ما معنى أن تكون يسارياً في زمانٍ كزماني ومكانٍ كمكاني….؟؟؟ الحلقة 2

سعيد تيركيت

ما معنى أن تكون يسارياً في زمانٍ كزماني ومكانٍ كمكاني….؟؟؟
هي محاولة كتابة سيرة ذاتية غير مكتملة : لا مكان فيها للندم على شيء أو للتباهي بأي شيء، إنّما تسعى للبحث في العلاقة بين الحدث والنظرية والممارسة، والتأثيرات المتبادلة بينها جميعاً. لعلّني أساهم في توثيق تجربة، إذا ما اكتملت، و عساها تفيد الساعين لبناء نخبة يسارية مغربية، اخترقها “المخزن”، تارة بالعصا و تارة بفتات موائده….

الحلقة 2:

كانت أواخر السبعينات و بداية الثمانينات، محطة مهمة ومفصلية في نوع الأسئلة التي سترافقني، تشكل سبيلا لنوعية المعرفة التي أحتاجها.. كانت صبيحة الأطفال، ذات احد ضاحك، مليئة بالمسرات، تبتسم أمام شغبي الطفولي. تعرفت على أطر تشرف على جمعيات كثيرة، يتسابقون في تسجيل الوافدين في نواديهم.. كانت هناك لافتات وضعت على طاولات وسط الساحة، كتب عليها أسماء من قبيل: منظمة الطلائع، جمعية الهدف، أميج…  لم يتبادر لذهني سبب كثرة أسمائها، بقدر ما لفت انتباهي عدد الأطفال بمختلف الأعمار وهم يتسابقون في إلقاء أناشيد لقنت لهم، بطريقة: أقول… أسمع…

كانت الأناشيد الحماسية و الأغاني “الملتزمة”، تثير قشعريرة في جسدي، لدرجة  أني كنت أحس بزغيبات مسامي تقف خاشعة للإلقاء… شدتني كثيرا أغاني، قعبور، وفرقة الميادين، و مارسيل خليفة.. كان الشيخ إمام وقتها مرفوض لدي بسبب لهجته التي تشبه لهجات الأفلام المصرية التي يقدمها النظام.. كان حكمي على أغانيه، عفويا، ومتطرفا.. باعتبار أن كل ما يمرره النظام في التلفزة هو شيء لا يعول عليه…

كان أستاذي نور الدين، هو ملجأي، وفانوس لكل أسئلتي.. مدني بأشرطة كثيرة لكل الأغاني الثورية، وحثني على القراءة لكتاب ثوار.. فكانت أول هدية منه هي رواية “الأم” للكاتب “مكسيم كورغي” بجزأيها.. مقابل وعد بتحرير ملخص للرواية… فوافقت.. بتحدي مقابل الحصول على نسخة الرواية…

تمثل رواية “الأم” لغوركي : أهم الأعمال الروائية التي تناولت فكرة الاشتراكية، وهي نموذج الذي اقتدى به كتاب المدرسة الواقعية الاشتراكية، رغم ضخامة العمل الروائي ما يقارب الستمائة صفحة، حجم متوسط، وطبعة رديئة من دار نشر مشرقية، إلا انه وضع بطريقة يستطيع المتلقي أن ينهل منه دون ملل، وهذا يحسب للكاتب الذي وضع وقفات فكرية في الرواية، بالإضافة إلى مجموعة من الحكم والأقوال المأثورة التي لا بد أن يتوقف عندها القارئ للتفكير والتأمل بها.
الرواية تتحدث عن ثورة 1905 التي حدثت في روسيا القيصرية، ورغم فشل هذه الثورة، إلا أنها كانت الدرس الأهم الذي تعلمه الثوار الروس لتحقيق حلمهم في الثورة الاشتراكية، وليس مجرد الثورة وحسب، وتأتي الرواية ضمن هذا السياق، الذي يبشر ويدعوا للثورة والاستمرار بالعمل، لكي يزول كل مظاهر الظلم والفساد المتفشية في المجتمع.
مكسيم غوركي لم ينتظر انتصار الثورة لكي يكتب عنها، لكنه كتب عن الثورة قبل نجاحها، وكان في رواية “الأم” المنظر والداعي للثورة، وليست ثورة وطنية التي دعا إليها وإنما ثورة اشتراكية، مما جعله معرضا لملاحقة رجال النظام القيصري، منذ إن كتاب الرواية إلى أن انتصر البلاشفة في ثورتهم عام 1917، وهذا الانسجام بين القول والفعل عند غوركي كان بمثابة دعوة لأهمية وجود كتاب ينسجمون مع أطروحاتهم، التي تمثل هم وطموح الجماهير …

