ما معنى أن تكون يسارياً في زمانٍ كزماني ومكانٍ كمكاني….؟؟؟ الحلقة 3

سعيد تيركيت

ما معنى أن تكون يسارياً في زمانٍ كزماني ومكانٍ كمكاني….؟؟؟
هي محاولة كتابة سيرة ذاتية غير مكتملة : لا مكان فيها للندم على شيء أو للتباهي بأي شيء، إنّما تسعى للبحث في العلاقة بين الحدث والنظرية والممارسة، والتأثيرات المتبادلة بينها جميعاً. لعلّني أساهم في توثيق تجربة، إذا ما اكتملت، و عساها تفيد الساعين لبناء نخبة يسارية مغربية، اخترقها “المخزن”، تارة بالعصا و تارة بفتات موائده….

الحلقة 3:

خرجت المقاومة الفلسطينة من بيروت، او بالاحرى منظمة فتح اكبر فصائلها بتعداد فاق إثنى عشرة ألف مقاتل، باسلحتها الثقيلة، مهزومة في الاوراق، خانعة لشروط اسرائيل و عرابها ومبعوث الإدارة الأمريكية، فليب حبيب… بتواطئ سوفياتي فاضح… وخنوع عربي راكع من المحيط الى الخليج.. فاتحين لمصر حسني مبارك للرجوع لملف الشرق الاوسط، بعد ان هددت اسرائيل بضرب كل السفن، الحاملة لرجال، سينفون بعيدا على ارض المعركة ، مشتتين، على طول خريطة الوطن العربي، مع استثناء كل البلدان التي فيها ملوك و امراء.. و كأنها تقول للفلسطنين انتم سبب البلاء على حكمنا…  لا نريدكم في ضيعتنا حتى لا يعرف القطيع معنى الحرية…

خروج المقاومة من بيروت اسقط ورق التوت حتى على الفلسطينين انفسهم، عرى على المنبطح، و على المتمرد، و على المقاوم، وعلى المستسلم، وعلى المفاوض، و على المطبع، و على السماسرة، و تجار القضية… فضح مسيرة شعب حقق المعجزات بالبندقية.. و انتهى بالتطاحن على المخيمات و المساعدات.. فتح المجال للاقتتال الفلسطني الفلسطيني تحت يافطات و شعارات كثيرة كلها تخدم الصهيونية والامبريالية…

اظهر بالواضح و الملموس مقاومة لبنانية حملت مشعل التحرير على كل الاراضي اللبنانية و مع ما تبقى من قوات فلسطينية، تنتمي الى فصائل رفضت خطة فليب حبيب.. آمنت بالبندقة فقط لهزم العدو الاسرائيلي… وكان لها ذلك في ايام قليلة أرغمت اسرائيل على الرجوع الى ما وراء نهر الليطاني بدعم سوري واضح و مكشوف ودعم ايراني سري للفصيلين حركة أمل و حزب الله… و بزوغ انواع جديدة من قتال الشوارع – الذي أضحى تقليديا حيت  استفادت منه المقاومة كثيرا عند حصار بيروت -… فالسيارات المفخخة كانت طقسا يوميا امام القوافي العسكرية.. أضحت العمليات الإستشهادية سمة جديدة و محبوبة للمقاتلين.. وعرت على خوف اسطورة الجيش الذي لا يقهر، خاصة عندما يكون منفدها امرأة…

كان المغرب إذاك يعيش تحت وطئة غليان شعبي وبركان قابل للانفجار في أي وقت، ولا احد يعرف نتائجه، سواء المعارضة بكل أطيافها العلنية او السرية، ولا حتى القصر وأولغارشيته المفترسة: جفاف لا مثيل له دام لأكثر من أربع سنوات، وندرة مياه قاسية ارغمت العديد من القرويين على نزوح جماعي للمدن، مما ادى الى استفحال الامية و العطالة، و انشاء مدن صفيحية، على هوامش، ساعدت كثيرا في اشعال احتجاجات جماهيرة، ارغمت في النظام القمعي باستخدام الاسلحة وقتل المدنيين العزل في العديد من المدن الكبيرة… كما ان النظام كان يعيش أزمة مالية خانقة جراء حرب الصحراء الغربية، والتي حتمت عليه الدخول في تحالفات علنية او سرية من اجل ضخ اوكسجين الحياة الى النظام….

