مجد “أنوال” المأسور..

لم يعد الريف أحمرا كما كانت تقول إحدى أغاني “الرومانسية الثورية”، لم يعد الريف مشتلا يعبق بزنابق الحرية، لم يعد مدرسة ألهمت شعوب العالم دروس حرب العصابات، تلك الدروس التي هدهدت أحلام الجائعين للحرية…

صارت أنوال ذكرى خجولة، لا يتذكرها إلاّ القابضون على الجمر، وبعض من سماسرة مجد المقاومة…

لا الوطن يتذكر أنوال المجيدة، لا النظام يفعل ذلك، ولا أقزامه من أحزاب وجمعيات وإعلام و… صارت أنوال ذكرى يُراد ركنها في متحف النسيان، حتى ننسى، أو ليدفعوننا دفعاً لكي ننسى… ولن ننسى..

أنوال المعركة التي أدهشت العالم، المعركة التي قلبت الموازين في معادلة صراع الحق والقوة، أنوال التي وصل صداها إلى أقاصي الأرض، مجدها تسلل حتى إلى صالونات الابداع العالمي، وجد نفسه يقبع بين سطور بيان أهم وأشهر حركة أدبية عرفتها بداية القرن العشرين.

لم يحظ أي اثر أو حدث في تاريخ المغرب المعاصر باهتمام شعوب العالم مثلما حظيت به معركة أنوال الخالدة، معركة أرخت بنتائجها الباهرة على جل الحقول السياسية والفكرية والابداعية العالمية، لكن رغم ذلك عانت من المطاردة والتشويه والتبخيس في بلدها الذي يُفترض فيه أن يُفاخر بها الأمم..

لو كانت أي دولة، وأي نظام يحترم تاريخ الوطن، لجعل من ذكرى أنوال مفخرة يعتزّ بها، لكن، لأنهم يخافون من التاريخ الحقيق، ويرتعدون من بطولات المقاومين الأحرار، اختاروا أن يتعاملوا مع مجد أنوال بكل الحقد والضغينة والرغبة في طمس كل ما يمتّ إليه بصلة، وجعلوه مأسوراً بين جدران روايتهم للتاريخ…لكن، هيهات فالتاريخ ليس بائع حليب…

إنها عقدة التاريخ، شوكة ضدّ النسيان، مهما اجتهدتم وتفننتن في إقبار مجدنا، ستظلّ أنوال شامخة، شاهدة على قزميتكم وخيانتكم وبؤسكم… وشاهدة على مشاعر الازدراء التي نكنّها لكم…

نعم، بإمكانكم أن تسوقوا لذكرى أنوال المجيدة كما تشاؤون، لكم أن تلموا مندوبيتكم في المقاومة، وتجمعوا بعضاً من أعوان السلطة، وسط خيمة المخزن الشهيرة، مع أكواب الشاي وكعب لغزال، والطرابيش الحمراء تتهادى على إيقاع أنغام الموسيقى الأندلسية… لكن هل انتهيتم؟ هل فرغتم من تمثيلتكم الرعناء؟ كلاّ يا سرادق الاستعمار… أنوال أكبر منكم ومن طرابيشكم ومن خبثكم، أنوال صامدة، راسخة، باقية في وجدان الشعوب، في قلوب أحرار وحرائر العالم…

تاريخ أنوال لن تداريه الطرابيش الحمراء المتهادية، ولن تطمسه أكاذيبكم البئيسة، تاريخ أنوال أكبير من كل أحابيل الأقزام..

لم يعد الريف أحمر كما كانت تقول الأغنية، صار الريف أخضرا، يستثير جشع سماسرة الوطن، تجار السياسة والعباد والحشيش، صار الريف الأخضر جيفة تتحلق حولها الغربان.. وصارت أجواف الريف تُستنزف وتُنهب لتخضرّ سنابل “خردالة” و”باكستانية”… ولتنتفخ أرصدة قراصنة الارباح الصاعدة على جثث التاريخ ودموع الفلاحين البسطاء…

آه، كم أنت قاسٍ يا وطني، تخجل من مجدك الثائر، تهربُ منه، تطرده… بينما تشرع الأبواب للأقزام كي يلهوا ويعيثوا فساداً وانتهاكاً لتاريخك ومجدك…

إنهم يريدون لنا أن ننسى كل مجدك في خضمّ قسوتك، بيد أننا لن ننسى، لن يسقط حبك من قلوبنا، نعرف أنك فقط رهينة في أيدي الأراذل…ونؤمن أنك  سترجع يوما لتكفكف دموع صغارك وثكلاك..

حينها سينعتق مجد أنوال من إسار الروايات المزيفة…

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.