مجتمعنا الذي أعرف..

في الجيل الذي كبرت فيه، في القرية التي ترعرعت فيها وفي المنطقة ككل، كان تمدرس الفتيات، قليل جدا مقارنة بالذكور، الفتيات كنّ في الغالب ينهين دراستهن في المرحلة الثانوية ويصعب أن تتقبل أسرهن الانتقال الى مدن اخرى للدراسة الجامعية، كانت اخواتي من بين نماذج قليلة كسّرن القاعدة، طبعا بمؤازرة من والدي، وكثيرا ما تعرّض والدي للغمز واللمز بكونه ترك بناته ليدرسن في الجامعة، الآن صار ولوج فتيات قريتي ومنطقتي بصفة عامة الجامعات والمعاهد العليا تقريبا لا يطرح أي مشكل..
من قبل لم يكن ممكناً أن تشاهد فتاة في قريتي وهي غير متشحة الوجه برداء تخفي به وجهها من أشعة الشمس الحارقة ومن عيون الرجال الزائغة، الآن صار عاديا أن تجد في قريتي بعض الفتيات يلبسن الجينز، وبشعر مسرّح بعناية، يتحدثن في الهاتف، يغرغرن مع حبهنّ، يلتقطن صور سيلفي حتى، لم يعد امر تمدرس الفتيات يطرح مشكلا كبير، تقريبا أصبح الكل مقتنع أن الفتاة من حقها ان تدرس في الجامعات والمعاهد العليا وأن تسافر الى مدن بعيدة عن مدينتها، بل ثمة حالات لاسر لم يستطع ذكورها ولوج الجامعة بينما تجد احدى بناتها تدرس في الجامعة.. وهو امر كان من سابع المستحيلات حدوثه من ذي قبل..
في الثانوية التي كنت أدرس بها، كان لبس الصايا والجينز بالنسبة لزميلاتي الفتيات نادر جداً، ومن كنّ يقدمن على ذلك كنّ كمن يقدم على”ثورة”، لا يقدم عليها إلاّ القليلات، ولذلك ثمة فتيات بعينهن كنّا نعتبرهنّ رمز التمرد والثورة على الحدود التي يرسمه المجتمع، الان في ذات الثانوية أصبح لبس الصايا والجينز لا يناقش، ولا يدرّ ذلك ملاحظات ولا تعليقات جانبية، ومن يفعل اكيد سيكون احمقاً…
وعليه، لا يمكن لي أن استكين الى ترداد تلك الترهات التي يُشرعن بها البعض بؤسهم وكسلهم، تلك الترهات التي تشاع عن كون أن المجتمع المغربي يرجع القهقرى، وأننا قاب قوسين او ادنى للاندحار الى مهاوي الداعشية…
شخصيا لا أرى أي ميل للمجتمع الذي أعرف في الرجوع الى الوراء، صح هناك سلوكيات فردية مشينة ومتطرفة، لكن المجتمع ككل أراه يسير الى الامام بخطى عملاقة مقارنة بمجتمعات أخرى، اللهم إن كان هذا المجتمع الذي يتحدث عنه هؤلاء السادة ليس هو نفسه المجتمع الذي أعيش فيه أنا واتحرّك فيه..
في الحقيقة من يعتقد بهكذا ترهات، إمّا أنه يمارس نوعاً من التعالي الأجوف، حتى يُنزّه نفسه النقية الطاهرة عن أدران هذا المجتمع المتسخ الغارق في جهله ؟ أو المسكين أصلا لا ولم يعرف يوما المجتمع المغربي، لأنه اعتزله وانزوى في برجه العاجي، الى ان اكتشفه في مواقع التواصل الاجتماعي وتعليقات المواقع الالكتروني فهاله الامر، في حين أن ما يروج في هذه المواقع من كلام متطرف، ينمّ عن جهل، ليس جديدا، ولم ينبت في هذا المجتمع اليوم او امس فقط، بل الجديد هو أن هؤلاء لم يكتشفوا المجتمع المغربي الاّ بعدما قرأوا تعليقاته في مواقع التواصل الاجتماعي، فهم لم يحتكوا به يوما وما عرفوا يوما جهله والسلوكيات المرضية التي تنخره، وعندما اكتشفوا حقيقة هذا المجتمع راحوا يسبونه ويتمنون له الموت، بينما يستمنون المجتمع “الكيليميني” الذي يحلمون به..
إنه مجتمعنا يا سادة، هكذا هو، يحمل كل المرضيات والسلوكيات، نتيجة سياسة التجهيل والتكليخ والتخلف، تخلف اقتصادي وثقافي واجتماعي ومعرفي، ومن كان يظنّ انا لنا مجتمع السويد فليراجع تمنياته، مجتمعنا ليس مجتمع ملائكة وليس مجتمع شياطين، مجتمعنا يختلط فيه الصالح والطالح، من يريد أن يضع عنوانا واحدا لهذا المجتمع، عنوان” مجتمع الشياطين” او “مجتمع الملائكة “فقط، فهو واهم واهم واهم..
لا أنفي وجود سلوكيات لأشخاص هي بعيدة عن مجتمعنا، لكنها هي سلوكيات لم تصل الى درجة أنها تعكس تمثّل المجتمع ككل، هي سلوكيات علينا ان نحاربها ليس بسبّ الشعب ككل، ورميه بالقصور والجهل ، بل بالبحث في الاسباب الحقيقية لهذه الانفلاتات، وتحصين المجتمع منها عبر الدفاع عن الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية ودولة القانون والمؤسسات..
لكم شعبكم ولنا شعبنا…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.