ما هو التحكم؟

محمد المساوي

احتد النقاش في الفايسبوك والصحافة حول مفهوم التحكم، وبدا الاصطفاف يأخذ شكله أحيانا على ايقاع التموقف من هذا المفهوم، حتى أضحى هو الشعار الاثير الذي سيؤثث الحملة الانتخابية التي ستنطلق بعد أيام. فلماذا هذا التخبط والتوتر في تحديد معنى التحكم، ومن هو المتحكّم؟ هل لغياب خطاب سياسي واضح دور في هذا التهويش واللبس؟ وهل هناك توجيه من أجل خلط الحابل والنابل، حتى يتشابه علينا البقر، ونصير كلنا في البحر ماء؟؟

في تقدرينا هذا اللبس ليس بريئا، هناك اصرار على خلط التفاح والطماطم في سلة واحدة، حتى يضيع “رأس الخيط” في اللون الاحمر، وينتج عن ذلك مواقف سياسية مهما كانت نابعة من حسن النية، لكنها قد تؤدي إلى الجحيم، او في أحسن الاحوال قد تؤدي إلى تأبيد سيطرة من يعتقد الواحد أنه يناضل ضدّهم، فاللبس عدو سياسة الحقيقة، اللبس يترك جميع الابواب مواربة، من أي منها قد يتسلل “الشيطان” بكل رشاقة ليقلب المنزل على كل من فيها، لذلك فالاسراف في “تلغيز” مفهوم التحكم هو في اخر المطاف دعم ومساعدة لهذا التحكم، سواء عن سبق اصرار وترصد أو عن حسن نية، فالامر بالنتيجة سيّان.
إن اللبس والغموض والخلط هم الاباء الشرعيون للخوف والجهل والتخبط، نحن نخاف من شيء لأننا لا نعرفه، ومتى عرفناه جيدا، أقلعنا عن الخوف منه. لذلك فأولى خطوات مواجهة التحكم هو معرفته اولا، حتى يتسنى لنا تشخيصه واجتراح ادوية مناسبة، أي ممارسة سياسية كفيلة بوضع حدّ له، لكن للاسف من يزعمون أنهم يواجهون التحكم هم أول من يسعى إلى التعويم والخلط والاصرار على عدم تحديد التحكم بدقة، فتراهم في كل مرة يحددونه بنتائجه لا بماهيته، يحدّدونه ببعض الاثر الذي يتركه في الواقع، ويستنكفون عن تحديده بناءً على ماهيته وسماته الاساس. منطقيا عندما تدعي أنك تحارب امرا ما، لكنك في نفس الوقت تمارس التدليس والتضليل ورياضة قفز الحواجز في تحديد هذا الامر، فالنتيجة لن تكون ابدا ضدّ التحكم، انت في أحسن الاحوال ستكون ضدّ مظهر من مظاهر التحكم فقط ما دمتَ تصرّ على تعريف وتحديد التحكم انطلاقا من نتائجه وليس من ماهيته المؤسسة.

التحكم كمصطلح ظهر بشكل اقوى مع حكومة البيجيدي، لكن كممارسة سياسية هو كان ومازال، هو ثابت الممارسة السياسة المحكومة بالنسق المخزني منذ استقلال “ايكس ليبان” الى اليوم، اذن التحكم لم يظهر مع بنكيران ولا مع الياس العماري، كمصطلح ممكن، لكن كممارسة سياسية كان منذ البدء وما زال كائنا، طبعا مع تغيير اقنعته وتحيين طرق اشتغاله. لنتفق حول هذه المسلمة اولا حتى يستقيم النقاش، أما إن كان هناك من يظن أن التحكم وُلد مع حزب البام، او خُلق لعرقلة عمل حكومة بنكيران، فتلك سذاجة يمكن أن ترش عليها قليل من ملح تاريخ تجربة حكومة التناوب مع اليوسفي وحكومة عبد الله ابراهيم لتذوب وتحرر نفسك من قيودها المكبلة.

