ما هو التحكم؟ (2) التحكم الاقتصادي والاجتماعي

محمد المساوي

خلال النقاش الذي أثير مؤخرا حول التحكم، بدا أن الموضوع تعرض ويتعرض لاختزال فظيع، اختزال ينتج عنه فتح الابواب للتيهان والغموض. ثمة من يحصر التحكم في حزب او جهاز او جهات بعينها، وثمة من يعتبر التحكم هو الوالي الذي يمنع رئيس الحكومة من مهرجان خطابي او هو بلاغات وزارة الداخلية ضد رئيس الحكومة وحزبه، او ما شابه ذلك… يعني أن التحكم محصور في دائرة التدبير السياسي للحكومة والعراقيل التي تضعها مصالح وزارات السيادة خاصة الداخلية في وجه العمل السياسي للحكومة..
بالمختصر المفيد أن التحكم هنا هو ما يمس العمل السياسي للاحزاب والمنتخبين ويضرب عرض الحائط بالديموقراطية واحترام ارادة الناخبين. في تقديرنا ما ذكرناه هنا هو جزء من التحكم وليس كل التحكم، وتركيز الاضواء والانتقاد على جزء من الشيء دون التوجه اليه في كليته هو في اخر المطاف نوع من التضليل والتدليس، ولا يهم ان كان ذلك يتم بحسن النية او غيرها، فالعبرة هنا بالنتيجة وليس ما تضمره النوايا.

في الجزء الاول من هذا المقال تحدثنا عما يمكن تسميه بالتحكم السياسي، وحاولنا توسيع مداركه وتسليط الضوء على جذوره لتعرّف ماهيته دون الوقوف عند حدود العتبات وتوجيه السهام إلى ادوات التحكم فقط دون ان تطال مكامن التحكم الحقيقية، وحسبنا في هذا الجزء الثاني من المقال ان نحاول تسليط الضوء على ما يمكن تسميته بالتحكم الاقتصادي والاجتماعي، وهو تحكم لا يأبه له احد، ويتم التعامل معه بنوع من التهميش والاهمال وغض الطرف، رغم انه مهم جدا وتكمن فيه خطورة مستقبل هذا الوطن.

عمل الحكم والبرلمان ليس هو التشريع والتدبير السياسي فقط، بل اساسا هو التدبير الاقتصادي والتعامل مع الملفات الاجتماعية، فبرنامج أي حكومة هو برنامج قائم على خيارات اقتصادية واجتماعية وسياسية طبعا، إن توجّهنا بالنظر الى الحصيلة الاجتماعية والاقتصادية لحكومة عبد الاله بنكيران، فإن اصدق وصف يمكن أن ينطبق عليها هو الخراب، خراب وتدمير كلّ شيء من أجل لاشيء إلا خدمة الاقوياء والضغط على الضعفاء.

إذا نظرنا الى التحكم في حدود تسلط الهمة على المشهد الحزبي واشتغال وزارة الداخلية بعيدا عن اشراف رئيس الحكومة لظلت نظرتنا ناقصة، لذا وجب علينا أن نوسع مجال النظر، لنرى ماذا قامت به الحكومة في المجال الاجتماعي والاقتصادي، اذا كانت وزارة الداخلية وتوابع الهمة هم من يعرقلون الحكومة ويعرقلون انزال قوانين تعمل على تعبيد الطريق للديموقراطية، فمن فرض على بنكيران القبول باملاءات مراكز القرار المال العالمي دون قيد ولا شرط، هل الهمة من فرض عليه ذلك او حصاد او الملك نفسه؟ ام هو اختيار لرئيس الحكومة ورغبة منه في تحقيق ما يظنه اصلاحا اقتصاديا؟