استغرقت في قراءة الرواية ما يربو من ثلاثة أيام، مع كتابة تلخيص طويل من خمسة صفحات.. ركزت على جوانب الثقافية و الاجتماعية بين الأم و أشخاص مؤثثة للنص التحفة… سلمته الملخص و الروايتين بجزأيها، أثناء الاستراحة الصباحية، و هو في طريقه إلى قاعة الأساتذة.. أخذه مني و هو يبتسم واضعا يده على رأسي، فرحا بانجازي.. قائلا، سأقرأه لاحقا..  شكرته بدوري مع طلبي بمدي بنسخة من رواية أخرى…

رواية الأم، دفعتني للبحث عن الثورة البولشفية، وانتصارها على القياصرة و النازيين… وصراعها مع الامبريالية العالمية في حروبها الباردة، على رقعة شطرنج هذا الكون…

لم يكن الاتحاد السوفياتي بالنسبة لي محور العالم الذي أنتمي إليه. لم يكن، على الأقلّ، كما بالنسبة لأحد رفاقي المنتمين إلى شبيبة حزب التقدم والاشتراكية، الذي ما فتئ على محاولات استقطابي للشبيبة مع حثي على حضور جميع أنشطته الموازية في مقراتهم أو في قاعات العمومية المنتشرة في المدينة…

صديقي والرفيق عبد القادر (والذي سيهاجر إلى  إسرائيل في ما بعد، أيام توقيع اتفاقيات العهر والاستسلام، كعامل مهاجر غير شرعي، ويطرد إلى المغرب قسرا، عقب عملية استشهادية للحافلة نقل وسط تل أبيب. كان في الزمن والمكان الخطأ) أخبرني أنّه كان يفتحُ المنجد العربي وينظرُ إلى الخريطة ويقول: «إنّ الرفاق يحكمون نصف العالم».

 لا.. فعلا.. لا.. لم أكن سوفياتياً ومطمئنا لدورهم في تشكيل خرائط العالم.. بعد مؤتمر يالطا وطهران والدار البيضاء… لم أكن مطمئنا للبروباغندا المكثفة في المركز الثقافي السوفياتي الواقع وسط الرباط والذي سيتحول في عهد الشفافية وكلاسنوست إلى مطعم الوجبات الأمريكية السريعة “ماك دونلاد” و انتقل إلى شارع النصر باسم جديد وطاقم غير كل شيء بابتداءً من المكتبة التي قلصها بشكل لافت…  وجعل رقص الباليه أولوية الأولويات…

لكنّي-رغما عن ذلك- كنتُ آمل بعودة الاتحاد السوفياتي الى الواجهة، و وقوفه أما تعنت النيوكولونالية الجديدة والامبريالية المتوحش..

كان شغفي بمعرفة ما يدور في العالم، جعلني، أخفي ترانزستوراً صغيراً في جيبي طيلة حياتي الدراسية، لأستمع إلى موجز الأخبار كلّ ساعة، لأتابع آخر أخبار فلسطين وحرب لبنان الأهلية والتدخل العسكري للسورين والإسرائيليين ومن يحركهم… إيران والعراق.. صراعات الحدود في شمال إفريقيا، وهزيمة القدافي مع دولة تشاد الفقيرة بدعم فرنسي غربي…وووووو…

وكانت اكبر فرصة لأتعرف على فيروز وصوتها الصادح:

حين هوت مدينة القدس

تراجع الحبّ وفي قلوب الدنيا استوطنت الحرب

الطفل في المغارة وأمه مريم وجهان يبكيان وإنني أصلّي

الغضب الساطع آتٍ وأنا كلي إيمان

الغضب الساطع آتٍ سأمرُّ على الأحزان

من كل طريق آتٍ بجياد الرهبة آتٍ

وكوجه الله الغامر آتٍ آتٍ آتٍ

لن يقفل باب مدينتنا فأنا ذاهبة لأصلّي

سأدقّ على الأبواب وسأفتحها الأبواب

وستغسل يا نهر الأردن وجهي بمياه قدسية

وستمحو يا نهر الأردن آثار القدم الهمجية

الغضب الساطع آتٍ بجياد الرهبة آتٍ

وسيهزم وجه القوّة

البيت لنا والقدس لنا

وبأيدينا سنعيد بهاء القدس

بأيدينا للقدس سلام آتٍ.