في اخر حوار مع عبد الاله بنكيران سأله الزميلان سليمان الريسوني ومحمد أغبالو عن التحكم فكان جواب بنكيران: “متسولنيش عليه السي الريسوني حيت كلشي فاهمو.. الا شفت حزب سياسي تأسس ف 2008، وفي انتخابات 2009 كيرشح أكبر عدد من المرشحين فالانتخابات المحلية، فات حتى حزب الاستقلال ساعتها لي كانت عندو القدرة الاولى فالترشيح، والفوز ديالو بالرتبة الاولى لابد تقول هادا… وطبعا داك الحزب هو لي كان فيه السي فؤاد عالي الهمة ولي كانت الاخبار حينها شائعة أن رجال السلطة وعدد من الناس لي خدامين مع الدولة خدامين معاه، باش تكون الامور واضحة وصريحة..”، ظاهر اذن ان ما قاله بنكيران عن التحكم لم يخرج عما قلناه سابقا، اراد بنكيران أن يحدد معنى التحكم، فتخبط وتمطط، في البداية قال للصحفي لا تسألني عنه لأن الكل يعرفه، ثم بعد ذلك شرع في تحديده، فحدّده بأحد نتائجه وليس بماهيته، وإلا اذا اتبعنا كلام بنكيران فسنقول أن التحكم ولد سنة 2008 كما هو واضح من جوابه، لكن لا أظن عاقلا سيقول بهذا، بنكيران هنا لم يشأ أن يحدّد التحكم فاستعمل في الاول حجة انه معروف ولا يحتاج إلى تعريف، لكنه ما لبث أن شرع في تعريفه حتى سقط في بحر من الغموض واللبس، فلو افترضنا انه لم يعد هناك لا فؤاد عالي الهمة ولا الياس العماري ولا حزب البام، هل سنقول حينئذ أن التحكم ذهب الى غير رجعة؟ ام سننتقل إلى ظهور اداة اخرى للتحكم محينة في طبعة مزيدة ومنقحة، هل التحكم هو حزب البام والياس والهمة ام هؤلاء مجرد ادوات لهذا التحكم؟ فقد تذهب هذه الادوات كما ذهبت اخرى قديمة وتأتي اخرى لاستكمال اداء نفس المهمة وإن بأساليب جديدة…
قبل أيام كتب الاستاذ محمد جبرون الذي هو ابن حركة التوحيد والاصلاح الذراع الدعوي للبيجيدي، كتب مقالا عنونه ب: “التخلي عن أطروحة الانتقال الديمقراطي ومواجهة التحكم..” يتحدث في المقال عن أن التحكم يمارسه الملك وهو رأس التحكم، ودعا حزب العدالة والتنمية إلى التخلي عن اطروحة النضال الديموقراطي والبحث عن صيغة اخرى مبنية على “تأليف مبدع بين التقليد والحداثة السياسية بما يحفظ للملكية حضورها الفعلي، ويتيح للمواطنين المشاركة في السلطة، من خلال ممثليهم”. اثار مقال جبرون العديد من ردود الفعل، خاصة أن المقال كان بمثابة علاج بالصدمة للخطاب السياسي للعدالة والتنمية المبني على ادعاء مواجهة التحكم وفي نفس الوقت العمل تحت امرة “جلالة الملك” حتى  لو اقتضى الامر ادخالهم الى السجن دون تهمة ولا محاكمة كما عبر بنكيران ذات خطاب عن استعداده لتقبل هذا الاحتمال من الملك، اذن، الاستاذ جبرون، ابن الدار، رشّ الملح على ندوب هذه المفارقة الفجة، فشحذ همم كتاب البيجيدي للرد عليه بقسوة واتهامه من طرف البعض بأنه بمقاله هذا يخدم التحكم عن حسن نية او سوءها…
الحقيقة أن الاستاذ جبرون كان محقا في التشخيص، غير أنه تخبط خبط عشواء في تقديم البديل، فقد دعا حزب البيجيدي المقرب اليه إلى التخلي عن المطالبة بالديموقراطية للخروج من ثنائية الديموقراطية/ التحكم، ودعاه الى البحث عن صيغة جديدة تحفظ “للملكية حضورها الفعلي” وتتيح للمواطنين “المشاركة في السلطة من خلال ممثليهم”؟؟

إن الدعوة إلى الحفاظ على الحضور الفعلي للملكية، وفي نفس الوقت اتاحة الفرصة للمواطنين للمشاركة في السلطة من خلال ممثليهم، وانت سبق لك أن حدّدت أن رأس التحكم هو الملك، فإن النتيجة هي “شخبط شخابيط” لا غير..

