بمحاكمة طلبة ا. و. ط. م يتضح ان اشياء كثيرة تغيرت بتطوان و جامعتها إلا القمع (شهادة)

شكليا هناك اشياء كثيرة تغيرت في تطوان، فمرتيل مثلا اصبحت مدينة بعد ان كانت  مجرد “مدشر” بمنازل متناثرة تحيط بعض البنيات التي تركها الاسبان و كوميسارية الشرطة الرهيبة و المقاهي المصطفة على شاطئ بحرها الجميل من مقهى  “الرييو” الى مقهى “محفوظ” و كذا الحي القصديري (حي الصفيح) المسمى انذاك ب”حي كطلان” و انتشار البعوض طيلة السنة تقريبا الذي كان متعشعشا في مرعاه الرئيسي وادي مرتيل بمياهه الجامدة و الملوثة و الراكدة انذاك. و تحولت كلية الاداب بجناحيها (الجديد و القديم) الى كليتين حيت بنيت كلية الحقوق على انقاض الجناح القديم لكلية الاداب. اما كلية العلوم (او كلية لمحنش كما كانت تسمى شعبيا)،  فلا اعرف جديدها لأنني منذ 1995 لم ادخلها إلا مرة واحدة ل(النستالجيا) فقط رفقة احد الرفاق القدامى، لكن ما هو مؤكد ان محيطها على الاقل قد تغير ببناء المحطة الطرقة المجاورة (التي عوضت “خينسيا” تطوان وسط المدينة) و الطريق المؤدي لمرتيل خلف الكلية و بعض العمارات الشاهقة.

فمن الواضح اذن ان هناك تغيرات مهمة على الاقل على مستوى الشكل لكن ما لم يتغير هو القمع الذي حافظ على وتيرته و على شكله بالرغم من تغيير الملوك و الحكومات و الولاة و القيدومين و العمداء و حتى الطلبة.

التاريخ يعيد نفسه؟

يبدو ان ما فجر معركة الطلبة الاخيرة و التي اسفرت على اعتقال خيرة مناضلي اوطم بكلية العلوم هو مقاطعتهم للدورة الاستدراكية التي ارادت السلطات الجامعية و الغير الجامعية فرضها بالقوة على الطلبة بدل الاستجابة لمطالبهم العادلة و المشروعة و الحوار مع ممثليهم في اطار الاتحاد الوطني لطلية المغرب.

هذه المعركة تذكرني بمعركة لمقاطعة الدورة الاستدراكية للامتحانات صيف 1989، بعد ان قاطعت الجماهير الطلابية لمرتين امتحانات 2 مايو و يونيو بكليتي الاداب و العلوم بتطوان و ارادت السلطات انذاك و بأمر من ادريس البصري فرض امتحان سموتها “بالامتحانات الاستدراكية” بالقوة.

تفصل معركة مقاطعة الامتحانات بتطوان سنة 1989  و مقاطعة الدورة الاستدراكية بكلية العلوم لسنة 2015، ستة و عشرين (26) سنة بالكمال و التمام. فالبرغم من اخلاف السياقات و الظروف و الشروط إلا ان ما لم يتغير هو اسلوب مدرسة ادريس البصري في معالجة الاحتجاجات المطلبية لمختلف فئات الشعب المغربي.

من الصعب ان نقارن بين المعركتين لان معركة 1989 كانت ببعد وطني و فصائل اوطم التقدمية كانت في اوج عطاءاتها و قوتها التنظيمية و الحركة الطلابية راكمت ما يكفي من الصمود و التاطير و التنسيق قبل ان ينزل الظلام ليحرق الاخضر و اليابس و ينفذ ما عجز عنه النظام منذ تأسيس الحركة الطلابية المغربية الى تاريخ بروز هذه الافة القاتلة التي اعدمت مناضلين بارزين محمد ايت الجيد بنعيسى (فاس) و المعطي بوملي (وجدة)، لكن يبقى وجه التشابه بين المعركتين تكمن في اقتحام حرمة الجامعة من طرف الشرطة و مطاردة الطالبة و اعتقالهم و تقديمهم امام المحاكم.

في سنة 1989 كان يقدر عدد طلبة كليتي الاداب و العلوم بتطوان ب 10 ألاف طالب كانت اغلبيتهم المطلقة مؤطرة من طرف طلبة اليسار و منضبطين 100 في 100 لكل القرارات التي تتخذها الجماهير الطلابية داخل الجموعات العامة و او تلك المتوافق عليها نضاليا و نقابيا و حتى سياسيا بين فصائل اوطم التاريخية. اما اليوم فالبرغم من تتبعنا للحركة الطلابية و لنضالات شعبنا فنجهل كيف تسير الامور لكن ما هو مؤكد ان الحركة الطلابية لازلت حية و لم تمت بعد و  حاضرة في معارك شعبنا من اجل التحرر و الانعتاق بالرغم من تشتتها و ضعفها.

في مقاطعة 2 مايو 1989، و بعد المعركة الناجحة في الكليتين (الاداب و العلوم) انعقد جمعا عاما و انتخبت لجنة للحوار واحدة بين الكليتين (و كنت واحد من بين اعضائها) التي باشرت الحوار مع قيدومي الكليتين محمد الكتاني بكلية الاداب و العياشي بكلية العلوم.