كنتُ متأكداً من أمرٍ واحد: أريدُ المشاركة في الحياة السياسية فيها. لكنّ الأمر لم يكن بهذه السهولة، فالحرب في الصحراء في اوجها امام ضربات موجعة تكبدها الجيش في الارواح والعتاد…  الأحزاب اليمينية او اليسارية كونت مريدها وحولتهم إلى ميليشيات مثّلت بالنسبة لكثيرين الشيطانَ الذي أحرق البلاد… و الكل يتحين سراب اللحظة و يشحن مناصريه ويتلوا على مسامعهم كأنه آن أوان البحث عن بديلٍ للازمة…

وفي الوقت نفسه، وباسمِ هذا البديل البريء من آثام الحرب، تربّع على السلطة رجال اعمال او رجال مافيات و مخدرات.. جعلتهم  مقربين من الوزير الحديدي ادريس البصري، الذي قدّم للّمغاربة  شتّى الوعود الربيعيّة: و على رأسها العصا و الجزرة… مع زرع المخبرين و العملاء داخل اوساط كل اطياف اليسار.. جعل خدامه على شكل خلايا نائمة داخل كل ما هو ثقافي او سياسي او نقابي.. ينتظرون اوامر التفجير لكل كيان يحس بخطره و قوته.. كان يخلق صراعات جانبية تلهي النخبة، و تغريهم بالانسحاب من الصراع مقابل تقاعد مريح….

هكذا، أمام إطلاعي بمجرايات الامور العالمية والوطنية، وثقل الصراع و كثرة الإصطفاف و الخندقة مع هذا الفصيل او ذاك، خاصة وأن الأحزاب المعترف بها عنداك سايرت طرح عرفات الانهزامي، في حين كانت الفصائل السرية تساير نضيراتها المتطرفة، فمنظمة الى الامام دعمت الجبهة الشعبية لتحرير لفلسطين بقيادة جورج حبش.. و منظمة 23 مارس سايرت طرح جبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بقيادة نايف حواتمة.. و الحركات الاسلامية مازالت جنينا تنشط بكثرة و بشكل محتشم وسط الجامعات و الاحياء الشعبية تحت غطاء العمل الخيري.. هذا الصراع كانت واضحا وجليا في الجمعيات و على رأسها: الجمعية المغربية لمساندة الشعب الفلسطيني و الذي كان حزب الاستقلال مستحودا على رئاستها، امام تشتت اليسار الملكي او الجدري الذي عانى كثيرا من الاعتقالات و المضايقات.. مما ادى لهجرة اغلب اطرها، و تأقلمهم مع منافي جديدة لتدبير قوتهم اليومي… و كانت فرنسا وجهتم المفضلة…

أضيفت إلى قاموسي اليساري مفرداتٌ كمكافحة النيوليبرالية، لتصطفَّ إلى جانب فلسطين محمود درويش. في تلك الفترة، شكّلت «ملاحق الجرائد» و«اصدارات المجلات» التي تدخل الى الاكشاك او المهربة مزودا رئيسيا للمعرفة و الإطلاع…  وقد أشرفَ على تكويني مجموعة من الأساتذة الكرام و الرفاق، وكانوا روافدي الأساسيين لتشكيل وعيي السياسي. ومن دونهما، ما كنتُ لأكون ما أنا عليه….

يتبع…
يونيو 2016

لقراءة الحلقة 1 اضغط هنا

لقراءة الحلقة 2 اضغط هنا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.