صحيح، فصندوق النقد الدولي يفرض اجندته على جل حكومات العالم، لكن ثمة تفاوت في التعامل مع هذه الاملاءات، هناك من الحكومات من تفاوض بقوة من أجل التخفيف من حجم هذه الاملاءات، وهناك من يطالب باعادة التفاوض حول جدولة الديون، هناك من يطالب بوقف تسديد الديون لمرحلة معينة بسبب الازمة او المشاكل الاقتصادية التي يعيشها البلد، وهناك من يذهب الى حد رفض هذه الاملاءات او على الاقل رفض جزء منها، هذا ما تقوم بعض حكومات دول امريكا اللاتينية، وأغلب زعماء هذه الحكومات وصلوا الى رئاسة الحكومة بدعم شعبي كبير من أجل تخفيف وقع الازمة الاقتصادية على الفقراء والكادحين. بيد أنه مع حكومتنا لم يحدث أي شيء من هذا، منذ اليوم الاول أعلن بنكيران انحناءه التام امام هذه الاملاءات، وبل اجتهد وتفنّن في انزالها بكل فجاجة فهوت على المواطن البسيط تمتص دمه رويدا رويدا، فمالذي دفع بنكيران الى كل هذه الخضوع لهذه الاملاءات؟ هل فرضته عليه جهة ما أيضا؟ ام انه هو من اختار ذلك، ان كان الامر كذلك فكيف يصحّ تهافت بعض اليسارين لدعم بنكيران بمبرر أنه يتعرض لضغوطات من قوى التحكم في حين السيد رئيس الحكومة يقدم على تنفيذ املاءات صندوق النقد الدولي بحذافيرها مما ينتج عنه تدمير القوت اليومي للفقراء والكادحين؟ انها مفارقة فاضحة بالنسبة الى شخص او تيار يقول عن نفسه انه يساري؟ لماذا يحاول هؤلاء افراغ اليسار من كل قيمه ورهاناته؟ هل يمكن ان تكون يساريا وانت تصفق أو تسكت على ذبح الفقراء بمبرر ان الذي يذبحهم يتعرض للاضطهاد السياسي من طرف من يصارعهم على التقرّب الى الملك؟

كان لافتا جدا ما قاله بنكيران مؤخرا في احدى لقاءاته؛ اذ كشف انه لم يعرف صندوق النقد الدولي والطريقة التي يشتغل بها إلا عندما اصبح رئيسا للحكومة؟؟ رغم ذلك مرّ هذا التصريح الخطير مرور الكرام، صندوق النقد الدولي هو صانع برامج الحكومات، وهو المتحكم في رقابها، وهي غرفة التحكم رقم 1 في العالم، يقول عنه رئيس الحكومة انه لم يعرفه الا بعدما اصبح رئيسا للحكومة، في الوقت الذي يفترض فيمن يتقدم للاستحقاقات الانتخابية ويطمح الى رئاسة الحكومة عليه أن يعدّ برنامجا متكاملا حول طريقة التعامل مع الاملاءات التي ستأتيه من صندوق النقد الدولي، بينما الفضيحة عندنا أن رئيس الحكومة لم يكن يعرف اصلا من هو صندوق النقد الدولي ولا كيف يشتغل؟
لهذا الامر اصبح بنكيران محبوبا لدى عصابة صندوق النقد الدولي، وبمجرد ما اصبح الامر كذلك حتى ظن الرجل ان بلدنا في طريق الاقلاع الاقتصادي لانه حاز ثقة مراكز المال العالمي، والحقيقة أن سعادة هذه العصابة هو بمقدار الربح الذي جنوه من انبطاح بنكيران، ولذلك يمدحونه، فالوجه الاخر للعملية هي ارتفاع مديونية المغرب وتفقير الفقراء، اي رهن مستقبل الوطن للمجهول، بينما هذا لم يثر بنكيران بقدر ما اثارته كلمات الثناء التي كالتها له كبيرة صندوق النقد الدولي غرستين لاغارد.

