محاولة في تفكيك شفرة التمرد الجيني

إتهم ممثل النيابة العامة بمحكمة الجنايات- الدار البيضاء ، أثناء جلسة يوم الجمعة 9 مارس 2017، معتقلي الحراك الشعبي بالريفي السياسيين بالتمرد الجيني، حين إحتجوا على مقاطعته المستفزة لأجوبة إبراهيم أبقوي الرائعة والذكية على أسئلة المحكمة، وخاصة أثناء حديثه عن تاريخ الريف البطولي في الدفاع عن الإستقلال الوطني والحرية وتسليمه للمحكمة ملفا يضم مراجع ووثائق تتطرق لذلك التاريخ في علاقة بشعارات الحراك والرموز التي رفعها. وأثناء تصفح ممثل النيابة للملف ضاعف في إستفزازه للمعتقل السياسي المُستجوَب وباقي المعتقلين وعائلاتهم، ما دفعهم للإحتجاج عليه، وهو ما جعله يتهم المعتقلين وعائلاتهم وكل الريفيين والريفيات بالتمرد الجيني المتوارث.
وبذلك الإتهام يكون ممثل النيابة العامة قد أفصح عن التهمة الأصل التي على أساسها يحاكم معتقلو الحراك الشعبي بالريف. وهي التهمة التي تختزل كل التهم الملفقة لهم في محاضر الضابطة القضائية، من قبيل الإنفصال والتآمر والتمويل الأجنبي…
إن ممثل النيابة العامة لم يفصح فقط عن تلك التهمة بل مَمْهَمَها أي صاغها في مفهوم يقول كل شيء وبالخصوص المسكوت عنه، علما بأن المعني بالأمر نطق بها وهو في حالة إنفعال وهي من الحالات الخصبة لإنفلات اللاشعور والتعبير عن دوافنه المكبوتة.
وفيي الحقيقة، لا أحد يدري ما إن كان إطلاق ممثل النيابة العامة لهذه التهمة هو إجتهاد شخصي منه أم أنه قد يكون مستخلصا من نتاج التحاليل المختبرية لدنأ (DNA) معتقلي الحراك الريفي السياسيين، بعد أن تم أخذت عينات من لعابهم حين كانوا في ضيافة جحيم الضابطة القضائية سواء بالحسيمة أو بالدار البيضاء، وبحسب ما صرح به الكثير منهم.
إن المعتقلين السياسيون يحاكمون، إذا، لأنهم يحملون في خريطتهم الجينية شفرة التمرد التي طبعت الإنسان الريفي ومن خلاله الإنسان الأمازيغي منذ غابر الأزمنة. منذ أن وجد نفسه يعيش على جغرافية كانت تعتبر نهاية الأرض وبداية عالم الظلمات/ العدم إلى حدود بداية القرن السادسة عشر الميلادي.
إن التاريخ الريفي/الأمازيغي هو فعلا تاريخ التمرد على الطغيان والإستعمار والظم المتوارث جينيا، ومن هنا إستعصاء ذلك النزوع إلى الثورة والتمرد عن الإنمحاء رغم ما تعرض ويتعرض له ذلك التاريخ من طمس وتشويه وإبادة.
وقبل الثورة العلمية الجذرية التي عرفتها البيولوجيا منذ أواسط القرن العشرين كان من الصعب فهم كيف تتوارث الكائنات السيمات المميزة لأسلافها. لكن تطور علم البيولوجيا المعاصرة وتحديدا علم الجينات ( علم الوراثة) بدأ يميط اللثام عن ألغاز الوراثة البيولوجيا إرتباطا بما هو تاريخي ثقافي ورمزي. فقد أدت كشوفات علوم الجينات والهندسة الوراثية والذكاء الإصطناعي إلى إبراز التفاعل المعقد بين ما هو بيولوجي وبين ما هو نفسي ثفافي تاريخي.
وبالتالي فإن الحديث عن التمرد الجيني بالنسبة للإنسان الريفي/ الأمازيغي له ما يبرره، لكن ليس بالمعنى الذي يريد إضفاؤه عليه السيد ممثل النيابة العامة وغيره ممن تستهويهم الإتهامات المجانية والكيدية والعنصرية في حق الريف وبناته وأبنائه، ولنا في هذا الباب رصيد مخجل من التهم الجاهزة في الزمن المغربي الحديث: الفتانون، العصاة، الإنفصاليون، الأوباش، المآمرون والمتمردون….