فيروز الذي عجلت بي في الغرق … في البحث عن المشرق العربي، بتلاوينه وصراعاته، ومجتمعاته وطوائفه، خاصة لبنان وسوريا… تعرفت عن اسم لن أنساه صنع الأيقونة فيروز، بألحانه وكتاباته ومسرحياته… الإخوة الرحباني …

في الواقع، اكتشفتُ مسرحيات الرحباني وأغانيه متأخّراً بعض الشيء. لم أكن أعرفُ من الماركسية إلا عناوينها التي أعطاها زياد أشكالاً وأسماء. فبدأ الصراع الطبقي يظهر في وجوه أتخيّلها، وأفيون الشعوب يتمايل على أنغام «أنا مش كاف» والاستغلال يتجسّد في «شو ها الأيام اللي وصلنا لا». وكلّ هذا الكرّاس الماركسي يأتيك فيما عيناك تدمعان من الضحك، ووجهك يحمرّ خجلاً لسماعك «أمّك في عندا بزّين».

قبل الرحباني، دخَلَت البيتَ أشرطةُ مارسيل خليفة ثمّ أحمد قعبور .. لكن لفرقة الميادين طعم خاص لصوتها وأدوات الموسيقى المستعملة بين العصري و التقليدي…. الأرجح أنّي تعرّفت إلى مارسيل خليفة أوّلاً بسبب محمود درويش. وشكّلَت الأغنية الملتزمة مدخلاً لي لا إلى اليسار وحسب، بل أيضاً إلى الحرب الأهلية ورواياتها، تلك الحرب التي لم تعرف بيروت إلا وجهاً محلياً لصراع عالمي…

لكنّي أذكر أنّ الإدمان على القراءة و تتبع ما يجري في المسارح: أعطاني شعوراً عميقاً بأنّ هذا العالم المتجسّد فوق الخشبة هو العالم الذي أريد أن أنتمي إليه، أن أكون جزءاً منه ومن تاريخه ومستقبله. كان هناك الكثير لأتلقّفه، ولأعوّض به العزلة التي فرضتها التهميش والقهر على أبناء  جيلي….

إلى يومنا هذا، مازال رنين أصوات فرقة العاشقين ترثي بيروت و القضية الفلسطينية.. هاته الأغنية فتحت عيني عن مؤتمرات و دسائس غابت عني.. و أجابت عن سؤال لفيروز:.:

أشهد يا عالم علينا وعَ بيروت

(غناء:  فرقة العاشقين)

اشهد يا عالم علينا وعَ بيروت                    اشهد بالحرب الشعبية

واللي ما شاف م الغربال يا بيروت               أعمى بعيون أمريكية

بالطيارات أول غارة يا بيروت                       غارة برّية وبحرية

جبل الشمال وبالبحر يا بيروت                    صور الحرَّة والرشيدية

قلعة الشقيف اللى بتشهد يا بيروت            عليهْ داسوا راس الحيّة

والشجر قاتل والحجر يا بيروت                    والواحد جابه دورية

جمل المحامل شعبنا في بيروت                بعين الحلوة والنبطية

واحنا ردّينا الالية يا بيروت                          بحجارة صيدا والجيّة

تراب الدامور اللى بيشهد يا بيروت              عالخسارة الصهيونية

بقلبي خلدنا الوحدة يا بيروت                     لبنانية فلسطينية

سدوا المنافذ علينا في بيروت                   منعوا المعونة الطبّية

سور الأشبال مع زهرات يا بيروت                منه ما مرّت آلية

والطيارات غطوا السما يا بيروت                  والبحر جبهة حربية

كانوا غربان المنية يا بيروت                        واحنا تحدينا المنيّة

واشهد يا عالم علينا وعَ بيروت                   عَ صبرا والميّة وميّة

شاتيلا وبرج البراجنة يا بيروت                    بالمتحف شافوا المنيّة

ثمانين يوم ما سمعناش يا بيروت                غير الهمة الاذاعية

بالصوت كانوا معانا يا بيروت                        والصورة ذابت بالميّة

لما طلعنا ودَّعناك يا بيروت                        وسلاحنا شارة حريّة

لا راية بيضا رفعنا يا بيروت                         ولا طلعنا بهامة محنية

والدرب صعبة وطويلة يا بيروت                    عليها أكدنا النيّة

واللي ما شاف م الغربال يا بيروت               اعمى بعيون امريكية

لتفتح بابا كبيرا لنقاش واسع وسط المغاربة…

 

يتبع…

يونيو 2016.

لقراءة الحلقة 1 اضغط هنا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.