بالاضافة إلى عشق بنكيران لاملاءات صندوق النقد الدولي، قإنه ايضا يعمد إلى طريقة سهلة لرتق بعض الشروخ التي نخرت بعض الصناديق والمؤسسات العمومية، فعوض البحث والتحري في اسباب حدوث هذه الشروخ واسباب افلاس هذه المؤسسات، يقوم بمعالجة الامر عبر اختيار القفز على الحائط القصير؛ إذ يتم تحميل تكلفة هذا الافلاس للمواطنين البسطاء، إذ لإصلاح عطب صندوق التقاعد لجأ بنكيران الى جيوب المواطنين وتحاشى البحث عن الاسباب الحقيقية والمسببين لهذا الافلاس، عندما اصبح صندوق المقاصة “مغارة” يغرف منها اللصوص الكبار واصحاب الشركات والضيعات الفلاحية الكبيرة، لمعالجة هذا، لم يلجأ السيد رئيس الحكومة الى منع هؤلاء اللصوص من الاستفادة من اموال صندوق المقاصة، بل لجأ الى الحل الأسهل، اجهز على صندوق المقاصة وبه أجهز على جيوب المغاربة البسطاء، بينما اللصوص الكبار استفادوا من امتيازات ضريبية ومن التغاظي الفاضح وعدم تطبيق القانون لمحاصرة تسونامي التهرّب الضريبي.

من خلال احصائيات بعض الهيئات الوطنية المختصة في الموضوع، فإن عدد مفتشي الشغل بالمغرب غير كاف لتغطيتة مدينة واحدة هي الدار البيضاء، فما بالك بكل المدن المغربية. فما الذي منع بنكيران من فتح المباريات لملء المناصب الشاغرة لمفتشي الشغل، والغريب أن مثل هذه المناصب لها مردودية ايجابية للدولة مضاعفة، فمن ناحية تسمح بضخ مناصب شغل للتنقيص من البطالة، ومن جهة ثانية سيمكّن الدولة من مداخيل اضافية مهمة تضيع الان بسبب التهرب الضريبي وبسبب عدم وفاء الشركات بالتزاماتها مع الاجراء والعمال والمستخدمين، ومع ذلك لم يتجرأ بنكيران أن يقترب من هذا الحل، طمعا منه لكسب ودّ الباطرونا وعدم ازعاجهم، أما العمال البسطاء فليذبحوا وليستغلوا ايما استغلال فهم اصلا خُلقوا لذلك.

التحكم الاقتصادي الاساس بالاضافة الى ما ذكرناه سابقا هو ما يمارسه الملك، اذ ان شركاته تستحوذ على الاقتصاد الوطني، لكن السؤال المطروح هل تؤدي هذه الشركات الضرائب؟ هل تستفيد خزينة الدولة من مساهمة هذه الشركات في الاقتصاد الوطني؟ كيف يمكن لنا ان نتحدث عن تحكم الهمة وادواته ونسكت عن التحكم الاقتصادي للمؤسسة الملكية الذي يُضيع على المغرب اموال طائلة تُحرم منها خزينة الدولة؟ لذلك فالحديث عن التحكم السياسي فقط مع تغافل الحديث عن التحكم الاقتصادي هو تشجيع لهؤلاء اللصوص ليثخنوا هذا الشعب نهبا وحكرة وتدميرا لقوته اليومي.

إن حصر الحديث عن التحكم في الهمة وادواته هو تضليل وتدليس، التحكم الاساس تمارسه المؤسسة الملكية ومصاصو الدماء؛ مراكز القرار المال العالمي، ولهؤلاء ادوات ينفذون تحكمهم ضدا على الارادة الشعبية وما قد تفرزه صناديق الاقتراع، وبدون القطع مع هذا التحكم او على الاقل التعامل معه الند للند والحديث عنه بوضوح، ستظل هذه الانتخابات مجرد كبّ للماء في الرمل، ومجرّد تجميل لهذا العبث..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.