلة. فمن العار ومن الجبن أن تضع الحكومة محضر 20 يوليوز من أولويات برنامجها، لكن بهدف تحقيق النتائج السلبية والمتمثلة في التملص والتخلص من أعباء التشغيل بشكل عام.

        إن الرسالة التي يريد أن يسوقها رئيس الحكومة من خلال تعامله أو تعاطيه مع قضية محضر 20 يوليوز، ابعد من كونها مشكل قانوني أو دستوري، فالأمر يتعلق بالنسبة لرئيس الحكومة بمعركة سياسية واقتصادية واجتماعية مكلفة او مرهقة لمالية الدولة، بناء على هذه الخلفية الأساسية تحاول الحكومة مقاربة مشكلة التشغيل في هذا الوطن. وتجعل من محضر 20 يوليوز الدرس الحاسم، والقاعدة العامة لمن يهمه الأمر. والسلاح الذي ستربح به هذه المعركة الاجتماعية وبالتالي التخلص من ضغوطات ملف التشغيل والتوظيف المباشر بشكل خاص.

        إن الحكومة عازمة لا محالة على تخليص الدولة من كل الأعباء المالية/الاجتماعية، والتي لا تشكل إلا القليل من المكاسب التي كلفت هذا الشعب فترة طويلة من نضاله، لأنه من المعروف تاريخيا، أن الأحزاب التي لا تملك انتشارا في المؤسسات الموازية والجماهيرية، من نقابات ومجتمع مدني، هيئات مهنية حقوقية…، هي المؤهلة لهذا “الإصلاح” بالمفهوم السلبي، للمؤسسات أو القطاعات التي تترجم السياسة الاجتماعية للدولة، كصناديق التقاعد والمقاصة والتعليم والصحة والسكن والشغل….، فغالبا ما يتم هذا الإصلاح/الإجهاز على المكاسب الاجتماعية، من خلال حكومات ليبرالية أو حكومة تقنوقراط، لأنها لا تملك قواعد داخل التمثيليات الاجتماعية بإمكانها أن تشكل لها إحراجا أو خوفا من فقدان جزء قواها الداعمة في مراحل الاستحقاقات.

        إنه من المؤكد أن الحكومة تعي جيدا أن للمحضر حجية قانونية وعلى الحكومة مسؤولية تنفيذه، فمن الغباء الاعتقاد بان الحكومة تشكك في أحقية التوظيف المباشر للمحضرين لمجموعة من الأسباب البديهية:

        _ أولا لديها هيئة من المستشارين القانونيين يتوفرون على تعليم وخبرة قانونية على المستوى العالي.

        _ ثانيا تدير وزارة عدل يترأسها حرفي له من الخبرة في الميدان القانوني ما يكفي لكي يقدم النصح في هذا المجال لرئاسة الحكومة أو على الأقل يرشدها إلى مؤسسات لتستفيد من رأيها الاستشاري.

        _ ثالثا أن جل القوى الحية في البلاد من مؤسسات سياسية، نقابية، اجتماعية ومجتمع مدني توكد على ملحاحية حل هذا الملف اي تنفيذ هذا المحضر.