القيدومين معا وعدونا مباشرة بعد خوض المعركة بحل كل مشاكلنا في الصباح إلا مطلبين اثنين صرحا لنا بأنهما ليسا من اختصاصهما و يتعلق الامر  بضمان عدم اعتقال اي طالب اوطمي و ثانيا و انهما غير قادرين تنظيم دورتين للامتحانات كما كان سابقا (الدورة الاولى في شهر يونيو و الدورة الثانية في شهر شتنبر) لان ذلك من اختصاص الوزارة و مع ذلك وعدونا بإيصال هذين المطلبين الى السلطات المعنية.

لكن مساء ذلك اليوم فبدل تنفيذ الوعود تم تطويق الكليتين بكل اصناف الاجهزة القمعية و بدأت المطاردات و المداهمات و الاعتقالات التي امتدت الى الاحياء و المدن المجاورة.

اما معركة اليوم بكلية العلوم اجهل طريقة تدبيرها لكن على ما يظهر انها شبه معزولة اذ ان كلية العلوم دخلت هذه المعركة وحيده مما جعلها فريسة سهلة للقمع تماما كما وقع سابقا في جامعتي فاس و القنيىطرة و ربما اخرى.

الفرق البارز (و هذه شهادة للتاريخ) فانه بالرغم من ضخامة معركة مقاطعة الامتحانات لسنة 1989، إلا انه كان من الصعب اعتقال المناضلين نضرا لتمرسهم مع القمع و الصبغة الشبه السرية لتحركاتهم. فالأجهزة القمعية لم تتمكن من اعتقال إلا عضوا واحدا من لجنة الحوار (كلية العلوم) و يتعلق الامر بالرفيق محمد بكري اشويطاري (ابن لمصلى بطنجة) و المقيم اليوم ببروكسيل حيث نقلوه على الفور الى درب مولاي اشريف بالدار البيضاء السيئ الذكر). كما اعتقل العديد من المناضلين و المناضلات المتعاطفين الاوطميين ابرزهم ابنة مرتيل نوال الازمني و اعتقد ابنة تطوان مريم موسى و رشيد مونا و المرحوم عزيز المصمادي (ابن تطوان) و اخرون.

اما اغلبية اعضاء اللجنة الذين كانوا مخبئين في بيت سري بحي كطلان فقد غادرا على القدمين من مارتيل الى طنجة (من بينهم انا شخصيا).

و لإنجاح امتحانات الدورة الاستدراكية امر والي تطوان انذاك بإطلاق سراح كل الطلبة المعتقلين و المجيء بالمعتقلين الى الاقسام في حين ظل اغلبية المناضلين مطاردين بل تم توقيف 42 مناضل اوطمي بكليتي الاداب و العلوم لسنة كاملة طيلة الموسم الجامعي 1989/1990 و اعتقل العديد منهم فيما بعد.

اما معركة اليوم بكلية العلوم فبالرغم من مرور 26 سنة بالتمام و الكمال فيتضح ان الدولة مستمرة على تدمير كل صوت تقدمي داخل الجامعة و ان بنكيران و الداودي الذان تتلمذا معا على يد ادريس البصري ينفذان اليوم نفس السياسة بالرغم انهما مجرد ادوات و ايادي لتنفيذ اوامر النظام الهادفة الى قتل الامل و ضمان استمرار القمع كأحد الاعمدة الثابتة لاستمراره  بنفس المنطق و الاساليب المشئومة.

ما فاجئني في قمع معركة طلبة تطوان اليوم هي السرعة في اصدار العقوبات الحبسية في حق شباب اوطم و هذا ان دل على شيء فانه يدل بان هناك تعليمات و ان القرار اتخذ سلفا لتجريم النضالات المشروعة للطلبة و قطع الطريق امام نمو اي فعل اوطمي منظم و مؤثر و قادر على تاطير الطلبة محليا و وطنيا.

يتبين من خلال معركتي 1989 و 2016 ان النظام مصر لزرع اليأس و الفوضى و الجهل فعندما نعتقل مناضلين قادرين على التفكير و التاطير و التمييز فلمن نترك الجامعة يا ترى؟

الم نتركها للدواعش و للعنف و السيبا و التبرهيش؟

الم تنشر الدولة بهذا القمع الاعمى الجهل و الاحقاد و التضبيع؟

خلاصة اولية:

لا يمكن ان نفهم ما يجري إلا بقراءة واحدة و وحيدة كون النظام له منطقه الذي لم يتبدل تبديلا و لا يهمه مستقبل شعب في شيء: منطق يتأسس على ضمان الحفاظ على استمرارية بسياسات الترقيع و التزويق تارة و بالعنف و الاعتقالات تارة أخرى  و لا يهمه في شيء مستقبل الجامعة كفضاء للحرية و للتحصيل العلمي و تعلم الحوار و الديمقراطية. كما لا يهمه مستقبل الشعب و لا تكوين الاجيال الصاعدة و الواعية …تكوين ينبني على العلم و العقل و الحوار و الحرية و الحداثة و بقبول الرأي الاخر و نبذ العنف بكل اشكاله.

بروكسيل في 02 ابريل 2016

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.