عطفا على حوار بنكيران ومقال الاستاذ جبرون، لفهم التحكم لابد من تحديد ماهيته وعدم الاختباء وراء اجترار بعض مظاهره فقط، إن كانت ثمة نية صادقة من أجل مواجهة التحكم، فالخطوة الاولى كما قلنا سابقا هي تحديد هذا التحكم وتحديد مجالات اشتغاله، وعدم الاكتفاء بالاختباء وراء استعارات فضفاضة وكلام عائم، وايضا عدم الاقتصار في النظر الى التحكم على زاوية ضيقة تجعلك ترى الجزء فقط وتشيح بوجهك عن الكل..
التحكم هو جوهر ممارسة السلطة في المغرب منذ الاستقلال الشكلي. التحكم له جوهر ثابت هو استفراد المؤسسة الملكية بالسلطة وهيمنتها على كل شيء من السلطة الى الاقتصاد إلى القضاء … وافراغ المؤسسات المنتخبة من أي دور، والمؤسسة الملكية تمارس هذه الهيمنة عبر نظام سياسي له اذرع وادوات بها يمارس سلطته، أما البام وفؤاد عالي الهمة والياس العماري فهم ادوات هذا التحكم، يظهرون في الواجهة أكثر لأنهم ادوات التحكم في مجال الاشتغال الحزبي لذلك يتم التضخيم من ادوارهم المفترضة، والتحكم نفسه لا يزعجه ذلك بل يخدمه، فبتصعيد الهمة والياس ليكونا رأسي التحكم، فيه حماية للرأس الحقيقية للتحكم. فلنتذكر الى زمن قريب، عندما انتفض الشعب المغربي وخرج الى الشوارع للمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، قام الملك بسحب الهمة من الساحة الحزبية وتمت فرملة الياس العماري ومطالبته بالتواري قليلا الى الوراء، يعني التضحية بأدوات التحكم ليستمر التحكم الحقيقي ويكون بمنأى عن المساءلة، وهو ما تم فعلا بمساعدة حزب العدالة والتنمية نفسه عندما وقف في وجه الحراك الشعبي، وبل حاول امينه العام تسفيه هذا الحراك واظهاره بمظهر “لعب الاطفال” نزق ومتهور…

الحالة هذه، كان يمكن أن نصدّق بنكيران وحزبه، بكون الرجل اختار الاصلاح مع الملك وحسم أنه لم يأت لمنازعته، لو كان هناك مقدار “ظفر طائر” من الرغبة الفعلية في الاصلاح ومحاصرة مدّ التحكم، لكن خمس سنوات في الحكومة وموقفه من الحراك الشعبي يؤكدان امرا واضحا لا غبار عليه؛ بنكيران يعتبر التحكم هو الهمة ولواحقه، وبالنسبة إليه المعركة الكبرى هي تحجيم دور الهمة ولم لا ازاحته، انذاك سنكون قاب قوسين أو ادنى من الاجهاز نهائيا على التحكم؟ لكن هل يصدّق هذا عاقل؟ هل ذاكرتنا السياسية مثقوبة إلى هذا الحد؟ هذا هو الغباء الذي تحدث عنه انشتاين؛ أن تُقدم على نفس الفعل وتنتظر نتيجة مختلفة…
بنكيران لا يواجه التحكم، بالعكس هو تلميذ نجيب ومطيع للتحكم الى اقصى درجة، بنكيران وحزبه يواجهان العماري والهمة والبام، يواجهان ادوات التحكم لا التحكم نفسه، قد نقضي على الادوات ويتم الاستعانة بأخرى “وتحكّمنا معندو باس”، حتى منطق أولوية القضاء على ادوات التحكم من أجل محاصرة التحكم الحقيقي غير واردة بالمرة في استراتجية العمل الحزبي للبيجيدي (حتى لا نقول العمل السياسي). أقول هذا استقراءً لتجرية خمس سنوات من عمل حكومة بنكيران، الرجل يقول أنه يعمل على الاصلاح مع الملك، وهو يعرف نفسه انه يكذب، هو لم يختر الاصلاح مع الملك، اختار ان يضع نفسه وحزبه والمواطنين الذين صوتوا عليه تحت تصرف الملك ولم يختر الاصلاح معه، لأن منطق “الاصلاح مع الملك” يقتضي المشاركة مع الملك في انزال الاصلاحات، لكن عندما يُقدم الملك على انزال عكس الاصلاح او الاقدام على اجراءات سياسية تذبح الاصلاح، انذاك على بنكيران ان يرفض ذلك، لكن الذي يحدث هو العمل وفق صيغة :”القول ما قاله جلالة الملك”، بل حتى لو كان ذلك يخالف الشرع كما قال بنكيران ذات لقاء، هذا لا يسمي اصلاحا مع الملك، هذا يسمى انبطاحا للملك وتسليم رقبتك للتحكم ليلهو بها كما يشاء، وفعلها اكثر من مرة، سواء في قضية صندوق اخنوش أو “عربدة” وزارة الداخلية على رئيس الحكومة وحزبه أوتسريب الغضبة الملكية على بنكيران الى الصحافة من طرف مقربين من القصر أو…