        إنه من الواضح أن الأمر يتعلق بمغالطة أو بمسرحية سياسية،  الكل يطالب بالتعجيل بحل هذا الملف الذي ضيع على المغاربة العديد من الفرص، لأنه حرك مجموعة من الصراعات السياسية التي عطلت مصالح هذا الشعب الأليم. وان كانت نتائجه وتداعياته الخطيرة لازالت في طريقها إلى التبلور والتطور، فما أصبحنا نشاهده اليوم، من مظاهر احتجاجية عفوية، من جماعية إلى فردية، تصل إلى حد ممارسة العنف ـ وهو أمر مرفوض طبعاـ كالانتقام من رموز الحكومة، سواء داخل المؤسسات الحكومية والرسمية (وزير الصحة)، رغم توفر شروط الأمن والمسؤولية والانتقائية لأطراف الحضور/الصراع. أو بالشارع العام وداخل الأماكن أو الفضاءات الجماهيرية (وزير السكنى وسياسة المدينة)، فمن الملفت للإنتباه أن الغضب في تنام مضطرد ضد الوزارات ذات الطابع الاجتماعي، ما يجعل وزراء التقدم والاشتراكية في الصفوف الأولية للمواجهة، والدرع الواقي للحزب الحاكم، والمغامرة بحزب تاريخي لا يملك من القوة (القاعدة) يمكن أن تأثر على الحزب الحاكم في الأجل القريب أو البعيد، خصوصا بعد “استنزاف” الخبرة السياسية والقانونية الكبيرة التي يتوفر عليها أطر هذا الحزب. وهو توظيف ذكي لرئيس الحكومة للتقليل من الخسارة الشعبية التي يمكن أن تلحق بحزبه.

        ما يوحي أن الخسارة السياسية مقدرة بشكل جيد للحزب الأولي، لكن للأسف هذا التقدير قاصر جدا وبعيد عما رسم له. فاستمرار تفاقم الوضع الاجتماعي، واستمرار التسلط السياسي… هو الوضع الذي عان منه المغاربة لمدة طويلة، وجعل كل الشعوب في العالم، منها العربية والمغربية، تخرج إلى الشارع للمطالبة برفع هذه المظلومية، وهو أمر أساسي لم تجب عليه حكومتنا ولو في نقطة أو جزء بسيط ، ما جعل تطلعات المغاربة – والتي علقت على حكومة فقدت كل الفعالية، وروح المبادرة والقدرة التدبيرية والسياسية، والحس الاجتماعي والتشاركي لمقاربة قضايا هذا الشعب – غير قابلة للتنفيذ والتحقق، بل تزايدت مظاهر الإقصاء الاجتماعي وتدهور المستوى الاجتماعي لأغلب المواطنين، وأصبح الجميع يحس أو يشعر أن من أهم أولويات الحكومة هي:

        _ المحافظة على “الموازنة”:  والقائمة على تدبير الأرقام المالية والاقتصادية الموجودة، في غياب سياسة واضحة يمكن أن تقدم أو تضخ القيمة المضافة في الاقتصاد الوطني. وهو قصور تدبيري وتقني وسياسي واضع سيأتي بنتائج عكسية يمكن أن يؤدي بهذا البلد إلى الإفلاس. وهو قصور يقوم على عدم التمييز بين الاقتصاد المالي والاقتصاد الفعلي الذي ادخل العالم في أزمة اقتصادية ومالية، جعلت كل الساسة والفاعلين في الشأن الاقتصادي والسياسي يقرون بفشل هذه المقاربة “الحسابية” التي لازالت تتبناها وتشتغل عليها حكومتنا.

        _  المحافظة على الأمن/ المقاربة الأمنية: كل الشعوب تتفق وتطمح إلى ذلك، لكن شعبنا أصبح يعي أنه يواجه بمقاربة شاده وفريدة لتحقيق هذه النعمة، إنه أمام مقاربة تعتمد القوة والقدرة على الإكراه، بناء على خلفية مفادها أن المغاربة “زاغوا عن الطريق” وهم في حاجة إلى تقويم((Redressement، وهذا التقويم لا يمكن أن يقوم إلا على العصا الغليظة. فاعلموا يا ساسة عهدنا أن المغاربة خرجوا إلى الشارع لمناهضة هذه السياسة التسلطية التي أرهقته في الماضي من تاريخه. فأين نحن من المقاربات الاجتماعية للأمن التي سلمت بها كل دول العالم ومؤسساته الفاعلة في مختلف مناحي الحياة… ربما تأخرت حكومتنا بعقود من الزمن عن هذا العصر، رغم أنها ولدت من رحمه، لكنها تنكرت له.

*باحث في القانون الدولي والعلاقات الدولية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.