ما لا يعجب في الكلام عن الاضراب…

هل هناك ما يستلزم خوض اضراب وطني عام في المغرب؟ الجواب حتما هو : نعم.

هناك ما هو أهم من الاختلالات في أنظمة التقاعد التي جعلتها النقابات شعارا مركزيا للدعوة إلى الاضراب، هناك تدهور القدرة الشرائية للمواطن بفعل الزيادات المتتالية في الاسعار، هناك تراجع للحريات العمومية المجسدة في تناسل المحاكمات السياسية مثل الفطر، هناك استشراء الفساد في قطاعات مختلفة من الاقتصاد الوطني، هناك عودة التحكم في المجال السياسي وبوادر التراجع عن المكتسبات الدستورية المحققة ابان الحراك الشبابي، هناك رغبة في اذلال المواطن المغربي عبر تسفيه النخب السياسية وتشويهها… كل هذا مبررات كافية ليس للاضراب الوطني العام، ولكن لثورة عارمة ضد هذه الاوضاع…

لكن السؤال الحقيقي؛ هل الدعوة إلى الاضراب جاءت في انصات لنبض المجتمع والطبقة الشغيلة، أم أنه محملا بحسابات أخرى، سيكون لتصفيتها، عبر شد الحبل هذا أو عبر التسويات تحت الطاولة، أثرا وخيما على هذا الشعب المغلوب على أمره….

الجميع يعي أن حكومة عبدالاله بنكيران، ما هي إلا مجموعة من الموظفين العموميين لا يهشون ولا يبشون في القرارات الاستراتيجية الكبرى لهذا الوطن، والجميع يعرف أو أصبح يعرف، خاصة بعد خطاب الثروة، وخطاب الحسد، أن السياسات الكبرى والتسيير الوحيد، هي السياسات الرشيدة والتسير الملكي الميمون…. والجميع يعرف أيضاً أن ما يسمى بالحكومة هي حكومة صاحب الجلالة والمعارضة هي بدورها معارضة صاحب الجلالة، هذه الأخيرة هي صاحبة الدعوة إلى الاضراب الوطني العام عبر أذرعها النقابية بالاضافة إلى نقابة مخاريق والتي لا تختلف عنهم، كونها من النقابات الجادة كما وصفها الخطاب الملكي….

يتضح الامر جليا بالدعوة التي وجهها حزب الأصالة والمعاصرة الى مناضليه من اجل الانخراط في التعبئة لهذا الاضراب…

طبعا هناك قوى أخرى انساقت وراء هذه الدعوة، بحسابات نقابية وسياسية غير حسابات الجناح الملكي، واعني بها التيارات الديمقراطية، في الاتحاد المغربي للشغل، وفي الكونفيدرالية بالاضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الانسان وغيرها من التنظيمات المدنية….

كل هذا الالتفاف من أجل انقاد وضعية الصناديق…. أليس غريبا بعض الشيء؟

ثم في ظل كل الشروط التي مر منها المغرب، الحراك الشبابي، الازمة الاقتصادية العالمية، ما الذي كان يمكن تقديمه للمغاربة بواسطة موظفين عموميين آخرين غير هؤلاء المنتمون في جزء منهم إلى العدالة والتنمية، والآخرون إلى مختلف الاجنحة الملكية؟

إن خوض إضراب بهذا الشكل، يختلط الدعاة إليه بين الملكيين والجمهوريين والاسلاميين والمعدمين الذين لا مورد لهم هو ضرب من العبث النضالي، الذي لن يهدف إلا إلى اعادة توزيع الادوار والمنافع والمكاسب، ودون أن يحقق أي ربح لجموع المواطنين الذين يكتوون بنار الغلاء وبغياب الديمقراطية وبالاستبداد…. نوع من التسخينات السياسية عبر الاذرع النقابية لا غير…

قد يكون المواطن حطب هذه الصراعات المصلحية، صراعات ترتب عبرها النخب النافذة، اهتماماتها ومصالحها في أفق أكثر تحكما وأكثر انتفاعا، دون ذلك ما كان لها أن تعطي الضوء الاخضر للدعوة إلى هذا الاضراب، ولا أن تعطيه لمعارضتها من أجل مساندته…

الآخرون، الذين يعولون على تأجيج الصراع الطبقي، وهم ينخرطون في هذه الدعوة، حالمون… حين سيتدخل الملك، ويوقف الاضراب، بقراراته الشجاعة والسامية والمولوية التي تنصت دائما لما يمور وسط الشعب، على حد تعبير مصطفى العلوي، سيجدون أنفسهم أصغر بكثير من الحجم الذي كانوا يعتقدون أنهم به… وسيخسرون مرة أخرى….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.