يبقى أن بعض المتفائلين جدا ب”اصلاح” بنكيران قد يطرحون سؤالاً مخاتلاً لكنه ساذج ينمُّ عن قصور حاد في فهم ميكانيزمات اشتغال النظام السياسي المغربي، ثمة من سيقول متنطّعا: إن كان بنكيران تلميذا مطيعا للتحكم فلماذا يتلقى كل هذه الضغوط؟ الجواب على قدر سذاجة السؤال هو أن الملك كما هو معروف لا يحمل أي ودّ لحركات الاسلام السياسي وهي بالنسبة إليه سيان لا فرق بين هذا وذاك (انظر ما حملته وثائق ويكيليكس حول حديث السفير الامريكي مع الملك في الموضوع)، وقبول الملك بحكومة بنكيران كان لظروف داخلية واقليمية، اما القصر الملكي فقد كان يهيأ حينئذ حزب الاصالة والمعاصرة ليترأس الحكومة. بعد انقضاء ولاية بنكيران تجددت الرغبة، لذلك نرى هذه الضغوط على حزب البيجيدي، هي ضغوطات ليس لأنه حزب يحمل تطلعات الشعب المغربي وليس لأنه حزب يهدد التحكم، بل لأن هذا الحزب بالنسبة للتحكم الحقيقي قد استنفذ دوره وعليه أن يعود إلى الوراء، وهذا ما لم يعجب البيجيدي ولم يتجرأ ان يقول بصدده: “هذا غير معقول يا سيدنا”، بل انخرط في النواح والبكاء والتظلم من البام والياس العماري والهمة، لهذا يبدو الحزب تحت حصار الضغوطات..

إن الصراع الذي يدعي حزب العدالة والتمنية خوضه ضد التحكم هو صراع لا يفيد قيد أنملة في “توسيع الهامش الديموقراطي” ولا في مواجهة التحكم. الجواب الحقيقي على هذه الازمة ليس هو دعم البيجيدي ضد التحكم، ولا هو نفي وجود التحكم، الجواب هو الاشارة بوضوح إلى مكامن الازمة، الجواب هو أن نكون واضحين، وأن نقول أن النسق السياسي المخزني هو نسق مغلق، لا يسمح باحداث ادنى ثقب في جدار الاستبداد، ولنا في تجربة خمس سنوات عبرة واضحة فاضحة، رغم كل الظروف السياسية والدستورية التي جعلت بنكيران في موقع قوة اكثر من أي رئيس حكومة مر على تاريخ المغرب، إلاّ أن صراع بنكيران ظل في حدود الصراع من أجل تثبيت الاقدام وانتزاع رضى الملك، هو صراع ضد الهمة والبام وليس صراعا ضد التحكم الحقيقي، هو صراع ضد الأدوات، هو صراع لم يستطع أن يحدث به ولو ثقبا صغيرا في جدار الاستبداد رغم كل الفرص التي أتيحت له، فقط تفنّن في احداث ثقوب واسعة في جيوب المواطنين…
وذاك تحكم اخر في حاجة الى مقال مستقل، نقصد التحكم الاقتصادي، الذي سنخصص له مقال الغد لتكوين صورة شاملة حول التحكم وعدم السقوط صرعى امام الابتسار والاختزال..

تعليق 1
  1. اسماعيل طاهري يقول

    مقال رائع ينبني على عمق تحليلي في المستوى الرفيع. تحية للسيد الموسوي ولأنوال بريس على مجهودها الاعلامي المتميز انطلاقا من طنجة.
    لقد أمتعتنا بهذا التحليل الموضوعي نسبيا والبعيد عن الحسابات السياسية المسبقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.