محاربة الرشوة بين الواقع والقانون

بمناسبة اليوم الوطني لمحاربة الرشوة:

الواقع

وانت تقذف بك الاقدار الموجعة واستهزاء الموظفين, باحثا خلف الابواب المنطقية واللامنطقية عن وثيقة تقر بوطنيتك, او علاج معلق بالرجاء في الله, او خدمة ترتبط بالحاجة والضرورة الملحة, او عدالة تنصفك دون افراط او تفريط , او اي شيء تمنحه ادارتنا المخزية. حيث الخدمة هناك اقترن اسمها بالرشوة فتضطر في كثير من الاحيان الى تقبل فكرة ” دهن السيري” حتى تجعله يسير في كل الاتجاهات ووفق ما تهواه نفسيتك. في المقابل نرى كثيرا من المواطنين ينجذبون تجاه الشائعات التي تطلقها القنوات العمومية والتي تحكي عن اناس وهيئات اشاعوا عن انفسهم قدرات خارقة لمحاربة الرشوة لكنهم لا يظهرون الا في مثل هذه المناسبات وهم في اتم الاستعداد لمقابلة ”مكرفون” التلفزيون بوجوه حليقة تقول ” ليت الشباب…” واسنان اصطناعية بيضاء وضعت لتحرس اللسان حتى لا يتكلم عن ملفات سمينة من الرشوة كانت على علم بوجودها, ورابطة عنق تمنحهم مصداقية اكثر ومظهرا ثعلبيا…

اخد هؤلاء على عاتقهم اقناع المرضى بنسيان المرض. فكيف ينسى المريض مرضه وهو يفتك بجسده ويوجعه في كل لحظة ؟ يطلقون في بداية موسم الرشوة والذي يتزامن مع بداية يناير من كل سنة, وعودا وخطط وقوانين تتعلق بمحاربة الرشوة او القهوة او الاحسان او الهبة او الهدية وغيرها من الألقاب التي جعلت ضعفاء الضمير والاجر من الموظفين وحتى المثقفين منهم وذوي دخل مرتفع يصدقون هذا النوع من الاسترزاق غير المشروع, وبعد مرور مدة يكتشفون انهم غير قادرين على استئصال هذا المرض الخبيث فيستمرون في خيانة الوطن. كما يكتشفون ان بسببهم فقد المجتمع فرص ذهبية من شأنها ان تغيير حياة فئات عريضة من المجتمع ومن هناك يتأكدون انهم اكلوا في بطونهم نارا وشربوا من حميم.

طبعا هنالك اختلافات بارزة بين من يقدم الرشوة وبين من يأخذها في مختلف القطاعات استنادا الى الثقافة السائدة, اساليب الايجاب والقبول, سعر الرشوة ونوع الخدمة المقدمة, ولكنها من حيث الجوهر متشابهة جدا, فهي مبنية على اساس فكرة واحدة وهي انها اسلوب يسير وسري وغير مشروع متاح امام جميع الناس ليقضوا أغراضهم ومآربهم بكل سهولة مهما بلغت فضاعتها وبشاعتها… دون الاكتراث الى نتائجها السلبية على المجتمع لأنه يعيش وفق منطق ” انا وما بعدي الطوفان”.

القانون

لو ربطنا هذا الموضوع بجانبه الدستوري لوجدنا ان الدستور كان واضحا وصريحا حيث خصص حيزا مهما للحاكمة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة, ونص على مبادئ المساواة والانصاف والجودة والمحاسبة والمسؤولية في تقديم الخدمات العمومية وممارسة موظفي المرفق العام لوظائفهم وفق مبادئ احترام القانون والشفافية والنزاهة… وبجانبه نجد قانوننا الجنائي المتواضع في الفصل 248 الذي جاء فيه ” يعد مرتكبا لجريمة الرشوة ويعاقب بالحبس من سنتين الى خمس سنوات وبغرامة من الف درهم الى خمسين الف درهم, من طلب او قبل عرضا او وعدا او طلب او تسلم هبة او هدية او اية فائدة اخرى من اجل:……
اذا كان مبلغ الرشوة يفوق مائة الف درهم, تكون العقوبة السجن من 5 الى 10 سنوات والغرامة من 5000 درهم الى مائة الف درهم.”

لكن هل هذه العقوبة وهذه المبادئ معمول بها ام انها تبقى مجرد كلمات حبرية انتهى زمانها مند دخولها طي النص القانوني.؟؟ ام انها تطبق بشكل انتقائي على البعض دون البعض الاخر؟؟ هل هي عقوبة كافية لردع من يتعاطى الرشوة سواء كان راشيا او مرتشيا؟؟ وما هي الضمانات التي يقدمها القانون لمن يبلغ عن جريمة الرشوة.؟؟ اين هو دور فعاليات المجتمع المدني والنخب السياسية ومساهمتها في محاربة الرشوة؟؟ هل الهيئات المكلفة بمحاربة الرشوة تقوم بدورها كما ينبغي ام ان صلاحيتها محدودة جدا؟؟

قد يكون الجواب على كل تلك الاسئلة مستعصيا من حيث الواقع مادامت الرشوة تتم في كثمان تام بين طرفين كل واحد منهما له اهدافه الخاصة ومصالحه من تقديم الرشوة او اخذها, لكن ما يجب التركيز عليه هو عنصر تخليق العمل الاداري والاقتناع بمبدأ المصلحة العامة فوق المصالح الشخصية وذلك بمراعاة الاخلاق الحسنة عند التوظيف والتعيين وتعزيزها بتكوين عالي للعاملين في الادارات العمومية, إضافة الى اعطاء صلاحيات واسعة للقضاة فيما يخص محاربة الرشوة.

bouhouch1952@outlook.fr

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.