لكن التمرد الجيني للإنسان الريفي/ الأمازيغي يجب ألا ينسينا شفرة الإندماج والتعايش مع الآخر التي تسكن خريطته الجينية، وهو ما يشهد عليه تاريخه كما يشهد عليه حاضره.
إن تاريخ حضارات حوض البحر الأبيض المتوسط وحده هو مثال حي للتفاعل البناء مع الآخر الذي يطبع الإنسان الريفي الأمازيغي. أما حاليا، فإذا ما كان كل ريفي وريفية هو مشروع مهاجر فإنه حيثما هُجِّر لا يجد هذا الإنسان صعوبة في الإندماج وبطريقته داخل المجتمعات التي يُهجّر إليها. واستحضار هذا الحاضر وذاك التاريخي يكشف عن قدرة متميزة لهذا الإنسان على التفاعل مع الآخر بمختلف تلاوينه. وهو التفاعل الذي جعله ويجعله مساهما في بناء الحضارة الإنسانية وفي بلورة قيمها النبيلة.
وأطوار المحاكمة التي إتهم فيها ممثل النيابة العامة معتقلي الحراك الشعبي بالريف المختطفين إلى الدار البيضاء بالتمرد الجيني هي جزء من ذلك التاريخ وهذا الحاضر. خاصة وأنه ليس لأول مرة يُشعَر فيها معتقلو الحراك الريفي السياسيين بأنهم يحاكمون على تاريخهم ورموزهم وأمجادهم التي إستلهموها واستحضروها في حراكهم السلمي والحضاري بشكل إبداعي. فكم مرة وجد فيه أولئك المعتقلون أنفسهم يحاكمون على تدوينات وصور ورموز تفتخر بالمقاومة ضد الإستعمار ومواجهة الظلم وتحلم بالحرية والكرامة والعدالة.
الشيء الذي يؤكد بأن ما عرفه الريف، من حصار وإختطافات وإعتقالات تعسفية ومحاكمات صورية منذ أواخر ماي 2017، يرجع لسبب أساسي وهو أن الحراك أيقض في الإنسان الريفي والمغربي جين التمرد على الفساد والإستبداد والحگرة، أيقض فيه جين الحرية والكرامة وقتل فيه جين الخوف والمذلة. وهو ما يُبْطِل كل التهم التي لفقت لهم، لأنه أولا يجردهم من المسؤولية الجنائية عما طُبخ لهم من تهم، لو إفترضنا بهتانا حدوث ذلك، لأن مرده لا يعود إليهم وإنما يعود إلى جين التمرد الذي الذي توارثوه إسوة بكل الذين كانوا يخرجون معهم بالآلاف طيلة سبعة أشهر من المسيرات أو الذين غمرتهم إرتدادات الحراك على مستوى جغرافيا الشتات الريفي أو على مستوى العالم الإفتراضي. ولأنه ثانيا، وهذا هو مربط الحكاية، يُبطل حقا كل الرواية الأمنية الواهية حول حراك الريف وتهم معتقليه. إن جين التمرد الذي بموجبه يحاكم معتقلو الحراك يثبت براءتهم من التهم التي يحاكمون على أساسها. فليس للحراك الريفي أهدافا لا إنفصالية ولا تآمرية ولا زعزعية، وإنما هو حراك بمطالب حقوقية إقتصادية إجتماعية وثقافية واضحة تذكيه مظاهر الحگرة والفساد والظلم المتراكمة بالريف ويغذيه جين التمرد على تلك المظاهر المتأصل في جينومهم.
ومعتقو الحراك الذين يحاكمون بالدار البيضاء أو الذين حوكموا ويحاكمون بالحسيمة أو سلا أو تطوان أو الناضور وفِي سواها من مدن المغرب فيهم يتجلى بأبهى صورة الجينوم الريفي الأمازيغي حيث تتوالف سمفونية التمرد على الظلم والدفاع عن الحرية والكرامة بجانب التعايش الندي مع الآخر. ومحاكمتهم هي محاكمة تاريخية للذين عِوَض أن يستجيبوا لمطالب الحراك ويتحاوروا مع نشطائه قرروا مواجهتهم بالقبضة الأمنية القمعية والمحاكمات الصورية والإتهامات الكيدية والعنصرية وبالأحكام الجائرة.
فشكرا للسيد ممثل النيابة العامة الذي برأ، من حيث لا يدري، معتقلي الحراك الشعبي بالريف من التهم الملفقة لهم، وأبان بوضوح أن محاكمتهم هي محاكمة لتاريخهم البيولوجي والحضاري الذي تحدده جيناتهم بما فيها جين التمرد الذي كشف عنه من داخل المحكمة.

جمال المحدالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.